|
القاهرة 30 ديسمبر 2025 الساعة 12:00 م

أماني أحمد إسكندراني ـ سورية
أحياناً تقع بين يديك رواية لا تقرأها بعينيك فقط، بل بكل جوارحك. رواية 'تاتي' كانت بالنسبة لي صدمة.. صدمة جعلتني أتساءل: لماذا نعود لقراءة روايات موجعة كهذه؟ ربما لأننا نجد فيها صدى لواقع نعرفه، أو خوفاً نخشى الاعتراف به.
قراءة لرواية 'تاتي' لكريستين دوير هيكي
كانت تجربة مؤلمة وضرورية في الوقت ذاته. لم أكن أقرأ قصة طفولة مسلوبة فحسب، بل كنت أشاهد شريطاً لواقع مرير يعيشه الكثيرون. فهذه الرواية التي تسردها طفلة صغيرة، تجعل السؤال يفرض نفسه: لماذا نعود لقراءة مثل هذه القصص المحزنة؟
"ربما لأنها تعيدنا إلى مناطق مظلمة في نفوسنا بحاجة إلى فهم".
"...لتنقل لنا ما عاشته والمشاعر التي راودتها... وما أذهلني هو قدرة هذه الطفلة على تحويل القسوة إلى منطق طفولي ساذج، يجعل ألمها مضاعفاً".
تلخيص الرواية
حينما تكتشف أن الصورة المريرة التي تشاهدها على التلفاز ما هي في الحقيقة إلا انعكاسا لواقعك وحياتك تشعر حينها بالألم والحزن.
وربما ستصدم من هول ما تراه وما تسمعه لدرجة أنك لن تود مشاهدته أو سماعه لاحقاً على الإطلاق ولا حتى في أضيق نقاط تفكيرك، ورغم ذلك تعود له من جديد.
لكن ما يجعلنا سعداء بحيث نتجاوز أي محنة هو اجتماع العائلة معًا، إنه المشهد الاخير من رواية تاتي لكريستين دوير هيكي.
تاتي رواية تقص من فم طفلة صغيرة لا تتجاوز الثامنة من العمر لتسرد علينا تفاصيل حياتها اليومية بدقة لا متناهية. لتنقل لنا ما عاشته والمشاعر التي راودتها في كل موقف مر بها في طفولتها.
تبث لنا برسائل جميلة تارة (كمرض أختها درديري والذي عدته نعمة لا يهبها الله لأي أحد سوى للعائلة التي يحبها فقط).
ورسائل حزينة تارة أخرى ( كشعورها بالرفض من قبل أمها).
إن رواية تاتي تحكي قصة كل طفل عانى من صراعات وخلافات بين والديه بحيث كان زاده الصراخ ولحافه الضرب ومأواه الشتم والسب بأقسى وأسوأ الألفاظ .
لا يمكن للقارئ سوى أن يشعر بحجم الألم الذي عانته تاتي بسبب إدمان والديها للكحول. وشعور الأم بأنها أقل شأناً من الأب ليتنامى هذا الشعور ويتحول لكره ينتقل أثره على الأبناء متجلياً بالفوضى والإهمال والاكتئاب والضرب بوحشية وقسوة.
كان لتاتي نصيب أن تنزوى بعيدا عن هذه المشاحنات حينما تم وضعها في مدرسة داخلية بعد أن تركت الأم توقيعاتها المؤلمة على كل شبر من جسدها ليقرر والدها الهرب بها بعيدا عن قسوتها.
لكن لا يمكن للطفل في حالة كهذه سوى أن يشعر بالرفض من قبل أسرته ليترجم هذا الشعور بكاء مريرا يطغى على أي صوت جميل فيشوهه.
ولم يكن الإهمال مقسوراً على الأم فقد انتقلت العدوى للأب لينقل لابنته المشاعر نفسها لكن بأسلوب مختلف. فلم يعد يأتي لزيارتها في مدرستها الداخلية وإن أتى لا يلبث أن يغادر فورا إن لم يجدها أمام ناظريه.
كان لسانها يقول كنت أنتظر وحينما أتى جريت بسرعة. جريت وجريت وكنت أصرخ وأناديه......(انتظر يا أبي انتظر لكن دون جدوى).
وإن كانت النهاية سعيدة بعودة الأم والرغبة في تغليف العائلة بغلاف الحب بدلا من القسوة. ولكن الحقيقة المؤلمة أن الواقع المرير الذي صبغ القلب بلون أسود قاتم لا يمكن أن يزول بسهولة.
|