|
القاهرة 24 ديسمبر 2025 الساعة 03:03 م

بقلم: مصطفى علي عمار
في قلب الجدل الذي أثارته واقعة "نزّلي رجلك"، يبرز سؤال أعمق من الحدث نفسه: ما معنى الاحترام؟ وهل هو فرض للوصاية أم اعتراف بالاختلاف؟
الاحترام، ليس سلوكًا شكليًا أو امتثالًا أعمى لتقاليد تُفرض على الجميع، بل هو وعيٌ بحدود الذات، وإدراكٌ بأن الآخر ليس امتدادًا لنا ولا نسخة من قيمنا أو نشأتنا.
الانحياز التام للبنت في هذه الواقعة لا يأتي من فراغ، بل من فهم واضح للفارق بين الخاص والعام، وبين النصيحة والفضيحة. الفتاة كانت تجلس في مكان عام، تمارس حقًا شخصيًا لا يتضمن اعتداءً أو إساءة، ومن ثم فإن التدخل في سلوكها العلني لا يمكن تبريره أخلاقيًا أو اجتماعيًا. فالنصيحة، حين تُلقى في العلن، تفقد جوهرها الإنساني وتتحول إلى إدانة، وربما إلى عنف رمزي يجرح الكرامة أكثر مما يُصلح السلوك.
المفارقة اللافتة أن هذا الموقف لا يتناقض مع الانتماء الصعيدي الذي يعتز بقيم احترام الكبير وتوقيره. ففي الصعيد، الاحترام له طقوسه وسياقاته؛ نقف للكبير، نفسح له الطريق، نُجِلّه في حضوره، لكن كل ذلك يحدث داخل منظومة علاقات واضحة، تحكمها القرابة أو المعرفة أو العُرف المشترك. أما في الفضاء العام، حيث تتجاور اختلافات الدين والفكر والتربية، فلا يملك أحد سلطة أخلاقية على أحد.
السؤال الافتراضي الذي يطرحه الكاتب يكشف جوهر الأزمة: لو كان هذا الرجل المسن في مترو بأمريكا، ورأى فتاة بملابس سباحة تجلس ورِجل على رجل، هل كان سيثور؟ الأغلب لا. ليس لأن الفعل هناك مختلف، بل لأن وعينا يتبدل بتبدل المكان، ولأننا نُدرك – دون وعي – أن فرض القيم لا يكون إلا حيث نعتقد أن لنا سلطة. وهنا تتجلى الازدواجية.
الاحترام الحقيقي، إذن، هو أن أمتنع عن فرض نفسي على غيري، وأن أقبل حقيقة أن البشر مختلفون: في معتقداتهم، وفي أفكارهم، وفي طرق عيشهم. لا سلطة لإنسان على آخر لمجرد اختلافه معه، وحتى داخل دائرة القرابة، لا تُمارَس السلطة على البالغين بالقهر، بل بالتوجيه الرقيق، وبالاستئذان، وبالقبول المتبادل. فحتى الابن، حين يبلغ رشده، لا يُملَك، ولا يُفرَض عليه الرأي.
وإذا كان الخالق قد منح الإنسان حرية الاختيار والتصرف، فبأي حق نصادر نحن هذه الحرية باسم الأخلاق؟ ما فعله الرجل المسن، في هذا السياق، لا يمكن اعتباره دفاعًا عن القيم، بل تعديًا على حق الآخر في الاختلاف.
ومع ذلك، لا يعفي هذا الموقف المجتمع من النقد. فهناك حزن واضح على ما آل إليه حالنا من انحدار في لغة الحوار، واستبدال القيم بالشرشحة، والنقاش بالفضح. استدعاء الذاكرة إلى بدايات التسعينات، حين كان شباب الصعيد يتركون مقاعدهم في الأتوبيسات للمسنين والسيدات، ليس حنينًا فارغًا، بل شهادة على تربية جعلت الاحترام فعلًا تلقائيًا لا شعارًا يُرفع في وجه الآخرين.
كان ذلك السلوك يثير دهشة الناس، حتى صار علامة تُنسَب للصعايدة وحدهم، وكأن الأخلاق أصبحت استثناءً لا قاعدة. ومع ذلك، كان الشعور بالفخر نابعًا من إدراك عميق لمعنى الاحترام: أن تُكرم غيرك دون أن تُهينه، وأن تُظهر قيمك بسلوكك لا بوصايتك.
رحم الله من علمونا أن الأخلاق ليست صوتًا مرتفعًا، ولا إصبعًا مُدانًا، بل مساحة رحبة تعترف بالاختلاف، وتحفظ الكرامة، وتترك للإنسان حقه في أن يكون نفسه..
|