|
القاهرة 30 ديسمبر 2025 الساعة 11:41 ص

كتب: محمد زين العابدين
في إطار الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، وضمن احتفالات كلية دار العلوم بجامعة القاهرة بمرور مئة وخمسين عاماً على إنشائها، نظمت الكلية على مدار يومين، مؤتمرها العلمي الدولي تحت عنوان: "الاستشراق والهوية- مقاربات في اللغة والأدب والتراث العربي"، وذلك بقاعة علي مبارك بالكلية، حيث جاء الاختيار الواعي لمحور المؤتمر إدراكاً من كلية دار العلوم بدورها الريادي في حماية الهوية والدفاع عن اللغة والحضارة العربية الإسلامية، وإدراكاً لأهمية إعادة القراءة النقدية الواعية لظاهرة الاستشراق، بما له وما عليه، في ظل عالمٍ يئنُّ من وطأة الحروب والصراعات، ويرزح تحت ظلام الجهل بالآخر، والتعصب الأعمى ضد الحضارة العربية الإسلامية.
عقد المؤتمر تحت رعاية رئيس جامعة القاهرة د. محمد سامي عبد الصادق، وإشراف نائب رئيس الجامعة لشئون الدراسات العليا والبحوث د. محمود السعيد، وبرئاسة د. أحمد بلبولة عميد كلية دار العلوم، ومقرر المؤتمر د. صفوت علي صالح وكيل الكلية لشئون الدراسات العليا والبحوث. وشارك في افتتاحه كوكبة من العلماء الأجلاء من مصر والوطن العربي، جاء على رأسهم فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية الأسبق والرئيس الشرفي للمؤتمر، د. أحمد زايد رئيس مكتبة الإسكندرية، ورئيس لجنة قطاع الآداب بالمجلس الأعلى للثقافة.
وفي تقديمه للجلسة الافتتاحية للمؤتمر قال د.أحمد الشيمي منسق المؤتمر: "إنَّ مقاربة الاستشراق من منطلق الهوية تستلزم مساءلة المناهج وتفكيك الخطابات، وإعادة النظر في صور الذاتِ والآخر، فنحن نحتاج اليوم إلى قراءةٍ هادئة، لا تنفي ولا تُسَلِّم بالأمر، بل تزنُ ما تفهمُ وتؤوِّل، فتنصفُ مَنْ أنصفَ، وتستثمر المعرفة حيثما كانت، ولا تختزل الظواهر، ولا تجعلها على محَكِّ ثنائياتٍ حادة، بل تفتحُ أمامها إمكانات الفهم والبناء، فالحوارُ يجددُ الأسئلة، والنقد يؤدي للمعرفة، والانفتاحُ المسئول يصونُ الهوية، ويبلغ الحديث عن الإستشراق ذروته حين يتصل بالفكر الديني، وبعلوم الشريعة، وبكيفية قراءة النصوص المؤسسة بعيداً عن إسقاطات الخارج أو انفعالات الداخل، حيث يصبح الحوار مع الاتشراق اختباراً لعمق الفهم، وسعة الأفق ومرونة التراث".
وتوجه رئيس المؤتمر د.أحمد بلبولة في كلمته بالشكر لمعالي رئيس جامعة القاهرة د.محمد سامي عبد الصادق على رعايته للمؤتمر، كما توجه بالشكر لنائب رئيس الجامعة د.محمود السعيد لحرصه على الحضور نائباً عن رئيس الجامعة، ودعمه لكلية دار العلوم.
وأشار إلى أن المؤتمر الذي تم اقتراحه من قبل مجلس جامعة القاهرة، كان السؤال المطروح عند التحضير له، ويحتاج لإجابة: هل استطاعَ التقدم التكنولوجي الهائل أن يغير فكرة الغرب عن الشرق، التي رسَّخَها عددٌ من المستشرقين، وتناولهم بدقة شديدة في كتابه عن الاستشراق المفكر الفلسطيني الأصل إدوارد سعيد، وهل ونحن نتواصل مع بعضنا البعض عبر وسائل التواصل الحديثة، من بلدٍ إلى بلد، ومن قارةٍ إلى قارة، تعَرَّفنا على بعضنا البعض بالشكل الكافي، أم أن المسألة تحتاج لجهودٍ كبرى؟.. جهودِ دولةٍ لا جهودِ أفراد. وأضاف (بلبولة): "لقد تعبَ العالمُ من الحروب، التي تقومُ على سوءِ فهمٍ في الفكر، واختلافٍ في الرؤى، ونسيانِ الإنسان لأخيه الإنسان؛ فيجب أن تتأسسَ علاقاتُنا مع الآخر على المشترك الإنساني، بحيث نعملُ جميعاً على أن يكونَ صوت الإنسان هو الأعلى، صوت العقل والعدل والحب. إن المعرفةَ تمثلُ جسر التواصل الآمن، وهي لا تكون معرفةً إلا إذا كانت قائمة على الموضوعية، والدراسة المنهجية، ومن سمات العالم أن يتحققَ من معلوماته، ويعودَ إلى الصواب حين يدرك الحق، ولا يستسلم للخطأ بعد أن يتبينُ لهُ بطلانُهُ، بحثاً عن مكاسب زائلة، أو حفاظاً على شعبيةٍ زائفة، عناداً وكِبْراً، فالحَقُّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَع".
