|
القاهرة 06 يناير 2026 الساعة 02:03 م

بقلم: د. أسماء عطا جاد الله
صدر عن مؤسسة عبادي للدراسات والنشر عام 2006 ديوان "دون أن ينتبه لذلك أحد" للشاعر أحمد السلامي، وهو عمل شعري يشي منذ عتبته الأولى بانشغال عميق بالذات، وبمحاولة واعية لتفكيكها وإعادة بنائها عبر آليات سردية متداخلة. ففي هذا الديوان يمتصّ الشاعر التقنية السِّيريّة، لا بوصفها اعترافًا مباشرًا أو تسجيلًا لحياة شخصية، بل باعتبارها أفقًا جماليًا ينفتح من خلاله على الفنون المجاورة، ولا سيما الرواية والمسرح.
تتجلّى هذه الانفتاحات في توظيف الحوار، والمونولوج الداخلي والخارجي، وحالات التوتر الدرامي، بما يحوّل القصيدة إلى مساحة سردية نابضة، تتقاطع فيها الأصوات وتتشظّى فيها الرؤى. فالسيرة الذاتية هنا لا تُمارَس باعتبارها كسرًا لحدود “الذاتية” أو انغلاقًا نرجسيًا، بل بوصفها فعل نحتٍ للشخصية الشعرية، وعرضًا للذات في مواجهة العالم والآخر، ضمن علاقة جدلية تتأرجح بين البوح والكتمان، وبين الفردي والإنساني العام.
بهذا المعنى، تصبح القصيدة عند أحمد السلامي مرآةً للذات لا تعكسها في صورتها الساكنة، بل تكشف تحوّلاتها، وانكساراتها، وتوتراتها الداخلية. إنّها ذات تُعاد صياغتها سرديًا، وتتشكّل عبر اللغة بوصفها فضاءً للتجربة والاختبار، لا مجرد أداة للتعبير. ومن هنا يمكن القول إن شعر السلامي ينجح في تأسيس سرديّة شعرية هجينة، تُزاوج بين كثافة الشعر وامتداد السرد، وتمنح التجربة الذاتية بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود الاعتراف الفردي إلى أفق الوعي الجمعي.بحيث يمكن القول "أن الإنسان بلوندول ذرة صغيرة في محيط الكون، إلا أنه مع ذلك لا بد من أن يشع فيما حوله منتشرا علي شكل "موجات" متجددة متلاصقة لا تكف عن الاتساع"(1).
فالرجوع إلى تلك التقنية كان استجابة للهموم الثقال التي كان يحس بها الإنسان الأديب إبان الاضطهاد الذي وقع عليه من أجل تحرير الفرد باصطناع الشك في الروايات القديمة التي جعلها التقليديون في مكان المسلمات والمقدسات والبديهيات، بالإضافة إلى أن الهدف من كتابة السيرة الذاتية "تحقيق ضرب من الوفاق بين العزلة الباطنية والعالم الخارجي، وذلك حينما ترتد الذات إلى نفسها وقد اكتسبت عمقا وخصبا، فزيادة الفعل يؤدي إلى زيادة إحساسنا بالوجود وتقوية شعورنا بذواتنا إذا فليس في استطاعة الإنسان أن يعيش دائما مشتتا في الخارج مبعثرا بين الأشياء"(1)، وهذا ليس باليسير على الأديب فهذا النوع من الكتابة يتطلب مشقة كبيرة "حيث يتجرد الكاتب من نفسه، ويتخلص من أهوائه ونزعاته الخاصة فالحوادث التي يرويها عن نفسه والتخلص من أهوائه ونزعاته الخاصة قد تعصف بقدرته على وزن الأشياء وتقويم الأمور وتضليل تفكيره"(1).
وهذا ما فعله السلامي في نصه والذي اعتمد فيه على آلية السرد والتي وجدت لها أرضا خصبة داخل قصيدة النثر التي تعاملت مع فن السيرة بطريقة شعرية انسيابية تقلل من الإسهاب الممل في سرد الأحداث الدقيقة، ولكنها تخدم نصها بأدوات فنية جديدة تجعل القارئ يتشوق إلى تتالي الأحداث واكتشاف نتائجها والاشتراك في إنتاج النص وهي مهمة جديدة تعطيها قصيدة النثر لقارئ لم يكن معتمدا على ذلك من قبل.
