|
القاهرة 30 ديسمبر 2025 الساعة 12:19 م

تقرير: أشرف قاسم
فور إعلان خبر وفاة الكاتب السكندري الكبير مصطفى نصر نعاه الكثير من الكتاب والأدباء على صفحاتهم عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بكلمات مؤثرة تعكس قيمة الراحل، ومدى الظلم الذي تعرض له، ومعاناته مع المرض والوحدة.
الكاتب المستشار أشرف العشماوي كتب يقول:
"رحل عنا الأديب الكبير مصطفى نصر، صوت الإسكندرية الأصيل، وضميرها السردي الذي ظلّ يؤرخ بشخصياته وحكاياته لأحياء المدينة وشوارعها وناسها وعوالمها المتفردة ؛ رحل في هدوء يشبه طبعه كما عاش. عرفته عن قرب حين تزاملنا في الدار المصرية اللبنانية وقت صدور روايته الأشهر «يهود الإسكندرية»، و تشرفت بإدارة ندوة عنها.. يومها لم أجد أمامي كاتبًا يسعى إلى الضوء، بل رجلًا زاهدًا، طيب النفس، يحمل في عينيه وداعة طفل وفي صوته نبرة صبر لمبدع لم يُنصفه زمنه كما يليق به، وداعًا أيها الأستاذ النبيل، والحكّاء الذي ظلّ مخلصًا لمكانه وفنه حتى النهاية".
أما الشاعر إبراهيم داوود فيكتب عن انحيازه إلى الإسكندرية لإنجاز مشروعه الإبداعي، فيقول:
"لم يسعدني الحظ بالتعرف على الأستاذ مصطفى نصر شخصياً، وهذا تقصير منى لا شك، هو أحد أحب كتاب الروايات إلى قلبي، قرأت له مبكرا رواية الهماميل وفيما بعد قرأت له الجهينى وجبل ناعسة وليالي غربال، وبعض القصص هنا وهناك، و كانت حفاوة الأستاذ جمال الغيطاني بأعماله والإشادة بها فى الجلسات الخاصة أحد أسباب اهتمامي بما يكتب، أهم ما يميزه كروائي، أنه صنع معادلة خاصة فى الكتابة، تبدو أنها خالية من الصنعة، كتابة ضيقت المسافة بين الشفاهة والتدوين، بحيث تجد نفسك أمام حكاء مشغول بمصائر البشر الذين يعيشون في الإسكندرية الحقيقية التى لا تستند إلى التصورات المسبقة عنها والتي تم اختزالها فى رباعية داريل ونوستالجيا إدوار الخراط، لا أدعي أنني ملم بمنجزه العريض كله، ولكنى معجب برجل صنع ذاكرة لمدينة شهدت تحولات عنيفة، ولم يشغل نفسه بمعارك كتاب الروايات في القاهرة، هو يحكى لينقذ مدينته، ولينقذ نفسه أيضاً، لم يبرح عالمه المليء بالمفاجآت، يتكئ على المناطق الشجية في التاريخ ليغزل عالماً مبهراً من الصعب أن يلتفت إليه الكتاب المحترفون الذين يشغلهم المجد والجوائز والترجمة، اختار عالمه الذي في المدينة التي كانت كوزموبوليتانية، لينجز مشروعه، تماماً كما فعل خيرى شلبي الذى انحاز لريف الدلتا والأرواح المعذبة والمبهجة فى صحراء المماليك، وكما فعل محمد البساطي الذى اختار الشخصيات الحزينة المنسية على أطراف القرى والغرف الضيقة فى المدينة وعالم المساجين، وأسعى منذ فترة إلى الحصول على بقية أعماله، والتي أنصح دور النشر الجادة لجمعها فى مجلدات، خدمة للكتابة الجميلة الخالية من الادعاء والبطولة، ولم يتوقف انبهاري بمصطفى نصر على أعماله الأدبية، ولكن بسبب الدور العظيم الذى يقوم به فى الفترة الأخيرة للتأريخ لصناعة الغناء والموسيقى بالإسكندرية فى خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، من خلال صفحته على فيسبوك، وضع يده على عالم مليء بالدراما والشجن والمصائر المبتسرة، عالم شجى وطازج، يكتب عنه متسلحاً بمعلومات وتواريخ وخبرات شخصية، وأيضاً بمحبة خالصة، هو يريد إحياء ذكرى أسماء تجاهلهم التاريخ الرسمي للغناء، من ملحنين وشعراء ومغنين، وهو يكتب عن بدرية السيد أو بدارة كما عرفها المصريون، والتي كان من أحلام عمار الشريعي أن يلحن لها كما قال في أحد البرامج، ولكنه استطرد "ولكنني مهما لحنت لها لم أكن سألحن لها كما لحن لها ملحنوها"، وهى شهادة على اقتدار ملحني الإسكندرية الذين ذكرهم نصر مثل محمد الحماقي صاحب البصمة الكبرى على صوت بدارة وسيد شعبان وأحمد سالم وفتحي جنيد وغيرهم، ومن الشعراء حامد شريف وعلي التركي وحمد غنيم وأحمد السمرة وأحمد أباظة وأحمد طه ومحمد مكيوي والواعي وحامد الأطمس وغيرهم، من الأسماء التي قامت على يديهم نهضة الأغنية الشعبية في الإسكندرية، كل شخصية من هؤلاء خلفها حكاية وإنجاز تحتاج إلى جهة ما لرد الجميل لها، عن طريق التوثيق، ليس فقط من أجل الإسكندرية عاصمة اللطافة ولكن من أجل مصر كلها".
