|
القاهرة 30 ديسمبر 2025 الساعة 12:12 م

بقلم: د. هويدا صالح
يمثل التاريخ المصري القديم كنزًا حضاريًا لا يُقدر بثمن، لكنه يظل حبيس الكتب الأكاديمية والدراسات المتخصصة التي يصعب على الأجيال الناشئة الوصول إليها أو استيعابها. من هنا تبرز أهمية تحويل هذا التراث العظيم إلى سرديات قصصية وروائية تنبض بالحياة، تجعل من الماضي جسرًا حيًا نحو المستقبل، وتغرس في نفوس الشباب قيمًا حضارية تشكل وعيهم وهويتهم الوطنية.
فحينما نحكي للناشئة عن الطبيبة "بسيشت " والتي تعني المعطية، حيث عاشت في حكم الأسرة الرابعة، ولُقبت بـ " مراقبة الطبيبات" أو " المشرفة على الطبيبات، حيث وجدت نقوش عنها على عمود حجري في مقابر الأسرة الرابعة، مما يؤكد وجودها التاريخي، ساعتها نقدم للناشئة جرعة معرفية تؤكد أولا على مكانة المرأة في مصر القديمة، وثانيا قيمة المعرفة والعلم الذي أنتج طبيبة امرأة تعالج النساء.
كانت بسيشت متخصصة في الطب النسائي، وكتبت باستفاضة عن الحمل والولادة وصحة المرأة. يذكر" جون نن" في كتابه الشهير "الطب المصري القديم"، وهو أحد أهم المراجع عن مصر القديمة، اسم بسيشت كأقدم طبيبة موثقة .
حينما نفعل ذلك، فنحن لا نقدم مجرد معلومات تاريخية جافة، بل نكشف عن وجه حضاري متقدم ومتنور. السرد القصصي يحول الإنجازات المعمارية والعلمية والفنية إلى ملاحم إنسانية ملهمة، تُظهر كيف تغلب المصري القديم على تحديات بيئته القاسية ليبني حضارة عظيمة.
من خلال الروايات التاريخية، يمكن للشباب أن يتخيلوا مشاهد بناء المعابد الضخمة، ويفهموا التخطيط الدقيق للمدن، ويتعرفوا على نظام الري المعقد الذي حول صحراء مصر إلى جنة خضراء. هذا التصور الحي يجعل الحضارة المصرية القديمة ليست مجرد آثار صامتة، بل منظومة حياة متكاملة تستحق الفخر والاعتزاز.
الكشف عن النسق القيمي للمجتمع المصري القديم
تحمل النصوص المصرية القديمة، مثل "تعاليم بتاح حتب" و"نصوص التوابيت"، منظومة قيمية راقية تؤكد على العدل والأمانة والصدق والتواضع. عندما نحوّل هذه التعاليم إلى قصص درامية تروي صراعات إنسانية حقيقية، يستطيع الناشئة أن يستوعبوا عمق هذه القيم وأثرها في بناء مجتمع متماسك.
تخيل رواية تحكي عن قاضٍ مصري قديم يواجه إغراء الرشوة لكنه يتمسك بمفهوم "ماعت" (العدالة والنظام الكوني)، أو قصة عن فلاح بسيط يناضل من أجل حقه أمام موظف فاسد في "شكوى الفلاح الفصيح". هذه السرديات لا تعلم التاريخ فحسب، بل تغرس القيم الأخلاقية التي بنيت عليها الحضارة المصرية.
تعزيز الهوية الوطنية والانتماء الحضاري
يعاني كثير من الشباب المصري من أزمة هوية في عصر العولمة، حيث تطغى الثقافات الوافدة على الوعي الجمعي. السرديات التاريخية المبسطة تشكل ترياقًا لهذه الأزمة، فهي تربط الجيل الحالي بجذوره العميقة وتمنحه إحساسًا بالاستمرارية الحضارية.
عندما يقرأ الطفل المصري رواية عن رمسيس الثاني وهو يدافع عن حدود بلاده في معركة قادش، أو عن حتشبسوت التي حكمت مصر بحكمة وقوة، فإنه يرى نماذج قيادية من أجداده تلهمه وتشعره بالفخر. هذه القصص تجيب على سؤال جوهري: من أنا؟ ومن أين أتيت؟ وهو سؤال أساسي لبناء شخصية متوازنة واثقة.
الهوية المصرية ليست مجرد انتماء جغرافي، بل هي إرث حضاري يمتد لأكثر من سبعة آلاف عام. القصص الروائية تجعل هذا الإرث حيًا ومؤثرًا، وتحول الماضي من عبء أكاديمي إلى مصدر إلهام وقوة.