يبدأ الشاعر النص بالإهداء وهي سمة من سمات النص الحداثي بصفة عامة وقصيدة النثر بصفة خاصة، باعتبار أن الإهداء يمثل جزءا من أجزاء النص، ولكن ثمة سؤال لمن الإهداء؟ للمساءات الطويلة فيعطي للقارئ من الوهلة الأولى أنه يتعامل مع نص مختلف، وكأن الذات تتخذ من هذه المساءات علاقة حميمية تصاحب الذات وتلازمها باعتبارها السكن الذى أصبح ملاذا للشاعر، فالمساء (الليل) "ظلام -انفراد-عزلة، ثم يعقبه دلالة وصفية وهي الطول؛ ليشير إلى معاناتها الشديدة، ثم يعقبها دلالة وصفية أخرى وهي (بلا أحد)؛ لتعمق فكرة العزلة التي تحيط بالذات.
"أنا أعرفك يا أحمد سلامي /صيّاَدُ هزائمَ/مُفتعلُ انتحارات/هوية رومانسية تنشرخ بين القبيلة والذات/صانِعُ ابتساماتٍ هادئةٍ/وجهُكَ العابِسُ مدهون بالرضا/وأنت تُكِنُّ لهم سياطَ اشمئزازِكْ/دونَ أن تَدرسَ فنّ التمثيلِ(*).
فهيمنة ضمير المتكلم، وعائدية الأحداث وأفعال السرد إلى المؤلف تجعل إمكان الشعر فيها واردا بشكل قوي لأن الأنا الشعرية تجد قناعها في الأنا السيرية، وعلى مقدمة من كاتبها نفسه فيتطابق التعبير بأنا الشاعر وأنا المتكلم، فالنص يستقدم صورة الذات ويجمعها من الممرات المتناثرة ودروب الحياة اليومية؛ كي تأتي عارية من كثافة المجاز والكتابة، لكنها حافله بالدلالة التي تنبثق عن وعيها بتناقضاتها، وما يمور فيها تحت السطح، بالإضافة أن ضمير المتكلم الذي يمثل المنولوج النفسي وانشطار الذات، لتقديم المحتوى النفسي للشخصية فتقوم بالمنلوج ذات واحدة انقسمت على نفسها لتعرض المحادثة الداخلية للشخصية ويتم هذا حين يترك الكاتب بطله يتكلم بكل ما يرد على خاطره ويخرج كل ما يخالج نفسه من أفكار ومشاعر ويصور المنلوج ما يموج به هذا العالم من اضطرابات وانفعالات، فتقوم الشخصية بالتعبير عن بعض أفكارها العميقة ودوافعها الكامنة؛ فالمنلوج هنا لا يجسد حوارا مع أحمد السلامي ومناجاة فقط، بل يمثل تأديبا، فالسلامي لا يتعامل مع اللغة كأداة تعبير فحسب، بل كأداة خلق عن العالم من حوله بعيداً عن صورته الجاهزة وصياغته المسبقة .. حيث تقف الذات وجهاً لوجه مع نفسها... فصورة الذات (المثالية) مفقودة ومؤجلة يصدمها الواقع بجدرانه المزدحمة بصور الموتى والتشابه والتكرار والضياع.
"المدينة النائمة على أعضائك /كورشة عمل مجنونة، وأنت تفتح نوافذ رئتيك/على سجائر الشك في قطار اليوم../ ثمة لعبة حلزونية تتحكم بساعات اليوم/الصناديق التي تخبئ فيها ضياعك /سنوات تتكسر/تشبه مرايا رهيفة في الحلم .. ( *) .
يجسد النص تشظي الذات وتوترها أمام الضجيج الذي تتعرض له، فتتخذ من المجاز وسيلة لفضح هذه المدينة فيرسم صورة تخيلية للواقع، فالمدينة تشكل هما من هموم الشاعر الحداثي بصفة عامة فلا تنفك عنه بصخبها وضجيجها المؤلم و"السلامي" يمثل أحد الشعراء الذين تنازعهم المدينة بضجيجها الذى يحدث حالة من حالات الانكسار، فنوم المدينة يجسد حالة الضغط الواقعة علي الذات، ثم يعطيها وصفا آخر(النوم)؛ ليدل علي الراحة والاسترخاء من ناحية المدينة.
