|
القاهرة 06 يناير 2026 الساعة 03:52 م

كتب: حاتم عبد الهادي
لا يزال البحث في التراث الطهوي لدى الشعوب والأمم مجالًا خصبًا للدهشة والاكتشاف، ومصدرًا بالغ الأهمية لفهم عادات المجتمعات وتقاليدها عبر العصور. فالطعام ليس مجرد وسيلة للبقاء البيولوجي، بل هو خطاب ثقافي، وسجل اجتماعي، ومرآة تعكس أنماط التفكير، وطرائق العيش، وأنساق القيم الكامنة في الوعي الجمعي.
في كتابه "مطبخ سيناء: تراث وعادات وتقاليد"، يأخذنا الكاتب والباحث السيناوي عبدالعزيز الغالي في رحلة عميقة داخل الجغرافيا والتاريخ والذاكرة الشعبية، ليكشف عن عالم ثري من العادات والتقاليد والموروثات الثقافية المرتبطة بالطعام في سيناء، تلك البقعة الفريدة التي تحمل قداسة التاريخ وعبق الحضارة.
فسيناء، بوابة مصر الشرقية، ليست مجرد فضاء جغرافي، بل عقدة تاريخية شهدت المعارك، ومسارات القوافل، وعبور الحضارات، وكانت قنطرة الوصل بين إفريقيا وبلاد الشام والمغرب العربي. وعلى أرضها تجلت لحظات كبرى في التاريخ الإنساني؛ من مسار العائلة المقدسة، إلى تجلي الله سبحانه وتعالى لموسى عليه السلام على جبل الطور. كما ظلت عبر العصور هدفًا للأطماع، لما تختزنه من ثروات طبيعية، ولموقعها الاستراتيجي بوصفها عصب الأمن القومي المصري على حدوده الشرقية.
ولا يمكن قراءة هذا الكتاب بمعزل عن خبرة مؤلفه؛ فـ عبدالعزيز هندي الغال ليس باحثًا نظريًا فحسب، بل هو رئيس شعبة الفنادق والمطاعم بالغرفة التجارية المصرية، وعضو جمعية الطهاة المصريين، وخبير دولي في الأغذية والمشروبات، طاف البلاد العربية والأوروبية، وحاز أرفع الشهادات والتكريمات. كما أنه عضو اتحاد كتاب مصر، ومؤرخ شعبي يُعرف في سيناء بلقب "جبرتي سيناء"، لما يمتلكه من معرفة دقيقة بتاريخها الاجتماعي والثقافي.
يجمع الكتاب بين المنهج العلمي والتطبيق العملي، فيقدم فنون الطهي السيناوي بوصفها ممارسة ثقافية متكاملة، لا تنفصل عن عادات الناس وطقوسهم اليومية، ولا عن طرق تقديم الطعام باعتباره سلوكًا حضاريًا. وهو بذلك يوائم بين الأصالة والمعاصرة، وبين نكهة الشرق وعبق التراث، دون أن يفقد حسه التوثيقي أو روحه المعرفية.
وتنبع أهمية الكتاب كذلك من دوره في تنشيط السياحة الثقافية، إذ يتيح التعرف إلى ثقافة سيناء من خلال الغذاء الصحي الذي ورثته الأجيال عن الأجداد، ويكشف تميز المطبخ السيناوي ضمن المطبخ المصري الأوسع، بما يجذب السائح لا لتذوق الطعام فحسب، بل لفهم المجتمع، وأنماط عيشه، وقيمه.
ويمثل الكتاب توثيقًا بالغ الأهمية للموروث الطهوي لبدو سيناء وسكان مدنها، ويبرز أثر هذا التراث في التبادل الثقافي مع دول الجوار، بما يعزز الهوية القومية المصرية، ويكشف عن الممارسات الثقافية المرتبطة بآداب الضيافة، ومشروب القهوة، والصناعات البيئية المرتبطة بالغذاء، كزيت الزيتون، والنخيل، والثروة السمكية والزراعية، ودورها في دعم دخل الأسرة والدخل القومي.
كما يقدم الكتاب صورة شاملة للتراث المادي والمعنوي لأهالي سيناء من خلال الطعام وطرائق صناعته وتقديمه، ويُعد مرجعًا مهمًا لمطبخ المرأة المصرية عمومًا، والسيناوية البدوية خصوصًا.
