|
القاهرة 05 يناير 2026 الساعة 12:51 م

يرويها: مصطفى علي عمار
شرب من النيل وهو نائم... كثيرًا ما كنا نسمع هذه الكلمات ونحن صغار، ونتمنى أن نشرب من النيل وهو نائم. كما يقولون إن من شرب من النيل وهو نائم يتحول في لحظة لأقوى مخلوق، ويصبح "مسنون"، فكلمة مسنون تعني القوة الخارقة.
فيقولون إنه يمكنه أن يرفع مثلا "الزير الكبير" المتواجد في كل منزل في القرية لشرب الماء منه، والذي يصعب على العصبة رفعه، فيرفعه هو بيده مملوء بالماء، ويشرب منه، ثم يضعه مكانه وكأنه يرفع كوب من الماء صغير وليس زير كبير مصنوع من الفخار مملوء بنصف طن ماء، لأن النيل أعطاه القوة الخارقة حينما شرب منه وهو نائم.
لكن كنا نسأل: كيفية الشرب من النيل وهو نائم أو؟ فكانت تتردد حكاوي لنا كثيرة، من يقول إن النيل له مرة واحدة فقط في العام، لمدة دقيقة، يتنام فيها، ومن يسعده الحظ ويشرب في هذه اللحظة، ويعرف يده بالماء، فيشرب منه، سوف تتحول القوة إلى جسده، ويصبح مسنونًا، يستطيع رفع وحمل ما لا يستطيع غيره حمله أو رفعه.
وأيضًا يصبح قويًا، لا يستطيع عدد من الرجال الأقوياء، لو أحاطوا به، هزيمته، بل يهزمهم بذراع واحد، فيطيح بهذا، ويذف هذا، ويلقي هذا أرضًا في لحظة.
وكانوا في القرية يقصوا علينا قصصًا لناس زمان، كان منهم من أسعده الحظ ويشرب من النيل وهو نائم، فكان يستطيع حمل نجلة واقتلاعها من الأرض، أو اقتلاع شجرة، أو هدم حائط قديم، لو أرادوا منه ذلك، فيضرب الحائط بكف يده، فتسقط على الأرض.
وكل من يكون مسنونًا يغلب عليه التواضع، ويتحول بعد شرب الماء من النيل وهو نائم إلى شخص طيب القلب. ولو في يوم شعر بالتكبر، واستغل قوته في الشر، فسوف تزول منه في الحال.
وكانوا في القرية يحكون أيضًا بأن فلان زمان حدث له، وشرب من النيل وهو نائم، وصار قويًا، لكنه تكبر على الناس بقوته، فذهبت قوته، ومرض، ولازم الفراش، وأصبح هزيلًا يغلبه طفل.
أذكر في الزمن القريب كنت في إجازة، وذهبت لأقضيها في قريتي زهرة بالمنيا، وسمعت أن صياد سمك من صيادي النيل من أهالي القرية، كان محظوظًا حسب قوله وشرب من النيل وهو نائم، فأصبح هذا الصياد قويًا، وربط حبلًا في سيارة كبيرة لا يستطيع تحريكها بأيديهم عصبة، لكنه استطاع جرها بحبل من أسنانه، والناس في القرية شاهدته، وصفقوا له، وأكلوا النار أمامه، دون أن يحدث له شيء، وأكل أيضًا زجاجًا، وتعجبت الأهالي من ذلك، فقال لهم: شربت من النيل وهو نائم. والتقت معه بعض الصحف، وبعض القنوات الفضائية، وهو يفعل كل هذا، ويؤكد أنه شرب من النيل وهو نائم.