ثم يأتي المكان الذى تنام فيه وهو أعصاب الشاعر، ليشير إلى التوتر والقلق الذي ينتاب الذات من حملها، ولكن هل يكتفي الشاعر بهذا الوصف؟، بل يعمق الضغط من قبل المدينة بالصورة البسيطة وهو(التشبيه)، فهذه المدينة ليست عادية، بل ورشة، والورشة (عمل – صوت0حركة أشخاص – ازدحام)، ولم يكتف الشاعر بهذا الوصف، بل يصفها بالجنون فهي أيضا ليست ورشة عادية، بل مجنونة ليشير إلى التخبط، ثم يأتي الإيقاع البصري ليعمق دلالة هذا الضغط الواقع على الذات بعلامة الترقيم(،)لتعمق تلاحم الشاعر بهذه الأشياء، فيعود إلى المنلوج مرة أخرى قائلا "وأنت تفتح نوافذ رئتيك"، فالنوافذ تمثل دلالة استشراف على العالم الخارجي، فثمة تجانس كوني بين الرئتين والنوافذ، فيربط بينهم رابط خفي وهو (الهواء) الذى يدخل الرئتين عن طريق السجائر التي تقوم بوظيفة التوصيل بين الداخل والخارج؛ فالسجائر دلالة على الاشتعال وكأنها الفتيل الذى يشعل الرئتين داخليا لكي تنقلب على الواقع.
وتأتي دلالة الشك لتجاور السجائر لتحمل دلالة الريبة والقلق في مواجهة هذا الواقع، ثم تأتي دلالة القطار لتمثل حالة التشظي الزمني الذى تعايشه الذات داخل الواقع، فالمقطع يكشف عن صورة ساخرة للواقع الذي لم يجد خلاصا منه سوى تهشيم ذاته داخل الحلم ويمثل هذا النص سمة التداعي الحر للأشياء التي يرصدها الشاعر داخل النص فـ(الإسفلت – العساكر) صيغ جديدة يطالعنا بها تأنيث الأشياء والعلاقات المنطقية التي تحكم صيغ التعبير إلى التفكيك والتي يسعي من خلالها إلى تفكيك العالم وبعثرة أجزائه وسط حالات التشذر والتشظي التي يحاول الشاعر أن يلملمه ويعيد تركيبه مرة أخرى بطريقة غرائبية مدهشة؛ ليؤكد تلاحم الذات مع جميع تفاصيل الحياة ومفردات الواقع المعيش، ليكسبه جمالا لم يكن موجودا من قبل.
ثم يختم الشاعر نصه باستشراف صيغ جديد قريبه يعبر عنها ب "سوف تعلن ضجرك في الصباح" فالذات هنا مازالت في واقع الليل داخل الحلم الذى يفيق منه الشاعر على الصباح الجديد المتكرر الذى يكسب الصباح دلالة غير دلالته الحقيقية وهي الازدحام والإزعاج التي تجر الذات معها وتنقلها من حفرة إلى أخرى فتمثل حفرة النوم دلالة إيجابية لدى الذات، فهي حالة الراحة وتكوين الحلم (الثورة)، ومن هنا يخرج النوم من الدلالة السلبية إلى الإيجابية؛ لأن الذات تنصاع وراء الأوجاع والضوضاء في الصباح إلى الدوران الذى يمثل حالة من الحركة المنهكة للذات والتي توحي بالتوهان وعدم الاستقرار داخل هذا الواقع.
فالشاعر يتخذ من الحفرة معادلا موضوعيا، يجسد عليها حركة العالمين اللذين يعيش فيهما، ثم يعود إلى المدينة ليختم المقطع، باعتبار أن هذا الهم يقلق الذات ويشغل تفكيرها، فيتخذ من المدينة ساحة مسرحية تُعرض عليها الأحداث التي تمر بها الذات، فوصفها بالنوم يمثل حالة من الثبات لا تريد تحريكه وهذه طبيعة للمدينة، فالأشخاص هم الذين يحركون هذه المدينة.