ولا يتوقف الكتاب عند التوثيق الغذائي، بل يفتح آفاقًا جمالية وثقافية أوسع، حيث يمكن للمطبخ السيناوي أن يكون مدخلًا غير مباشر لتنمية التذوق الفني، واستلهام الفنون التشكيلية والحرفية، وإقامة معارض دولية تعرّف العالم بعادات سيناء، وأزيائها، وحُليها، وثقافتها المحلية التي تمثل—بخصوصيتها—طريقًا أصيلًا نحو العالمية. فدراسة التراث الشعبي، في هذا السياق، ليست ترفًا ثقافيًا، بل جزءًا من صميم الأمن القومي، لما تمثله من فهم عميق للإنسان وأنماط تفكيره.
ويرصد المؤلف بدقة التاريخ الطهوي في سيناء، من الزراعة إلى الصيد، ومن الطهي إلى الطقوس المصاحبة للوجبات، مستعرضًا الأكلات الشعبية، وأمثالها، وحكاياتها، وزراعات الزيتون والنخيل والحمضيات، وفواكه سيناء، فضلًا عن الثروة السمكية، وبخاصة بحيرة البردويل وتاريخها، وإدارة مواردها عبر العصور.
كما يعرض الكتاب للحرف اليدوية المرتبطة بالغذاء، مثل الصيد وصناعة الشباك والحبال من ليف النخيل، وطرق الاستفادة من الموارد الطبيعية، وما تعرضت له من استغلال إبان الاحتلال.
ويولي المؤلف اهتمامًا خاصًا بالمرأة السيناوية، فيقدم وصفات دقيقة بمقاديرها وطرق طهيها الصحية، ويفصل أنماط السفرة السيناوية في العريش والمدن الأخرى، وأنواع الخبز وطرائق صناعته، من فطير الصاخ، والجريشة، وخبز الملة (اللصيمة)، وغيرها.
كما يتناول عادات الضيافة والكرم السيناوي، وآداب تقديم القهوة، وأمثالها الشهيرة، وأنواع الذبائح ومناسباتها الاجتماعية والدينية، من ذبائح الضيف والصلح والعافية والعرس والعقيقة، إلى مناسبات عاشوراء وليلة أيوب، وما يرتبط بها من معتقدات شعبية.
ويضم الكتاب معجمًا مبسطًا للهجة السيناوية، وفصولًا خاصة بالأكلات المميزة مثل "اللصيمة"، وطقوسها الليلية، إلى جانب توثيق أطعمة البر والبحر، من صيد الغزلان والسمان، إلى الأسماك والرخويات، وطرائق طهيها غذاءً ودواءً.
كما يخصص فصولًا للشوربات، والفتّات، والطبيخ، والسلطات العطرية، والمشروبات، وشاي الأعشاب، والحلويات المنزلية، في عمل موسوعي نادر يجمع بين المعرفة، والتوثيق، والمتعة.
إن هذا الكتاب، في تقديري، موسوعة علمية وثقافية وتراثية لا غنى عنها، للأسرة، وللباحثين، وللفتيات المقبلات على الزواج، ولكل من يسعى إلى فهم المطبخ السيناوي بوصفه هوية وذاكرة وحياة.
ومن هنا، أدعو وزارة الثقافة المصرية إلى إعادة طباعة هذا العمل المهم، والعمل على توثيق وجبة "اللصيمة" السيناوية وإدراجها ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، بوصفها تعبيرًا حيًا عن هوية المكان وذاكرة أهله.
في الختام، أثمّن الجهد الكبير الذي بذله ابن سيناء البار عبد العزيز هندي الغالي، في تقديم عمل فريد يعيد الاعتبار للتراث الشعبي بوصفه ركيزة للهوية، وجزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي الثقافي.
كل التحية لـ "جبرتي سيناء" الذي قدّم سيناء في طبقٍ من الحب، وحملها من قلبه إلى ذاكرة الوطن، مؤكّدًا أن هذه الأرض—أرض القمر والفيروز والنخيل—ستظل بوابة مصر، وحارسة تاريخها، وكنزها الثقافي المفتوح على العالم.
|