وعبرَ د.محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة عن سعادته بوجوده في دار العلوم، الصرح العلمي العريق، في افتتاح مؤتمرها العلمي تحت عنوان (الاستشراق والهوية)، الذي يفتحُ باباً للتأمل، والنقاش العلمي الرصين حول واحدة من أكثر الظواهر الفكرية تأثيراً في علاقة الغرب بالعالم العربي والإسلامي، فالاستشراق بوصفه ظاهرة معرفية وثقافية تاريخية، لم يكن مجرد دراسات لغوية أو أدبية أو تاريخية، بل كان ولا يزال إطاراً فكرياً، أسهمَ بدرجاتٍ متفاوتةٍ في تشكل الوعى الغربي بالشرق، وبالعالم العربي والإسلامي على وجه الخصوص، وتراوحت إسهاماته بين الجهد العلمي الرصين، وبين الطرح المنحاز أو المرتبط بسياقاتٍ سياسيةٍ وثقافيةٍ محددة؛ ومن هنا تنطلق رؤية المؤتمر في بناء خطابٍ علميٍ نقديٍ ومتوازن، لا ينطلق من الرفض المطلق، ولا من القبول غير المشروط، وإنما يسعى إلى إعادة قراءة ظاهرة الاستشراق قراءةً معرفيةً هادئة، تنصف الجهود العلمية الجادة، وتفكك في الوقت ذاته أنماط التحيز، والصور النمطية التي صاحبت بعض الكتابات الاستشراقية، وتتمثل رسالته في تقديم قراءة علمية معمقة وموضوعية للخطاب الإستشراقي، من خلال دراسة إسهاماته في عددٍ من المجالات، وفي مقدمتها اللغة العربية وآدابها، والإنسانيات والتراث الفكري والحضاري، وتمنى أن يمثل المؤتمر خطوة مهمة نحو إعادة قراءة تاريخ الاستشراق، بما يعزز مكانة لغتنا العربية، ويعمق الوعى بدورها الحضاري والإنساني.
أما العالم الجليل د.علي جمعة، فقد ثمَّنَ دور المؤتمر وكل الجهود الواعية للدفاع عن لغتنا وهويتنا ومكانة بلادنا، وقال أن دار العلوم تمثل صرحاً علمياً أراد الله بمشيئتهِ إقامتهُ في أرض الكنانة من أجل الحفاظ عن لغتنا العربية وتجديد تراثنا العربي الإسلامي، والذي يتضح لنا من خلال دراسته بعمق مدى الدقة العلمية التي تميز بها علماؤنا العرب الأول في ضبط أصوله ومناهجه، والحقيقة أن اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، فاللغة المستقيمة هي الطريق إلى الفكر المستقيم. وأشار فضيلته إلى أن الاستشراق نشأ أساساً مع نشأة الحركات التبشيرية، وقد وظفه الاستعمار الذي ابتليت به بلادنا لخدمة أغراضه، بهدف ممارسة التسلط على شعوبنا ونهب ثرواتها، واستغل المستشرقون الأوائل وجود موطيء قدم لهم في بلادنا، من أجل جمع المعلومات عن كل صغيرة وكبيرة، بهدف إحكام السيطرة؛ ولكن مصداقاً للآية الكريمة: "ولا يَجرِمَنكم شنآنُ قومٍ على ألا تعدلوا اعدِلوا هو أقربُ للتقوى"؛ فقد قام العرب والمسلمون بالتعامل بالعدل مع ظاهرة الاستشراق، وأخذوا منه ما ينفعهم للسير في بناء الحضارة، وعمارة الأرض، لأن العلم يجب أن يكون هدفنا الأسمى، ولا يضرنا المصدر الذي أتى منه طالما كان علماً نافعاً. وأشار(جمعة) إلى أن المفكر الكبير إدوارد سعيد عابَ في كتابهِ الماتع (الاستشراق) على المستشرقين أنهم يأخذون معلوماتهم من الكتب، وقال إنهم لو أخذوا معلوماتهم من خلال المعايشة للعرب على أرض الواقع، لكانت موضوعية ومنصفة، والحقيقة أن الاستشراق يضم مدارس متنوعة، فيها من عاشَ التجربة، كما فعلَ المستشرق إدوارد وليام لين، عندما جاءَ إلى مصر في عام 1830، ومكثَ فيها لأكثر من خمس سنوات، وكان له معلم من الأزهر الشريف، فألَّفَ وترجمَ الكثيرَ من الكتب بأسلوبِ علمي، وترجم القاموس المحيط إلى الإنجليزية، وطبعته الملكة فيكتوريا بعد وفاته في ثمانية مجلدات، ثم طبعت ترجماته لنصوص إسلامية في مجلدين، وهو تحفة من التحف، وكان (إدوارد لين) موضوعياً ومنصفاً في كتابه (عادات المصريين المُحدَثين)، فما فهمه أشار إليه، وما لم يفهمه تعجبَ منه دون قدح، وقد ترجم أيضاً(ألف ليلة وليلة)إلى الإنجليزية. وقد فتحت مصر أزهرها الشريف وقلبها الرحب لهؤلاء المستشرقين، حتى وإنْ كانَ بعضهم قد أساءَ إليها.
