|
القاهرة 23 ديسمبر 2025 الساعة 11:50 ص

بقلم: سارة الشرقاوي
?يُقال إن الطفولة هي القارة المجهولة التي نحمل خريطتها الممزقة في ذاكرتنا. وبينما يظل تعريف "الطفولة" بناءً اجتماعياً يتغير بتغير الزمن والثقافة، يبقى المسرح هو الرافد الفني الأقدم والأكثر فاعلية لغرس القيمة في هذا الكيان الناشئ. إنه ليس مجرد "لعب"، بل أداة فعّالة في علم التربية وساحة مقدسة تُنشط حواس الطفل وتدربها، ومدرسة للبلاغة والتحكم في الانفعالات.
إن الفن الموجه للأطفال ليس ترفاً، بل هو ضرورة إنسانية تُسهم في صقل الشخصية، وتُحول الطاقة الكامنة للنشء إلى إدراك واعٍ، مستخدماً سحر الإبهار البصري كجسر لعبور الأفكار العميقة.
?ولأن المسرح أداة لا غاية يتنامى التحدي في تقديم عمل فني يتجاوز "النهج التعليمي السائد" الذي يفتقر إلى العمق، ليصبح شكلاً فنياً مستقلاً قادراً على معالجة قضايا الجيل الجديد. وفي هذا السياق، تأتي مسرحية "مملكة الحواديت" وهي مسرحية غنائية استعراضية كوميدية من إخراج إيهاب ناصر وتأليف وليد كمال، لتجسد محاولة واعية لدمج سحر الحكايات الفانتازية الكلاسيكية وتوظيف حكايات التراث العالمي الشهيرة (علاء الدين، سندريلا، سنووايت) مع قسوة واقع التنمر والتجاهل الأبوي المعاصر. فهي مرآة تعكس صراعات الأطفال في الحياة الواقعية.
ولكن كيف استطاعت هذه "المملكة" أن تكسر الجدار الرابع وتستخدم اللغة المسرحية كعلاج للروح ومهذب للنفس؟
تبنى المخرج إيهاب ناصر رؤية إخراجية اعتمدت على التفاعل المباشر وكسر الجدار الرابع مع الجمهور، وهو منهج أساسي في المسرح التشاركي.
لم يكن هذا النهج مجرد ترفيه، بل كان أسلوباً للسيطرة على انتباه الطفل وإشراكه. استخدام "اللزمات" المتكررة في الحوار كان بمثابة عصا سحرية في أيدي الممثلين، مكّنت الأطفال من المشاركة الفورية في الحوار، مما يُحقق ما يُعرف في علم التربية بأنه مسعى عملي يمنح المتعلمين متعة المشاركة وينقلهم إلى حالة عاطفية تنسيهم أنهم يقومون بنشاط تعليمي.
اعتمد العرض على عناصر بصرية مؤثرة. كان الديكور (هبة عبد الحميد) لوحات مبهجة بألوان ساخنة جاذبة، والإضاءة (محمد عبد المحسن) استخدمت الألوان المبهجة والبؤر لإظهار المشاعر الداخلية للشخصيات. هذه العناصر التعبيرية تُمثّل المادة التعبيرية الفنية التي تعمل على تدريب حواس الطفل وتحفيز إدراكه، كما أن تصميمات الملابس (إيمان الشيخ) والمكياج (روبي مهاب) كانت مناسبة تماماً للشخصيات الفانتازية.
? فقد نجح الأداء في تجاوز النمطية المعتادة لأدوار الأطفال في المسرح التعليمي، فكان أداء
وائل العوني لشخصية "الجوكر الشرير" نقطة تحول نقدية في العمل. فبدلاً من تقليد أعمى، قام الممثل برسم دوافع الشخصية الانفعالية والجسدية من الداخل، لا من المظهر الخارجي. الأهم هو المونولوج الذي قدمه، والذي طرح سؤالاً تعليمياً حول مراحل ظهور الشر في النفوس. هذا يُحقق هدف المسرح الجاد الذي يلجأ إليه المبدع لـ تفعيل التفكير الفني لدى الطفل، وتوجيه تفكيره وسلوكه من خلال المساءلة الفكرية.
