|
القاهرة 30 ديسمبر 2025 الساعة 12:04 م

بقلم: أمل زيادة
سكان كوكبنا الأعزاء..،
ها هي الأيام تم سريعا لنلتقي، أحب أن أخبركم بأنه أثناء مروري في أحد الميادين الكبرى، تناهى لمسامعي صوت أغنية عايدة الأيوبي تقول فيها "عشقت الفن".
رغم أنها قديمة إلا أنها المرة الأولى التي أنتبه فيها لكلماتها التي تقدس الفن بشكل رقيق.
تساءلت لماذا اختار الشاعر أن يعبر عن حبه للفن بهذا الشكل الصريح، في حين أنه ليس بحاجة للتعبير عن ذلك صراحة، أليس الغناء فنا بالفعل؟!
بما لأهمية الفن في حياتنا حيث يُعدّ الفن أحد أكثر التجارب الإنسانية عمقًا واتساعًا، فهو ليس مجرد وسيلة للتعبير أو الترفيه، بل لغة كونية تتجاوز حدود الزمان والمكان. منذ أن خطَّ الإنسان الأول رسوماته على جدران الكهوف، وحتى عصر السينما والموسيقى الرقمية، ظل الفن شاهدًا على تاريخ البشر وأفكارهم وهواجسهم وأحلامهم.
يمتلك الفن قدرة فريدة على الوصول إلى داخل الإنسان؛ يوقظ مشاعره، ويثير خياله، ويُعيد ترتيب أفكاره. فلوحة فنية قد تنقل معنى لم تستطع آلاف الكلمات شرحه، ومقطوعة موسيقية قد تُهدِّئ اضطراب القلب أو تُلهب الحماسة في لحظة واحدة. لذلك يُقال إن الفن لغة الروح، لأنه يعبِّر عما يعجز اللسان عن قوله، ويحقّق تواصلًا عميقًا بين البشر، بغض النظر عن اختلافاتهم في اللغة أو الثقافة أو الدين.
الفن ليس منفصلًا عن الواقع، بل هو مرآة تعكس ما يعيشه المجتمع من قضايا وتحوّلات. الأدب والمسرح والسينما يستطيعون توثيق لحظات تاريخية، ونقد ظواهر اجتماعية، وفضح الظلم أو الفساد، أو الدعوة إلى المحبة والسلام. وهنا تتجلى حقيقة أن الفن ليس ترفًا، بل ضرورة تُسهم في بناء الوعي وتنمية التفكير النقدي.
كم من لوحة أو قصيدة كانت سببًا في تغيير رؤى، وفتح نقاشات واسعة، وتحريك مشاعر أمة بأكملها! وفي كل عصر نجد أعمالًا فنية تبقى خالدة، لأنها احتضنت الوجدان الجمعي للناس وترجمت معاناتهم وأحلامهم.
في ظل وتيرة الحياة السريعة وصراعاتها اليومية، يظل الفن متنفسًا يخفف الضغوط النفسية ويعيد الإنسان إلى ذاته. قراءة رواية جميلة، الاستماع إلى موسيقى هادئة، مشاهدة مسرحية أو فيلم ملهم — كلها تجارب تساعد على الاسترخاء، وتغذي العقل، وتمنح النفس طاقة إيجابية. وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الفن يساعد في علاج الاكتئاب والقلق، ويسهم في تحسين جودة الحياة.
إدخال الفن في التعليم ليس مجرد نشاط جانبي، بل وسيلة لتنمية الإبداع والخيال لدى الأطفال والشباب. المسرح يعلّم التعبير والجرأة، والموسيقى تُنمّي الذائقة والانضباط، والرسم يساعد على ملاحظة التفاصيل وتعميق الحس الجمالي. التعليم الذي يهتم بالفن يخرج شخصيات أكثر توازنًا وقدرة على التفكير الابتكاري وحل المشكلات.
من أجمل ما يحققه الفن أنه يبني جسورًا بين الناس. معرض فني أو حفل موسيقي أو عرض مسرحي قد يجمع أشخاصًا مختلفين تمامًا، لكنه يوحدهم في لحظة شعور واحدة. الفن يخلق حوارًا عالميًا صامتًا لكنه مؤثر، ويذكّرنا بأن إنسانيتنا المشتركة أوسع من خلافاتنا..
الفن ليس رفاهية ولا خيارًا ثانويًا، بل ضرورة إنسانية تساهم في بناء الوعي، وتجميل الحياة، وتهذيب الروح. كل عمل فني مهما بدا بسيطًا يحمل رسالة، ويضيف لحظة جمال إلى هذا العالم المزدحم بالضجيج. لذلك يبقى الفن نافذة مفتوحة نحو الأمل، ومجالًا لا ينضب لاكتشاف الذات والآخر.
سكان كوكبنا الأعزاء..،
ابحثوا عما تحبون من أنواع الفنون كافة، ومارسوا ما تحبون. لأن الحياة بلا فن كالعيش بلا هواء.
الفن يجعلنا نتنفس ونتحدى ونصمد أمام الصعاب. شاركونا ما تحبون لنرتقي ونسعد بالتعرف على ما تحبون.
لذا كونوا بالقرب..
|