|
القاهرة 01 يناير 2026 الساعة 01:44 م

بقلم: أحمد محمد صلاح
يقول زكي نجيب محمود وأحمد أمين في كتاب قصة الفلسفة الحديثة في حاشية الفصل الأول: "اتَّصل الأوربيون بالمسلمين في الأندلس اتصالًا وثيقًا، واتَّخذ علماؤهم فلاسفة المسلمين أساتذةً يتعلمون منهم، ويدرسون عليهم، ونشطتْ حركة واسعة النطاق لنقل أهم المؤلَّفات العربية إلى اللغة اللاتينية، وهي لغة الأدباء والعُلماء في القرون الوسطى، حتى إنَّ كثيرًا مما بقِيَ من مؤلَّفات ابن رشد حُفظت إلى الآن باللغة اللاتينية، ولا نجد أصلَها بالعربية، وكان من أشهر من قام بهذه الحركة «ريموند Raymond» الذي كان مطرانًا لطُليطلة من سنة 1130م إلى سنة 1150م، حيث أسَّس جمعية لنقل أهم الكتب الفلسفية والعلمية العربية إلى اللغة اللاتينية، فنقلوا من العربية أهم كتُب أرسطو، وما علَّقَه عليها العرب من شروح، كما نقلوا أهم كتُب الفارابي وابن سينا، وكان من أثر هذه الجمعية أنْ رأيْنا منطق أرسطو المُترجَم من العربية إلى اللاتينية يُقرأ في باريس بعد ثلاثين سنةً من عمل هذه الجمعية.
وقد مرَّت حركة استفادة الأوربيين من الثقافة اليونانية في ثلاثة أدوار؛ الدور الأول: نقل الفلسفة اليونانية والكتُب العلمية من العربية إلى اللاتينية، والدور الثاني: النقل من اليونانية مباشرة بعد سقوط القسطنطينية، والثالث: نقل الشروح العربية إلى اللاتينية.
وجاء فردريك الثاني سنة 1215م، واتَّصل بالمُسلمين اتصالًا وثيقًا في صقلية وفي الشام في حروبه الصليبية، واقتبس كثيرًا من آرائهم وعاداتهم وعقائدهم، وقد وصفَه المؤرخون بأنه كان يُعجَب بفلاسفة المسلمين، وكان يعرِف اللغة العربية، ويستطيع أن يقرأ بها الكتُب الفلسفية في مصادرها الأصلية. وأنشأ سنة 1224م مَجمعًا في نابولي لنقل العلوم العربية والفلسفة العربية إلى اللاتينية والعِبرية لنشرِها في أوروبا. وبفضل فردريك ذهب «ميكائيل سكوت» إلى طليطلة، وترجَم شروح ابن رشد على أرسطو، وقبل ذلك كانت قد نقلت إلى اللاتينية جمهرة من كتُب ابن سينا، واستُعمِلت في باريس حول سنة 1200م.
وفي القرن الثالث عشر كانت كلُّ كتب ابن رشد تقريبًا قد تُرجِمت إلى اللاتينية ما عدا كتبًا قليلة، منها: كتاب تهافُت التهافُت الذي ردَّ به على تهافُت الفلاسفة للغزالي، فقد تُرجِمت في القرن الرابع عشر.
وكان أهم مركز لتعاليم ابن رشد في جامعة بولونيا وجامعة بادوا Padua في إيطاليا، ومنهما انتشرت هذه الثقافة في إيطاليا الشمالية الشرقية إلى القرن السابع عشر، واستمرَّت كتُب ابن سينا في الطب سائدةً إلى ما بعد هذا العصر.
ورجال النهضة الحديثة الذين قاموا بحركة الثورة الفكرية كانوا يدرسون على هذه الكتب، أو يتتلمذون لمن درَسوا عليها، فروجر بيكون الذي سبق أهل زمنه في معارفه وطريقة بحثِه أخذ ثقافته العلمية من الأندلس، ودرس فلسفة ابن رُشد، والقسم الخاص من كتابه في البصريات Optics مُستمدٌّ ومُساير لكتاب ابن الهيثم في هذا الموضوع نفسه.
وطالما ارتفعت شكوى رجال الدين المسيحيين في الأندلس من أن المسيحيين يدرسون عِلم العرَب المسلمين، وعابوا مطران إشبيلية؛ لأنه درس فلسفة الكافرين؛ يعنون المُسلمين. وعلى كل حال، فجُملة الأمر ما لخَّصه الأستاذ لِكي Lecky خير تلخيصٍ إذ قال:
لم تبدأ النهضة الفكرية في أوروبا إلَّا بعد أن انتقل التعليم من الأديرة إلى الجامعات، وإلا بعدَ أن حطَّمَت العلوم الإسلامية، والأفكار اليونانية، والاستقلال الصناعي، سُلطان الكنيسة".
كان لابد وأن اقتبس هذه الحاشية الطويلة لتوضيح أن بدايات الفكر الأوروبي الحديث انما نشأت عند العرب بعد أن كانت نهضتهم في خلال القرون الأولي علمية وفلسفية، اقتبس منها الغرب، وطور، ونسب لنفسه الفضل، فالفكر العربي الاسلامي كان له أبلغ الأثر والتأثير على الذهن الأوروبي .
ولست هنا لأعدد ما الذي اقتبسه الغرب عن العلماء المسلمين، ولكن هذه الحاشية قد جعلتني مضطرا أن أوضح ـ في إطار فلسفة هذه الموسوعة ـ ما كان يقوم به علماء الإسلام.
لقد أثرت العصور الوسطي بشكل مباشر علي فلسفة العصور الحديثة، بل على الآداب والفنون أيضا، وهو ما أسهبنا في المقالات السابقة عنها، ولكن كان حلقة الوصل بين العصور الوسطي والعصور الحديثة ثلاث فلاسفة عظام كما يصفهم كتاب الفلسفة الحديثة وهم :
برونو ( 1548 ـ 1600 ) والذي مات حرقا وهو متمسك بأفكاره الفلسفية والعلمية التي كانت تدور كلها حول الفلك.
بوهمه ( 1575 ـ 1624 ) وفي فلسفته تكلم عن الخير والشر.
مونتاني ( 1533 ـ 1592 ) وهو في فلسفته قد أسس بدايات فلسفة الشك، ويقول عنه زكي نجيب محمود: "الحواسُّ مخطئة والعقل خدَّاع، فلا مَحيص للإنسان عن الشكِّ والارتياب، وأقلُّ ما يتمتع به الشاكُّ الحرية المُطلقة من قيود التقاليد. وهكذا كان مونتاني داعيةً إلى الشكِّ بين قومه، فلكل إنسانٍ الحق في أن يفكر لنفسه، وأن يتَّخِذ من نفسه حَكمًا لنفسه، لا سُلطان عليه ولا رقيب".
|