|
القاهرة 06 يناير 2026 الساعة 03:50 م

كتبت: ريم عباس - السودان
يُعد "الدوبيت" أحد أبرز وأعرق الأشكال الشعرية في التراث السوداني، وهو انعكاس لتفاصيل الإنسان الريفي والبدوي والرحّالة، ولوحة صادقة لحياته اليومية، وأداة للتعبير عن القيم والعلاقات والعواطف في بيئة غامرة بالشِّيم الحسنة.
كلمة (دوبيت) تعني (البيتَين) لأن أغلب قصائده تتكوّن من بيتين رباعيين أي أن كل أربعة أشطر تنتهي بالقافية نفسها، باعتبار أنها بيتان.
شِعر الدوبيت والنبطي:
رغم التقارب بين الشعر النبطي والدوبيت في طبيعتهما الشعبية واهتمامهما بتصوير حياة البادية ومشاعر الإنسان البسيط،والصدق في المشاعر الفيّاضة، فإن بينهما اختلافات واضحة في النشأة والبنية والأسلوب، فقد نشأ الشعر النبطي في بيئة الجزيرة العربية، يُكتب على لهجاتها الشّعبية وأوزان خاصة به، أمّا الدوبيت السوداني فقد نشأ في بيئة البوادي السودانية، متأثرا بالموروث العربي والإفريقي معا، واتخذ شكله الرباعي المميز القائم على أربعة أشطر متحدة القافية، يُكتب باللهجة السودانية المحلية لكل منطقة، وهكذا ظلّ الدوبيت صوت السودان الشعبي،مثلما بقيَ النبطي لسان الجزيرة العربية وذاكرتها الشعرية الأصيلة.
الحَرْدلّو: شيخ شعراء البُطانة وعرّاب الدوبيت
اسمه الكامل محمد أحمد عوض الكريم أبو سن يُلقّب ب (الحرْدلّو)من أعظم شعراء الدوبيت في السودان وأقدمهم، وُلد في أواسط القرن التاسع عشر في منطقة البُطانة بشرق السودان في بيئة بدوية عامرة بالحقول والفلاحة، رغم أنه كان من عائلة سياسية في ذاك الزمن، قيل إن والده كان زعيم قبيلة الشُّكرية فقد عاش الحردلو حياة البادية بكل ما فيها فكان شعره مرآة صادقة لتلك الحياة؛ الفروسية والبسالة والكرم والشهامة، فهي معروفة من سمات الإنسان السوداني.
تميّز شِعره بالصدق والبساطة وعمق التجربة، فعبّر من خلالها عن أغراض الشعر كافة، خلّد الحردلو اسمه في الذاكرة السودانية كأول من رفع الدوبيت من مستوى القول الشفاهي إلى فن شعري له هوية ووزن وأثر أدبي، حتى صار اسمه مرادف للشعر الشعبي الأصيل في السودان.
مسادير الحردلو:
(المُسدار) بضم الميم، يعني قصيدة طويلة تسرد رحلة أو حدث معين بتفاصيله خطوة بخطوة، كرحلة صيد، أو سفر، أو غزو، أو حتى مسار عاطفي.
للحردلو عدة مسادير، أشهرها مُسدار المطيرق ومُسدار الصيد.
1/ مسدار المطيرق: قصة الحب والشوق
يُعد (مسدار المطيرق) من القصائد التي تُبرز الجانب الغزلي والعاطفي في شعر الحردلو، وتكشف عن براعته في تحويل موقف شخصي بسيط إلى لوحة شعرية نابضة بالحياة، كتبَ هذه القصيدة بمشاركة أخيه الذي شاركه كتابة بعض فقراتها.
و(المطيرق)تصغيرٌ (المُطرَق) وهي عصا رفيعة يحملها عادة شيوخ العرب ورجال البادية، وتُعد رمزا للهيبة والمكانة والأناقة البدوية.
تدور قصة المسدار حول موقف طريف وعاطفي، إذ اتفقَ الحردلو مع إحدى النساء بزيارة ليلية، وعندما جاءت في الوقت المحدد سمعت معه أصوات ضيوف فعادت أدراجها، وبعد مغادرة الضيوف ظنّ الحردلو أنها نسيتَه ولن تأتي، فنام نومًا عميقًا، فهي جاءت مجددا لكنها وجدته نائما، فاستحت أن توقظه، وأخذت عصاه (المطيرق) لتثبت حضورها، وعندما استيقظ الحردلو ولم يجد عصاه،علم بحقيقة ما حدث، فكتب هذا المسدار الجميل، يصوّر فيه الموقف بأسلوب يجمع بين العتب الرقيق والدهشة والحنين..
مختارات من المُسدار:
يقول الحردلو في أحد مقاطع المسدار:
"تفْسير المطيرق ما بِدورْ لو حَديسْ
وأصلها من بَشِمْ مِنْطرحة غير تَحْميسْ
إن صَحَّتْ فراسْةَ الكلمة في التَّقييسْ
من غير المُوَضَّح فيها معنى غَميسْ"
في هذه الأبيات، يحلّل الكلمة مطيرق مبينا أنها مصنوعة من شجر البَشِم، وهي عصا رفيعة كان يمتلكها، ومع أن التفسير في ظاهره لغوي، إلا أنه تمهيد رمزي فالعصا التي يفسّرها هنا ستصبح لاحقا رمزا للحب المفقود واللقاء المؤجل، فهي الشاهد المادي على إخلاص الحبيبة، كما هي شاهد على خيبة الشاعر وعتابه.