ثم يجسد الشاعر واقع هذه المدينة والأشخاص الذين يعيشون فيها، فيستخدم عدسة الكاميرا ليصور كائنات هذه المدينة (امرأة مشحونة شاعرا يتأبط..) كل ذلك يوحي بمدى الرتابة والتكرار الذي ينمو داخلها؛ لذا يهاجر أصحابها داخلها داخليا؛ ليخرجوا من هذا الواقع المزيف الذي يتصنع الإنسان فيه من أجل أن يواكبه، ولكن هذه المدينة ليست مجنونة ونائمة فقط، بل مسحورة ولم تكتف بالسحر فقط، بل مسحورة بأفيون غامض، فالأفيون دلالة على انهيارها، ثم ينقل الكاميرا على العساكر والمجانيين؛ ليجسد حالة من حالات التضاد، فالعساكر تمثل الأمن والاحتماء ودلالة المجانين تمثل نوعا من الخوف والفزع، ولكن الشاعر هنا عطف الدلالتين؛ ليجسد حالة من التوحد والثبات داخل هذه المدينة، فلا يستطيع الإنسان داخلها أن يقوم بالدور المنوط به؛ لذا لم يكن أمام الاثنين سوى ارتشاف الوقت داخلها من خلال رجوعه إلى الحفرة كل ليلة ليجسد واقع الذات داخل المدينة .
"ستحتاج هذه الورقة أيضا /ستحتاج كل الأوراق تقريبا/لأنك بلا أحد /ولا نفسك حتى/نفسك المعلقة بغد سينمائي.../ستتعالج من مرضك السري/وسننجب طفلا جميلا/لا يشبهك بالضرورة/لأنك لست وسيما بما يكفي لاستنساخك/حين يصبح الفخذ طاولة للكتابة/يختفي البياض وتبقي أصوات الضجيج /وطلاء الجدران يستفزالضوء/ويجعل كل ما حولك يفكر بعقلك"(* ) .
النص يمثل انحرافا لغويا في عدم ترابط وتآلف البنية النصية ظاهريًا، ولكن خيوط النص تتشابك في شكل خفي مكونة تماسكا نصيا قويا، فالنص يتكون من عدة مشاهد مختلفة المشهد الأول هو احتياج الشاعر لكل ما في الحياة متمثلا في الأوراق لتجمع الذات تاريخها الذى تحتاجه شاهدا عليها؛ لتأخذ منه نقطة انطلاق تتمثل في المعالجة من الأمراض التي تصيب الذات وهي ليست أمراض عضوية، بل نفسية وشعورية ناتجة من جراء الأحداث المزعجة من واقع الذات القمعي؛ لذا تأخذ على عاتقها تحمل هذا المرض ومقاومته حتى تتعافي وتتوالد من جديد بعد فعل الشفاء منجبة طفلا جديدا، فتتخذ من فعل الإنجاب حالة من التوالد والنمو الذى يغمر العالم القادم الذى يخلقه الشاعر بنفسه، فالفعل (سينجب) جاء مقترنا بسين التسويف، ليدل على قرب المعافاة من هذا المرض السري الذى يتوغل داخل أعماق الذات دون أن يعرف هذا المرض أحد، وتأتي دلالة الطفل الذي سيولد واصفا له بأنه جميل ليشير إلى أن هذا العالم سيختلف عن السابق(عالم الذات الواقعي) الذي لا يريد تكراره، فهو يقر بأن هذا العالم غير وسيم (وهنا تأتي الدلالة السلبية المتمثلة في(غير وسيم) لتعمق دلالة الضجيج الذى يملا عالم الذات.
ثم يأتي المشهد الآخر من هذا النص يفصل بينه وبين المشهد السابق إيقاع بصري متمثلا في الفراغ الذى يمثل لحظة زمنية قفزت فيها الذات بحلمها متطرقة إلى الواقع الجديد الذي تتخيله في باطنها مستعينة بالظرف (حين) على لحظة زمنية للذات تستحضرها أمام عينها، فالشاعر هنا يستخدم الفخذ كنوع من أنواع الكتابة بالأعضاء؛ ليبرز القمع الواقع على هذا الجسد بكل أعضائه ولا يجد متنفسا من هذا القمع سوي الكتابة (البوح الحرية) التي ينتج عنها اختفاء البياض واستفزار الضوء الذي يمثل طلاء الجدران ستارة تحجب هذا الضجيج الذى يعيشه الشاعر، فينتج عنه انفراجة لحالة الذات.