الكاتب والناقد السكندري محمد عطية محمود يكتب عن إنسانية الأديب في منجز مصطفى نصر فيقول:
"الأديب والإنسان وجهان لعملة واحدة، لا ينفصلان ولا يغمط أحدهما حق الآخر ولا يجور عليه، تلك هي المعادلة الإنسانية/ الإبداعية التي تستولى على تفكيري عندما يُذكر مصطفي نصر، بارك الله في عمره، فالأديب والإنسان لديه مقترنان في ذهني بصورة واحدة تؤكد على مصداقية ما أؤمن به وأعتقده.. تتجلى البساطة في التعبير من خلال ملامح الوجه، كما هي من القلم عندما يعانق أسطر الورق لينتج إبداعاً يشبه ذات النفس البشرية/الإنسان الذي تلتمس الكتابة قيمتها من قيمته الفكرية والفنية التي إن دلت على شيء فإنها تدل على إنسانيته المفرطة، وحساسيته تجاه الكون، وهذا شأن المبدعين الحقيقيين أينما كانوا وحسبما اختلفت ميولهم ومشاربهم..
حينما تقترب من مصطفى نصر الحكاء البارع الهادئ الوجه ونبرات الحديث التي تتسلل إليك دونما ملل، أو إطناب، تجد نفسك أمام إنسان ينطق إبداعا، وهو الحال عندما تقرأ رواياته وقصصه تشعر بأنه يقرأها لك وتسمعها بصوته وبنفس طريقته في الحكي والإلقاء الذي يأتي على استحياء ليميط اللثام عن مخبوء النفس البشرية، تماما كما ينفض الغبار وهو يكتب عن كل ما تواريه وتغير من سمات سعيا نحو استجلاء حقيقة كونية من عمق البداهة والبساطة الفطرية التي يستنطق بها شخوصه..
أحياناً الكاتب يشبه شخوصه، وأحيانا هم يشبهونه، لكن مصطفى نصر يشبه حكاياته بالمعنى الأعمق والأنفذ لهذا المفهوم الكلي المتسع، فهو مصطفى نصر الذي توغل في أحياء الإسكندرية القديمة غربال وجبل ناعسة والهماميل، وغيرها حتى لتكاد تشم عبق هذه الأماكن يتنفس عبر سطوره، ومن خلال عينيه الوادعتين اللتين ترصدان الكثير والكثير من سمات هذا المجتمع التحتي وتعبران عنه أيما تعبير حتى ليتجسد على الورق كما يتجسد من حكيه ساردا بلسانه العليم، وهو مصطفى نصر الموظف/الإنسان الذي يعانق كل هموم الموظفين من البيروقراطية والتحجر وقلة موارد العيش لينقلك بأجوائه التي عايشها حتى لتكاد تستنشق هواء المكاتب المغلقة للموظفين ورائحة الورق والدوسيهات وأحبار الكتابة وتسمع تكات الآلة الكاتبة في شركاتنا القديمة التي هرسها غول الخصخصة ومصائب الانفتاح، وهوس العلاقات الاجتماعية بين الجنسين في كل من المستويين الذين يرفد أحدهما الآخر وربما يوازيه.
مصطفى نصر هو صوت تسمعه على الهاتف يهش لك وترى بسمته الودود قبل أن ينطق "أهلا بيك"، وقبل أن يعرف من معه بالتحديد على الهاتف، فهكذا المبدعون أرواح وأطياف تعانق بعضها، كما تعانق الإنسانية سواء على الورق بالحبر والمداد، أو على صفحات الوجود بالحس الراقي المعبر وغير المنفصل".