يجمع الحردلو بين الجدّ اللغوي والسخرية اللطيفة، وبين الرمز المادي (العصا) والرمز العاطفي (الوفاء) مما يجعل الأبيات درامية تمهّد للمأساة العاطفية التي ستُروى في أبيات أخرى خلال القصيدة.
ومنها أيضا:
"أعضاي انشوت والأرض بقت ملالة
وعمري بلا لماك قط ما بشوف لو طلالة
بت السرة كان حكمت علي بي لالة
رضان إن بقيت ودوني لي الشيّالة"
تكشف الأبيات عن صدق العاطفة وحرارة الوجدان، إذ يتحدث الحردلو عن احتراق جسده وتعبه في غياب محبوبته، معلنا رضاه حتى بالموت إن كان ذلك قدر حبها، ويُظهر النص قدرة الشاعر على تحويل تجربة شخصية بسيطة إلى نص شعري خالد، يجمع بين الشجن والرقة والبلاغة الشعبية.
2/ مسدار الصيد:
تُعَدّ قصيدة (مسدار الصيد) من أبرز أعماله، وهي لوحة شعرية تمزج بين الملحمية والدقة الوصفية، إذ يصوّر فيها رحلة صيد طويلة بكل تفاصيلها، كتب الحردلو هذه القصيدة بلغة قوية حيوية، وتشي بقدرته الفائقة على تحويل رحلة عادية إلى مشهد شعري متكامل.
يُشيد بعض النقاد بالقصيدة لما تحمله من بلاغة فطرية ودقة في التصوير،إذ يرسم الشاعر ملامح الطبيعة السودانية بروح شاعرية فيّاضة، وصف الشمس، والإبل، والغزلان، والريح، والجبال، وكل ما مرّ به وصفه في هذه القصيدة، وتكتسب القصيدة قيمتها أيضا من بعدها التاريخي والإنساني، إذ تعكس طبيعة الحياة في السودان خلال القرن التاسع عشر، وهكذا يصبح مسدار الصيد وثيقة فنية وثقافية تحفظ ملامح زمن كامل بين طيّات الشعر الشعبي السوداني.
مختارات من القصيدة:
"الشِّمْ خوَخَتْ بَرْدَنْ لَيَالِي الحُرَّهْ
والبَرَاقْ بَرَقْ مِنْ مَنّا جَابَ القِرَّهْ
شُوفْ عَيْنِي الصَّقِيرْ بِي جَنَاحُو كَفَّتْ الفِرَّهْ
تَلْقَاهَا أُم خُدُودْ اللَّيْلَهْ مَرَقَتْ بَرَّهْ
تَعْرِفْ لِي مَشَاهِدْ الرِّقَادْ والفِرَّهْ"
يبدأ الحردلو هذا المقطع بمشهد خريفي آسر، حين تتبدّل حرارة الشمس إلى نسيم بارد بعد الليالي الحارّة بسبب غيوم المطر، والبرق اشتد من اللا مكان (منّا) جاب القرّة أي الاجواء الباردة بعد المطر البعيد.
ويُدخل الشاعر عنصر حركة صيد الصقر للطير، الصقر بجناحيه (كفَت الفِرّة) أي طار وأغلق جناحيه على الفريسة.
ويربط بين الطبيعة والجمال، حين قال (تلقاها أم خدود الليلة مرقت بره) أي الغزالة خرجت تتجول في هذه الاجواء الجميلة، فيمزج بين صورة الصيد وصورة الغزالة.
وأيضا:
" بت المن قرين مرقن على الجبال
في بية وبلوس ما برجن الوبال
صُفراً درعتن تدلى لا البهال
وبيضة شاش قرابيبن تريع البال"
هنا يواصل وصف الغزلان، بنت التي خرجت من مكان اسمه (قرين) في البُطانة، وفي مناطق (بيّة وبلوس) لا ينتظرن المطر، لون اصفر يمتد من الرقبة حتى أعلى الساق (درعتّن تدلى للبهال) وبيضاء مثل القطن من الأسفل روعة المنظر (قرابيبن تريع البال)
واستمر الشاعر في وصف الرحلة حتى وصوله في مسداره الطويل (مسدار الصيد).
خاتمة:
ظلّ الدوبيت ذاكرة حية للوطن والإنسان، يروي حكاية الأرض والناس الذين عاشوا عليها بكرامة وفطرة نقية، وصدى الصحراء السودانية ودفء البوادي الذي لا يزول وحيوية الريف، ما زال الدوبيت حاضرا في الأغنية السودانية الحديثة، خاصة في أشعار الطمبور والدوبيت الغنائي، واستلهمه الفنانون ليجعلوا منه جسرا بين الماضي والتراث والموسيقى الحديثة، فأصبح جزءًا من الهوية الثقافية السودانية الممتدة.
|