وأكد د.أحمد زايد أن قضية الهوية من القضايا الشائكة جداً، والتي تجعلنا نقف أمامها وقفة متأملة، ونراجع القلق الذي يعترينا من أجلها؛ وهذه القضية تُرِكَت لنا من مخلفات الاستعمار، فإذا أردنا فهمها فهماً دقيقاً فعلينا أن نراجع ما كتب عن العرب والمسلمين في التراث الغربي، فالمستشرقون كما كان لهم جوانب سلبية، كانت لهم جوانب إيجابية، من خلال مساهماتهم القيمة في تحقيق كتب التراث العربي الإسلامي؛ وما يؤرقنا هم المستشرقون الذين كتبوا بتعصبٍ وقلبِ أعمى تجاه الحضارة العربية الإسلامية، وشايعوا الاستعمار، ووصموا مجتمعاتنا بالتخلف، وبكل أسف وجدوا في بلادنا من المفكرين من تأثر بأفكارهم وروَّجَ لها، أما المدخل الثاني المهم فهو ضرورة قراءة تاريخ الاستعمار، والذي حصر مجتمعاتنا في سياقٍ خاص، وسخَّرَ مواردنا لخدمة مصالحه، وفي ثنايا الحداثة التي نقلها لنا، نقل قيماً مزيفة، وزرع بذور الشقاق في مجتمعاتنا، وقد أشار إدوارد سعيد إلى ضرورة التعمق في دراسة الهوية، وأشار إلى كتاب مهم جداً للمستشرق(بيتر جران)، وهذا المستشرق يحب مصر جداً، وانشغل كثيراً بالكتابة عنها، وألَّفَ كتاباً تُرجِمَ إلى العربية في المركز القومي للترجمة بعنوان(الاستعمار والهيمنة)، أدانَ فيهِ الاستعمار، وقال أنه مارس الهيمنة على عقول الشعوب العربية، واستنزف ثرواتنا، وتسبَّبَ في قلق الهوية. وأكَّدَ (زايد) أن الهوية المصرية عميقة الجذور، وأن أى محاولات لتشويهها هي مثل التراب الذي يُهال على السبيكة الذهبية، فبمجرد إزالته يظهر الجوهر الحقيقي؛ لكن لنا أن نقلق على بعض الأشياء التي تمس هويتنا، مثل الخطر المحدق بلغتنا العربية، ومحاولات تهميشها، والتشتت اللغوي والثقافي الناتج عن نظم التعليم المتباينة.
وقدم الشاعر د.أحمد نبوي قصيدة بعنوان (أصيل الدار)، في عشق دار العلوم، يقولُ فيها:
هيَ دارُنا والمجدُ ملءَ كُفوفِها|| يَسري مع النيلِ الكريمِ الجاري
دارٌ حوائـطـها النجـومُ وأفقُهـا || شَـطُّ السـلامِ وملـجـأ الأقـدارِ
حُرَّاسُ بحرِ الضادِ في محرابِها|| صانوا اللِّسانَ بحكمةِ البَـحَّارِ
وأشار مقرر المؤتمر د.صفوت علي صالح إلى أن كلية دار العلوم كانت ولا تزالُ عقلَ اللغة العربية، وضميرَها العلمي والحضاري، وأضاف: "تمثل قضية الاستشراق والهوية أحد المحاور الرئيسية للخطة البحثية لدار العلوم، بالإضافة لعدة مسارات أكاديمية، تعكس وعى الكلية بدورها المعرفي والحضاري في عالمٍ متغير، حيث يتسق انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت الدقيق مع رؤية مصر(20-30)، للدولة الحديثة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي تقوم على بناء جسور الحوار، وترسيخ الفهم المتبادل مع الآخر، والانطلاق من القواسم الإنسانية المشتركة، وينطلق المؤتمر من رؤيةٍ علميةٍ واضحة، تسعى إلى بناء خطابٍ نقديٍ متوازن، يعيد قراءة الاستشراق بوصفه ظاهرة معرفية وثقافية، أسهمت في تشكيل الوعى الغربي بالعالم العربي والإسلامي، ويفتح آفاقاً جديدة لحوارٍ حضاريٍ قائمٍ على المعرفة، ويفكك الصورة النمطية الخاطئة، ويُفَعِّل دور البحث العلمي في التقارب الإنساني".
|