الكاتب الأستاذ سيد محمود ينعيه بكلمات مؤثرة تدل على موقعه في خارطة الأدب العربي فيقول:
"لم اعرف الروائي الراحل مصطفى نصر بصورة شخصية ولم نتقابل مطلقا لكني حزين لوفاته اليوم لأنه أمتعني كثيراً كقارئ لسرديات كتبها عن الإسكندرية وتجلى فيها الهامش بمعناه التعددي فحكاياته جمعت الفن والأدب والحياة الوظيفية في سلاسة نادرة ورغم أن نداءاتنا المتكررة لعلاجه لم تثمر إلا ان العزاء الوحيد انه قد قدر لي المساعدة في نشر روايته يهود الإسكندرية بالمصادفة فقد حدث أن الرواية رفضت من قبل ناشر حكومي وقابلت يومها الصديق سمير مندي وكان مديراً للنشر في هذه الجهة وعبر عن حزنه لأن الرواية جميلة وتستحق النشر ولم تكن هناك أسباب فنية تبرر الرفض، فطلبت منه قراءتها لنشرها في صحيفة القاهرة مع مقدمة منه وبالفعل تحمس لهذا الاقتراح وعندما نشرتها على صفحتين كاملتين تحمست لها الدار المصرية اللبنانية وتعاقدت معه وحققت نجاحاً كبيراً وكادت تتحول إلى مسلسل درامي لولا مشكلات إنتاجية معتادة وللأسف كان يمكن لهذه الخطوة ان تغير حياته وتنصف موهبته الكبيرة".
ويبكيه الشاعر الكبير عزت الطيري قائلاً:
"عانى كثيراً في سنواته الأخيرة من الفشل الكلوي وارتاح أخيراً تاركاً وراءه إرثاً من الإبداع الحقيقي".
أما الكاتب الكبير حمدي البطران فيكتب عن عبقرية مصطفى نصر التي لم تجد من يقدرها قائلا:
"كان من الممكن أن يكون من الحكائين العظام في مصر لو وجد من يهتم بعبقريته في الحكي والسرد، ولكنهم خذلوه ومنعوا عنه جائزة الدولة، وحاربوه حتى في اللحظات الأخيرة تركوه نهباً للمرض".
الدكتور يسري عبد الغني يكتب عن افتتان الراحل بالإسكندرية قائلا ً:
"كان مصطفى نصر مفتونا بالإسكندرية وبعالمها وهي عموما ليست ظاهرة غريبة عن الكتاب السكندريين فلم يكونوا أبدا بمعزل عن عالمها لكن الرغبة في التشريح واستخراج الطبقات الخفية كانت حاضرة دوما في أعمال مصطفى نصر على وجه الخصوص ولننظر مثلا إلى عناوين مثل يهود الإسكندرية وغواني الإسكندرية وستجد هناك الإجابة فلقد كان مصطفى نصر حريصا على الكتابة عن كل الفئات التي عاشت في الإسكندرية وسجلها بصرياً وعقلياً وفكرياً واحتفظ لنفسه بحق الكتابة.
يفضل الكثير من الكتاب الذين يعيشون في مدن مثل الإسكندرية ذلك المزج بين التاريخ والتسجيل اليومي للحقائق والأحداث التي عاشوها وسمعوا عنها ولئن كان صنع الله إبراهيم ونجيب محفوظ يؤرخان القاهرة فلقد فعل مصطفى نصر وإبراهيم عبد المجيد مع الإسكندرية، إذا كان هناك حضور لما هو سماعي بالإضافة إلى حضور ما هو مرئى ومشاهد وما رأته العين رأيها.
وهنا يمكن القول إن مصطفى نصر لم يكن فقط مولعاً بالإسكندرية بل كان أيضا مولعاً بتاريخ الإسكندرية وكان ذلك مجال بحثه ووعيه، في إطار إنك لو تتبعت كتاباته عن عالم الإسكندرية ستجد اهتماماً كبيراً بفترة ما قبل ثورة يوليو وتحديداً عالم الأربعينيات وهي فترة استدعت الكثير من زخم كتاباته".
أما الكاتب الشاب بيتر ماهر الصغيران فيدعو إلى تكريمه بالشكل الذي يليق به فيقول:
"رحيل الكاتب الكبير مصطفى نصر ليس رحيلاً عادياً، هو غياب يعيد فتح جراح قديمة في نفوسنا حول قضية تكريم الكتاب الكبار أصحاب الإبداع الحقيقي.
في أيامه الأخيرة تحدث كثيرًا عن مفهوم التهميش، وعن شعوره بعدم التقدير، حكى مرارًا كيف اختار أن يبتعد عن الأضواء، مفضلًا الإبداع الخالص على الشهرة الزائفة التي نالها كثيرون دون وجه حق.
إنني أدعو وزارة الثقافة المصرية إلى أن تتبنى تكريمه بالشكل الذي يليق بمسيرته وإبداعه، وأن يكون الكاتب الراحل مصطفى نصر شخصية معرض الإسكندرية الدولي للكتاب في دورته القادمة.


|