|
القاهرة 30 ديسمبر 2025 الساعة 12:13 م

قصة: هشام فتحي
شعرتُ بيده الصغيرة توقظني من النوم، استيقظتُ، ولكنني لم أنهض، تعجبتُ كيف دخل هذا الصبي غرفتي؟! لا يوجد أطفال في بيتنا، فقط أنا وزوجتي.
نظرتُ إليه في تعجب، وجهه غير واضح في الظلام، ولكن عينيه تلمعان بشكلٍ غريب، مد يده واضعًا كفه الصغيرة على وجهي، وسألني إن كنتُ حزينًا، فلم أعرف ماذا أجيب؟ ولماذا يسألني؟ وكيف أتى؟ ومن هو؟
هممتُ أن أسأله عن هويته، ولكن شيئًا ما منعني، ووجدتني أجيب الإجابة التقليدية، حامدًا الله على كل حال، سراء وضراء.
مسح وجهي بكفه الرقيقة، وسألني مرةً ثانية إن كنتُ حزينًا، لعدم الإنجاب، فانتابني شعورٌ بالألم، كأنه يطأ جرحًا قديمًا عميقًا، فانفجر الجرح، ملأ القيح والصديد صدري، وصار الكلام مُرًّا كالعلقم، وتذكرتُ أيامًا حزينة، ولياليَ طويلة غاب عنها القمر، كم من طبيبٍ زُرنا! وكم من معمل تحاليل دخلنا حتى صرنا نفهم ونحفظ النتائج!
رأيتُ نفسي وزوجتي ندخل إلى الطبيب بعد طول انتظار، ينظر إلى التحاليل والأشعة، ثم يبلغنا بلهجةٍ جامدةٍ، وكأنه مذيع نشرة الأخبار الجوية بأن غدًا إن كان يومًا شتويًّا ممطرًا أو كان يومًا صيفيًّا شديد الحرارة، فإن علينا أن نعِشه.
ما زلتُ أذكر ذلك الطبيب، ظل يتحدث عن الله ونعمه، وكيف قسم الأرزاق، حتى ظننته شيخًا على منبر في خطبة الجمعة.
تنهدتُ تنهيدةً قصيرةً كاتمًا تلك الآه الحائرة في صدري، لم أعتد أن يكون لأنيني صوت، ثم قلتُ بصوتٍ متردد:
ذلك هو رزقي ونصيبي.
نهضتُ جالسًا على السرير، فلامست قدماي الأرض، حينها شعرتُ ببرودةٍ ورطوبةٍ غريبة، ظننتُ أن الأرض مبللة، نظرتُ إليها فوجدتها جافة، ثم رفعتُ رأسي أنظرُ إلى ذلك الطفل الدخيل، رجع هو خطوتين إلى الخلف، لم أتبين ملامحه، ولكن بدا شعره ناعمًا مثلي!
ساد الصمت المكان، لا يتخلله إلا صوت عقارب الساعة، الممل الحزين، حينها وضع هو يديه الصغيرتين على ركبتي، وسألني:
لو كنتُ ابنك، ماذا كنتَ بفاعلٍ؟
سرَتْ قشعريرةٌ في جسدي، واعترتني مشاعر غريبة لم أعرفها من قبل، لا تشبه الرغبة، وبعيدة كل البُعد عن الشوق، ولكنها أسكنت آلام جرحي.
جاء صوته ثانيةً في رقةٍ وعذوبة، مرددًا السؤال نفسه، فطِرتُ بعقلي، رأيتني أمسك بيديه، كي يخطو خطوته الأولى، وقع أمامي، ضحكتُ، وساعدته على النهوض، تكرر المشهد عشرات المرات حتى تمكن وخطا خطوته الأولى، فركضتُ إلى مكتبي أحضر الكاميرا، لأسجل تلك اللحظة، قررتُ أن أحتفظ بها، لنجلس معًا حين يكبر، ونضحك عليها.
سمعته يتهته في القراءة، جلستُ بجانبه، أعلمه الحروف بكل اللغات التي أعرفها، ثم قدمتُ إليه «العقاد» و«نجيب محفوظ»، قرأتُ معه «تشيخوف» و«يوسف إدريس».
سرنا معًا إلى المسجد كل يوم جمعة، علمته صيام رمضان تدريجيًّا، سمعتُ صوته يتلو القرآن في خشوعٍ وعذوبة، ورفعنا صوتنا بالتكبير في صلاة العيد.
ذهبتُ به إلى تدريب السباحة، حتى تمكن منها، ووقفتُ فخورًا، وهو يسبح بمهارة في رحلات الصيف.
جلستُ ممددًا قدمي? مرتاحًا، وهو يقود السيارة عني في المسافات الطويلة.