ثم يتكئ الشاعر على موتيفة اللون فاللون الأبيض دلالة للبراءة والفطرة للعالم الداخلي الذى يتشكل داخليا في وعي الذات وتستمر موتيفة اللون في التناسل فالجدران بياض متعرج ووصف الجدران بالبياض المتعرج يجعل الشاعر يتخذ من الجدران معادلا للعالم الخارجي الذي يقيد الذات ويبرز حالة من الانحراف التي تقوم بها الذات تجاه الجدران، فتعمل على تصدعه مرة أخرى حتى ينهدم فالذات تتخذ مسارا آخر في هذا المشهد، وهو الهجر والترك لهذا العالم لأن لديها ما يكفي لبناء عالم جديد، فالرماد(النار) هنا دلالة على الاشتعال الذي يضيء اللاحق ويطهر السابق، ثم يعود مرة أخرى للتأديب الداخلي بطرح التساؤلات التي تكشف عن الإبهام الذي يوجد أمامها، فهي لم تنتظر إجابات، ثم تستمر الأنا في التأديب زاعمة بأن الصفحة ليست عريضة، فالصفحة معادل للعالم الداخلي التي تدور عليه حركات الذات الداخلية؛ لأنها ليست حكيمة، فالحكمة تجعل الذات تتخذ احتياطاتها قبل المواجهة لأن المواجهة ليست سهلة أو مقاومة العالم الداخلي تحتاج لقوة أكبر، فيرى أن الكتابة هي السلاح الذى تواجه به الذات هذا الزحام والضوضاء، ثم يأتي المقطع الأخير ليبين أن انطلاق الذات في الكتابة هو توجه ولا يلتفت إلى من ينكر هذا أم يقبل يسميه شعرا أو غير هذا، فالذات لا تقبل التصورات الجاهزة التي منعتها من الحرية ومارست عليها الضغط والقمع نفسيا وجسديا، فثارت على النظام الثابت وترى في الغموض والألغاز حالة من الاكتشاف التي تناسبها، فالعالم أصبح في حالة تغير لا يناسبه نظام الحكي التقليدي وأن الذات تتخذ من هذه الكتابة شرارة جديدة لبناء ذاكرة كاملة مغايرة للذاكرة الثابتة، فلا تخضع للتصورات الجاهزة والذوق البراق في الوزن الذى يسجن المعني داخله.
تستعجل دائما ثم تندم/يقولون أنك متردد، وهذا لا يكفي/لأنك لا تتخذ رأيا من الأساس./حين قرأت قصائد(سركون بولص)قلت:/هذا صديقي/وحين بدأت الكتابة لم تعد تقرأ/وقلت:البياض صديقي/لكن الغرفة دائما هاجسك /تبحث عن مكان سري لأوراقك/ (* )
الشاعر يعمق الحوار الداخلي المتوتر من قبله متخذا من نفسه أداة للتأديب والردع في آن واحد، فهو يقر فعل الاستعجال والندم والتردد، فمن خلال تأديب الأنا للآخر لا يكفي وصفها بهذه الدلالات لأن الذات القابلة لهذا الواقع تستحق هذا الضياع والتشظي؛ لأنها تركت حقوقها وأصبحت فريسة سهلة للعالم الخارجي فيستمر النص في تناسل دلالاته؛ ليتخذ من فعل التردد دليلا على صفة الذات الحالية التي لا تستقر على رأى، فيقول حين قرأت قصائد "سركون ……فالشاعر يتخذ من واقع المجتمع دلالات تؤكد ازدحام هذا الواقع، وليس هو الوحيد فيه الذى يعاني فيتخذ من "سركون" صديقا ومسندا ودرعا يقاوم به هذا الواقع، وكأنه شريك مع الذات في ما يلحق بها من أسى لأن سركون عانى من هذا الازدحام والروتين البارد مثل السلامي.
ثم يتجه الشاعر إلى تفتيت الزمن بكل حمولاته عبر استرجاع الماضي لقطع التسلسل الزمني الذى يسير في اتجاه واحد، ليحرك الزمن ويلغي ثباته وجموده. عبر المفارقة الزمنية بين الماضي والحاضر والمستقبل؛ ليستحضر الصورة. وهو ما تمثل في استدعائه "لسركون" ليكسر التراتب الزمني واللغوى للنص ليلتحم بهذه الشخصية.
"ألعن كل الزجاج الذى من أجله تبتسم الوجوه/وهي تخدع نفسها بالانسجام /مرايا للأطفال الكبار/ينسحرون بأناقة متخيلة في التقاطيع /أحلام ديناصورية بالخلود/والروح تهترئ/تتقمص دور فرن داخلي/اسمه جحيم الذات. "(*) ينهض النص على المنولوج والتداعي والاسترجاع وتيار اللاوعي، والتدفق الشعوري الذى يتمدد داخل نسق السرد ليضيء الأحداث ويكشفها ويعريها،"فالسلامي" لم يكتف بتغلغله داخليا، وإنما أشرك المتلقي معه في التغلغل داخل الأعماق البعيدة لهتك سرها وكشفها دون مواربة، حيث يغادر الوعي بذاته مناطق الرضا والقبول والتصالح والانسجام.