بناء الوعي الحضاري وربط الماضي بالمستقبل
الوعي الحضاري لا يُبنى بالخطب الرنانة أو الشعارات الجوفاء، بل بالفهم العميق لكيفية تطور الحضارات ومساهمتها في مسيرة الإنسانية. عندما يفهم الشاب المصري أن أجداده اخترعوا الورق (البردي) والحبر، وطوروا الرياضيات والهندسة، وأسسوا أول نظام طبي منظم في التاريخ، فإنه يدرك أن مصر لم تكن مجرد متلقٍ للحضارة بل كانت صانعة لها.
السرديات القصصية تكشف عن الروح الإبداعية والعلمية التي ميزت المصري القديم. رواية تحكي عن كاهن فلكي يرصد النجوم لتحديد موعد فيضان النيل، أو عن طبيب يجري عملية جراحية معقدة، تُظهر للناشئة أن العلم والمعرفة كانا أساس التقدم الحضاري المصري.
هذا الوعي يخلق جسرًا بين الماضي والحاضر، فيدرك الشباب أن مستقبل مصر يجب أن يكون امتدادًا طبيعيًا لماضيها المشرق. إذا كان الأجداد قد حققوا كل هذه الإنجازات بإمكانيات محدودة، فما الذي يمنع الأجيال الحالية من تحقيق إنجازات أعظم بما يتوفر لها من أدوات وتقنيات؟
إبراز اهتمام المصري القديم بالعلم والمعرفة
من أعظم ما يميز الحضارة المصرية القديمة هو نهجها العلمي في مواجهة التحديات. المصري القديم لم يستسلم لصعوبات البيئة الصحراوية، بل استخدم المعرفة والعلم لتحويلها إلى فرص. هذا النهج يحتاج إلى إبرازه للناشئة بطريقة تلامس واقعهم وتحدياتهم.
قصة تروي كيف طور المصريون القدماء نظام ري متطورًا يعتمد على قياس دقيق لمنسوب النيل، أو كيف استخدموا علم الفلك لوضع تقويم دقيق، أو كيف ابتكروا تقنيات البناء التي حيرت العلماء حتى اليوم، كل هذه السرديات تُظهر أن العلم كان محور الحياة المصرية القديمة.
أوراق البردي الطبية مثل "بردية إيبرس" و"بردية إدوين سميث" تكشف عن معرفة طبية متقدمة شملت الجراحة والعقاقير والتشخيص. تحويل هذه المعارف إلى روايات عن أطباء مصريين قدماء ينقذون حياة المرضى، يجعل العلم محببًا للشباب ويحفزهم على السير على خطى أجدادهم.
الطريق نحو تبسيط فعال وملهم
لتحقيق هذه الأهداف النبيلة، يجب أن يكون التبسيط فنًا يوازن بين الدقة التاريخية والإبداع الأدبي. الكاتب الذي يتصدى لهذه المهمة يجب أن يكون ملمًا بالتاريخ المصري القديم، وفي نفس الوقت يمتلك موهبة السرد القصصي الجذاب.
يمكن استخدام تقنيات متعددة لجذب الناشئة: الروايات التاريخية الطويلة للمراهقين، القصص القصيرة المصورة للأطفال، المسلسلات الدرامية التلفزيونية، الأفلام السينمائية، والألعاب الإلكترونية التفاعلية. كل وسيط يخاطب فئة عمرية ويحقق هدفًا تربويًا محددًا.
من المهم أيضًا إشراك المؤسسات التعليمية في هذا المشروع الحضاري، بحيث يصبح التاريخ المصري القديم جزءًا حيويًا من المناهج الدراسية، لا مادة جافة تُحفظ للامتحان ثم تُنسى. النشاطات اللاصفية كزيارة المتاحف والمواقع الأثرية، ومسابقات الكتابة الإبداعية عن الحضارة المصرية، كلها تعزز هذا الهدف.
إن تبسيط التاريخ المصري القديم وتحويله إلى سرديات قصصية وروائية ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وطنية لبناء جيل واعٍ بهويته، فخور بحضارته، متسلح بقيم أجداده. إنها استثمار طويل الأمد في بناء الإنسان المصري الذي يفهم أن عظمة الماضي تفرض عليه مسؤولية بناء مستقبل بنفس القدر من الإشراق.
المصري القديم واجه تحديات وجودية بالعلم والمعرفة والإبداع، وبنى حضارة صمدت آلاف السنين. نحن اليوم مطالبون بنقل هذه الروح إلى أجيالنا الناشئة، ليس كتاريخ ميت يُدرس، بل كإرث حي ينبض في وجداننا ويوجه مسيرتنا نحو المستقبل. عندما يقرأ طفل مصري قصة عن جده الفرعوني الذي أضاء العالم بنور العلم والحضارة، فإنه يحمل على عاتقه مسؤولية مواصلة هذه الرسالة الخالدة.
|