اسمه بكر طهماوي، في بداية العقد الخامس، والذي قال في تصريحات صحفية له: اكتشفت تلك القوة على شاطئ النيل أثناء صيد الأسماك وذلك منذ 30 عاما، "كنت قاعد بأصيد وشربت من نهر النيل وهو نايم" وأنه عندما كان عمره 16 عامًا كان يعمل صيادًا، وخلال تواجده على ضفاف نهر النيل في ساعات الفجر، وخلال التجهيز لعمل مشروب الشاي، تناول قدر من المياه يضيف: عندما اشتد على الجوع وطلب منى أصدقائى أن أحضر لهم الشاى حتى يعودوا من النيل، فشربت من النيل وبعدها شربي المياه حسيت إني "عاوز أكل الزجاج" ثم بعدها وجدتنى أمسك بكوبايات الشاى الزجاج وأقدمها على فمى وآكلها وأمسك الفحم وآكلها وفى تلك اللحظة شاهدنى أصدقائى وطلبوا منى العودة إلى المنزل وعدم إخبار أحد، ثم فوجئت بأنهم خوفًا على حياتهم، نشروا خبر قوتي داخل القرية".
ورغم هذا حاولت أن أخفي قوتي عن الناس وظللت أحتفظ بذلك السر وطالبت أبنائى بعدم إخبار أحد، لكنها اكتشفت فى أحد الأفراح بالقرية عندما، تعثر أتوبيس سعته 50 راكبا فى الوحل، وطلبوا جرارا زراعيا لسحبه، إلا أننى وأنا لا أدرى توجهت إلى الأتوبيس ووضعت الحبل بأسنانى وقمت بسحب الأتوبيس وكان ذلك سبب فى اكتشاف تلك القوة لكل الناس ويقول طهماوي أعشق أكل الزجاج و الفحم المشتعل بعدما يحمر لونه في النار أشعر بطعمه الجميل، "طعمه عامل زي الحلويات والحمصية"، كذلك لا أستطيع أكل الأرز إلا بعد أن أضع عليه زجاج اللمبة النايلون كأنه ملح، ولا أشعر بالطعام بين أسنانى إلا إذا كان عليه شيئ مقرمش حتى أشعر أننى أكل.
وعندما طلب منه أشقائه أن يذهب إلى الطبيب حتى يطمئنوا على معدته فوجيء أن الطبيب يخبرهم أن معدته فولاذية لا تتأثر بأى شيئ بل تهضم الحديد فقرر أكل المسامير، وبالفعل يقول: أكسرها بأسنانى وآكلها وأنا أتمتع بصحة جيدة تماما.
وقوتى لا تتوقف عند أكل الفحم والزجاج فقط بل أستطيع سحب عربة نقل بمقطورة بمفردى، ولست وحدى من يملك تلك القوة، فقد فوجئت أن أبنائى أيضا لديهم نفس القوة، وانتقلت لهم بالوراثة فنجلى الصغير يرفع ما يقرب من 100 كيلو بأسنانه، أما نجلى الأكبر فهو فى نفس قوتى سواء فى أكل النار والفحم والزجاج أو سحب السيارات.
ورغم هذه القوة والتي لا يستغلها في الشر ?طلاقا إلا أنه حزين ويقول إن قوتنا هذه تمنعنا من العمل ولا نجد فرصة للعمل فى حال معرفة صاحب العمل بتلك القوة، والمثير أن البعض حاول استغلال قوتى فى أمور ليست صحيحة إلا أننى رفضتها تماما.
وعندما قابلت ابو طهماوي في القرية، التقيت به، ودار بيني وبينه حديث، فهو شخص عادي كالبشر لا يبدو عليه شيء خارق، طويل القامة قوي البنيان أسمر البشرة مبتسم مهنته صيد السمك من البسطاء المسالمين مع كل ما حولهم، ما يعنيهم في الدنيا قوت يومهم، وأن ينام أخر اليوم في أمان.
حكى لي وأكد الكلام، الذي يتردد بأنه في يوم فجأءة شعر بتغير في نفسه بعدما شرب من النيل في ليلة أثناء الصيد و قام بالعمل بأكل نارً الفحم وزجاجًا أمامي.
لكن هل ما يفعله هي قدرات عنده، أم حقًا شرب من النيل كما يقول، وكما يتردد عن قصص لرجال زمان، أصحاب القوة الخارقة، الذين حالفهم الحظ، وشربوا من النيل وهو نائم؟ وتبقى الحكايات في زهرة وكأنها من حكايا ألف ليلة وليلة.
|