|
القاهرة 05 يناير 2026 الساعة 03:06 م

بقلم: محمد خضير
لم يكن ختام الدورة السابعة والثلاثين من المؤتمر العام لأدباء مصر بمدينة العريش حدثًا ثقافيًا تقليديًا، بل بدا وكأنه إعلان رؤية متكاملة لدور الثقافة في لحظة وطنية فارقة؛ رؤية تنطلق من سيناء، وتعيد صياغة العلاقة بين الأدب والدراما، وبين الإبداع والهوية، وبين الذاكرة الوطنية ومستقبل الوعي الجمعي.
* مركز إشعاع ثقافي
انعقاد المؤتمر في شمال سيناء، تحت عنوان «الأدب والدراما: الخصوصية الثقافية والمستقبل»، حمل دلالات تتجاوز الإطار الأكاديمي أو الاحتفالي، ليؤكد أن الثقافة أصبحت جزءًا أصيلًا من معركة البناء، وأن سيناء، بما تحمله من رمزية تاريخية ووطنية، تتحول إلى مركز إشعاع ثقافي، لا هامش جغرافي.. فاختيار العريش لم يكن مجرد انتقال بالمكان، بل انتقال بالرؤية نحو الأطراف بوصفها قلبًا جديدًا للفعل الثقافي.
* بيت السرد
وجاء الإعلان عن إطلاق «بيت السرد» والمنصة الرقمية لأندية الأدب كأبرز ملامح هذا الختام، ليكشف عن تحول نوعي في التفكير الثقافي؛ تحول يرى في السرد ليس مجرد جنس أدبي، بل وعاءً للذاكرة الوطنية، وأداة لحفظ التاريخ الإنساني والاجتماعي من التآكل والنسيان.. «بيت السرد» هنا يُطرح كمشروع استراتيجي لإعادة الاعتبار للحكاية المصرية، ولربط النص الأدبي بمصيره الطبيعي في الدراما والسينما والفنون البصرية، بما يضمن انتقاله من الورق إلى الوجدان العام.
وفي هذا السياق، تبرز الدعوة إلى توثيق بطولات حرب أكتوبر المجيدة وسائر الحروب بوصفها استعادة واعية لدور الأدب في كتابة التاريخ من منظور إنساني.. فالمعركة لا تُخلَّد فقط بالأرقام والبيانات، بل بالحكايات الفردية والجماعية التي تكشف معنى التضحية، وتُحوِّل البطولة من حدث عابر إلى قيمة متوارثة.. ومن هنا، تتجسد فكرة تحويل هذه الأعمال إلى مشروعات فنية ودرامية باعتبارها استثمارًا في الوعي، لا مجرد إنتاج ثقافي.
* تحولات العصر
أما المنصة الرقمية المرتقبة لأندية الأدب ونتاج المؤتمر، فتمثل استجابة مباشرة لتحولات العصر، ومحاولة للجمع بين الأصالة والحداثة.. فهي لا تسعى فقط إلى حفظ الإنتاج الإبداعي، بل إلى إتاحته، وربطه بجمهور أوسع، وخلق فضاء تفاعلي يضمن للأدب المصري حضورًا معاصرًا دون أن يفقد جذوره أو لغته أو روحه.
إعلان انطلاق عام كامل من الفعاليات والأنشطة الثقافية والفنية في شمال سيناء، الممتدة من العريش إلى رفح، ومن بئر العبد إلى نخل والشيخ زويد، يعكس إيمانًا راسخًا بأن الثقافة لا ينبغي أن تظل حبيسة العواصم أو المراكز الكبرى.. فانتقال الفعل الثقافي إلى القرى والمدن البعيدة يُعد خطوة حاسمة في بناء وعي وطني متوازن، ويؤكد أن الثقافة حق للجميع، وأداة رئيسية في مواجهة التطرف وتزييف الوعي، لا نشاطًا ترفيهيًا أو موسميًا.
* الموقف الثقافي
وفي موازاة ذلك، جاءت توصيات المؤتمر لتؤكد وضوح الموقف الثقافي الوطني للمبدعين المصريين؛ موقف ينحاز للحرية باعتبارها شرط الإبداع الأول، ويرفض في الوقت ذاته كل أشكال التطبيع الثقافي مع العدو الصهيوني، ويؤكد دعم القضايا العربية العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والدفاع عن سيادة الدول ووحدة أراضيها.. هذا التوازن بين الالتزام الوطني والانفتاح الإبداعي يعكس وعيًا نقديًا بدور المثقف في لحظة إقليمية ودولية مضطربة.
كما لفتت التوصيات الانتباه إلى العلاقة الشائكة بين الدراما والهوية، من خلال الدعوة إلى إعداد «مدونة سلوك وطنية للدراما المصرية»، وهي دعوة تفتح نقاشًا ضروريًا حول كيفية حماية القيم المجتمعية دون مصادرة حرية التعبير، وحول مسؤولية الفن في تشكيل الوعي العام، خاصة في ظل التأثير الواسع للدراما على الذائقة والسلوك.
* جمع المأثورات الشعبية
ولم يغفل المؤتمر أهمية التراث غير المادي، والدعوة إلى إعداد كوادر متخصصة لجمع المأثورات الشعبية، خاصة في شمال وجنوب سيناء، بوصف هذا التراث أحد مفاتيح فهم الشخصية المصرية، وركيزة أساسية لحماية التنوع الثقافي من الاندثار أو التشويه.
واختُتمت الفعاليات بتكريم رموز أدبية وثقافية بارزة، في لفتة تحمل معنى الوفاء للذاكرة الثقافية المصرية، وتؤكد أن الإبداع مسار تراكمي، لا ينفصل فيه الحاضر عن الماضي، ولا يُبنى المستقبل فيه دون الاعتراف بمن مهدوا الطريق.
* بيان ثقافي
واخيرا وليس بآخر.. لم يكن ختام مؤتمر أدباء مصر بالعريش مجرد إعلان توصيات أو إطلاق مشروعات، بل كان بمثابة بيان ثقافي يؤكد أن الأدب لا يزال قادرًا على لعب دور محوري في بناء الوعي، وأن الثقافة، حين تتكئ على رؤية واضحة، يمكنها أن تتحول إلى قوة فاعلة في صياغة المستقبل، وحارس أمين للهوية والذاكرة الوطنية.
|