فالذات في هذا النص متوترة تعيش هزائمها وانكساراتها كل يوم في واقع يطفح بالزيف والأقنعة، وكأنها تقيم داخل دور مشهدي في سيناريو واحد .. إنها ذات تتجمل بالفرح والحب؛ لتخفي أوجاعها الداخلية ومحنتها الوجودية.
ذات يحاصرها الضجر والملل فيرى أنه لا جدوى للكتابة.. حتى الأشياء تغادر وظيفتها وتتجمل لتلحق بالكورس والتمثيل:
"صور عديدة لموتى/يحاصرونك بإرثهم في الوجود/زحام في الجدران أيضاً/وأنت تخجل من الكاميرا/أو على الأرجح لا تثق بملامح وجهك/"( *).
"الواقع بجدرانه المزدحمة بصور الموتى والتشابه والتكرار والضياع يمثل صرخة صامتة واحتجاج غير معلن إزاء تلك العزلة التي تحيط بالشاعر من الجهات الأربع في ظلال التواطؤ الجماعي على الاشتراك في مسلسلات ومشاهد متشابهة، تفوح منها رائحة واحدة هي رائحة التمثيل والافتعال.. حيث تقف الذات وجها لوجه مع نفسها .فصورة الذات(المثالية) مفقودة ومؤجلة يصدمها الواقع "(2).
الغابة بأكملها في رأس همجي واحد/الأغلبية يشبهون طرزان/وهو يرتدي بذلة أنيقة/ما شأن الواحد بالواحد/إن لم يكن من أجل البقاء ../حتى معجون الأسنان/له وظيفة مسرحية تشبه دورالماكياج/وأنت مربوط إلى جذع الكتابة.. *يشكل هذا المقطع استنطاق هوية الذات في حضورها أو تجلياتها في مسارب الحياة اليومية،" فواقع الشاعر طافح بالمفارقة والتناقض، وهو يغذي إحساس الشاعر بالاغتراب عن ذاته من جهة واتساعا لمسافة حد الانفصال عن الآخر المسكون بالعدائية إزاء ذات الشاعر بدون سبب واضح. وتتجلى المفارقة في تشكلاتها داخل بنية القصيدة في تلك التـقابلات الدلالية التي يستثمرها الشاعر في النمو الدرامي الصاعد للتجربة في القصيدة في أكثر من موضع، (المجد – الضياع….)(2).
"هاتفك مقطوع .. إذن .. أنت شاعر/مثل علي الشاهري(*)
يعتمد الشاعر في هذا النص على تقنية الاسترجاع الخارجي لملء فراغات زمنية تساعد على دفع مسار الأحداث فظهور شخصية جديدة علي مسرح الأحداث للتعرف على ماضيها وطبيعة علاقاتها بباقي الشخصيات الأخرى "كعلي الشهري" يكسر أفق توقع القارئ بانتهاكه للمألوف والاشتغال على المفارقة بأنواعها وخلق مسارات لغوية مختلفة، وابتداع مسارات صورية غرائبية، فيعمل على تفكيك منظومة الخليل فيرتكز الموقف الشعري للذات والواقع المحيط بها والعالم، فيتكئ على رؤية محورية قوامها التعرف على صورة الذات وموقفها من العبث المقيم في تفاصيل وجودها اليومي الذي تنبثق عنه تشكلات الرؤية إزاء جملة من المعايشات التي يتكئ عليها الموقف الشعري في القصيدة، وتؤمي بملمح فلسفي يعكس قدرة الشاعر على تفكيك الصياغات الجاهزة واستيراد علاقات جديدة ضمن رؤى شعرية جديدة للذات والواقع من حوله"(2).
الهوامش
(*) أحمد السلامي :دون أن ينتبه لذلك أحد ،الطبعة الأولي 2006،عبادي للدراسات والنشر
1- عبد العزيز شرف: أدب السيرة الذاتية ،مكتبة لبنان الشركة المصرية العالمية لونجمان ط 2011
2- سلطان عزيزي: موقع (عناوين ثقافية)علي شبكة الانترنت.
|