? قدمت مها أحمد بثلاث شخصيات مختلفة أداءً ديناميكياً يُمثل الطاقة والحيوية المطلوبة لجذب الأطفال. دورها كـ "بكبوظة" الذي تفاعل معه الأطفال بشكل كبير، يُظهر أهمية العنصر الكوميدي والاستعراضي في خلق رابط عاطفي فوري.
? تجسيد مشكلة التنمر عبر قصة الطفل أمير (يوسفوليد)، وعلاجها ليس بالانتقام بل بانتصار الحب والخير وحل مشكلة تجاهل الأب (أحمد مهاب)، يُعزز دور المسرح كأداة قوية لـ تقييم السلوكيات السلبية وتنمية الشخصية.
?على الرغم من النجاح الواضح في التفاعل وتقديم عمل متكامل، يبرز تحدٍ نقدي رئيسي يتعلق بـ مدى العرض يُعد تجاوز مدة العرض الساعتين والنصف خطأً فادحاً في الممارسة الفنية الموجهة للأطفال. المسرح، لكي يكون فعالاً، يجب أن يُراعي بدقة طبيعة الطفل وسلوكه وميوله وعاداته. هذه المدة الطويلة تُهدد بـ تشتيت انتباه الطفل وإحساسه بالملل، مما قد يُقلل من الأثر التربوي للعمل، خاصةً وأن الهدف هو "تسلية الطفل، وتحفيز معارفه وأخلاقه، وإدراكه الحسي"، وهو ما يصعب تحقيقه مع تضاؤل تركيزه.
?لقد أشار النص إلى ضرورة الإخلاص في الفن الموجه للأطفال عبر غرس قيم تسهم في بناء شخصيتهم من خلال ذوقهم. نجح العرض في تحقيق ذلك من خلال التناغم بين التأليف (وليد كمال) والألحان (وائل عوض)، مما سمح حتى للآباء بالإحساس بـ "متعة ومشاعر حنين إلى مرحلة الطفولة"، وهذا دليل على وصول العرض إلى عمق إنساني يتجاوز الفئة العمرية المستهدفة.
?إن "مملكة الحواديت" تُجسّد بشكل عملي التحول الذي يشهده مجال مسرح الأطفال، حيث بدأ المبدعون في السعي لتطوير الممارسة من خلال الاستلهام من التجارب الحية للأطفال واستكشافها، بدلاً من الاكتفاء بتقديم المواعظ الجاهزة.
?المسرح بأبعاده الاجتماعية والثقافية والفنية والإنسانية، هو قوة ديناميكية لتفاعل الطفل مع مدركاته. إنه ليس أدبًا فحسب، بل هو مجموعة من المؤثرات التي تعمل على بناء الطفل من جميع الجوانب الأخلاقية والشخصية والاجتماعية. المسرح هو علاج لكل من شعر بألم في الحياة وأراد استعادة روحه مرة أخرى فهي علاج الروح وتهذب النفس. الملاحظة التي أكدت لي بشدة مدى فاعلية وتأثير المسرح حين لاحظت طفلة من ذوي الهمم وهي تعبر عن سعادتها بالعرض بإشارات متكررة لأمها سعادتها، ما يلفت الانتباه إلى القوة العلاجية والشمولية لهذا الفن.
تعتبر "مملكة الحواديت" مثالاً قوياً على المسرح الجاد الموجه للطفل، الذي يسعى إلى غرس القيم وتنمية مدارك الأطفال من خلال قوة الجذب والتأثير الفني. لقد أكدت المسرحية من جديد أن المسرح، بحركته وجمالياته، يظل أداة لا تُضاهى لـ "تهيئة الطفل تهيئة سليمة" ومخاطبة جميع الأبعاد الاجتماعية والثقافية والإنسانية في شخصيته.
?لذا، فإن مستقبل مسرح الطفل يكمن في إكمال هذا المسار الاعتراف به كشكل فني مستقل وضرورة حياتية للنشء. وعندما يمتلك هذا الفن مملكته الخاصة، سيصبح كما أراده بريخت: وسيلة للإنعاش العقلي، تكتشف المواهب، وتقدم القضايا التي تُضيء دروب المستقبل، وتُنشئ جيلاً قادراً على مواجهة الواقع والحياة. يبقى علينا كمجتمع فني أن نضمن أن هذا المسرح يُقدم بوعي فني كامل يراعي حدود التركيز للطفل، ليكون الفن الموجه له صادقاً ومؤثراً إلى أقصى حد.


|