وجدته شاردًا رومانسيًّا حالمًا، سمعتُ صوت «أم كلثوم» و«عبد الحليم» يأتي من غرفته، فعرفتُ أن الحب قد طرق باب قلبه، فرحتُ حين أخبرني عنها، ووصفها كم هي جميلة حبيبته، فأخبرته في حزمٍ:
مستقبلك أولًا، إن كنتَ تريد أن تظفر بكل ما تحب.
اخترنا الجامعة والكلية معًا، حضرتُ حفلة التخرج، وضعتُ يدي على قلبي؛ خوفًا عليه، وأنا أرى أصدقاءه يرفعونه في الهواء، ثم يلتقطونه مرةً أخرى.
غضبتُ منه حين ترك تشجيع نادي الزمالك، وشجع النادي الأهلي في شذوذٍ عن ميل العائلة الكروي، واختلفنا حين انتقل «إمام عاشور» من الزمالك للأهلي، وجلسنا معًا نشجع المنتخب في الأمم الإفريقية، واحتضنته حين أحرزنا هدف الفوز.
جاءني يطلب النصيحة في أمور العمل، أعطيته كل ما أملك من خبرة ومهارة في التعامل مع الآخرين ومشاكل المكتب.
ذهبتُ معه، لشراء سيارته الأولى، ووقفتُ وسط العمال في أثناء تجهيز بيته الجديد.
حملتُ طفله على كتفي، واحتضتنه بقلبي.
عدتُ إلى ذلك الطفل بغرفتي، وسألته:
من أنت؟
ولكنه لم يجِب، فأضأتُ نور الأباچورة الموجودة على الكومود بجوار السرير، ورأيتُ وجهه!
تعجبتُ حين وجدته يشبهني تمامًا، ظهر شعورٌ مريحٌ في صدري، سلامٌ نادرٌ لا يصنعه الإنجاب، بل يأتي مع الرضا، تنفستُ بعمقٍ في هدوء، ثم سمعتُ صوت زوجتي:
استيقظ، إنها صلاة الفجر.
فتحتُ عيني، لاحظتُ نورًا خفيفًا يدخل الغرفة، وسمعتُ آذان الفجر، توضأتُ بدموعي المختلطة مع الماء، وصلينا الفجر جماعةً كما اعتدنا.
في الركعة الأولي وجدتني أتلو:
{لِلَّهِ مُلْكُ ?لسَّمَ?وَ?تِ وَ?لْأَرْضِ ? يَخْلُقُ مَا يَشَا?ءُ ? يَهَبُ لِمَن يَشَا?ءُ إِنَ?ثً?ا وَيَهَبُ لِمَن يَشَا?ءُ ?لذُّكُورَ ?49? أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانً?ا وَإِنَ?ثً?ا ? وَيَجْعَلُ مَن يَشَا?ءُ عَقِيمًا ? إِنَّهُ? عَلِيمٌ? قَدِيرٌ?}. «سورة الشورى – الآية 49-50».
وفي الركعة الثانية:
{يَ?ا زَكَرِيَّا? إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَا?مٍ ?سْمُهُ يَحْيَى? لَمْ نَجْعَل لَّهُ? مِن قَبْلُ سَمِيًّ?ا}. «سورة مريم – الآية 7».
ختمنا الصلاة، وبدأنا نعد لزيارة الطبيب المعتادة، قضينا يومنا في راحةٍ غريبة، الطعام شهي رغم أنه المعتاد، النسيم له عطر مريح، والهواء محمل بالأمل.
في المساء ذهبنا إلى العيادة، دخلنا إلى الطبيب دون انتظار على غير العادة، نظر إلى التحاليل والأشعة، ثم علت وجهه ابتسامةٌ عجيبة، خلع النظارات عن عينيه، وقال:
مبروك، ما حدث حقًّا معجزة! المدام حامل!
ارتعشتْ يدي، واغرورقت عيناي بالدموع، وأنا أنظر إلى زوجتي التي تبكي من الفرحة، وتتلعثم في الكلام، وهي تشكر الله.
في طريق العودة، مررنا بمحل لعب الأطفال، لم أشعر بذلك الألم، بل وجدتُ نفسي أبتسم في حيرة، أي اللعب أختار؟!
كل هذا قفز إلى ذهني، وأنا أسير مع صديق عمري وطبيبي «ابني» على شاطئ البحر، وجدتني أقول له:
أتعرف متى قابلتكَ لأول مرة؟
تعجب من السؤال، وابتسم قائلًا:
أكيد يوم ولادتي.
وضعتُ يدي على كتفه مستندًا عليه في سيري، وقلتُ له مبتسمًا:
لا، بل عندما زرتني لأول مرة.
بدتْ علامات الدهشة على وجهه الذي يشبهني، فابتسمتُ، ثم حكيتُ له عن لقائنا الأول في تلك الليلة.
|