|
القاهرة 23 ديسمبر 2025 الساعة 11:32 ص

بقلم: ريم عباس - السودان
في الثقافة السودانية، لا يُعدّ الزواج مجرّد انتقال من مرحلة إلى أخرى، بل هو مراسيم متواصلة تتوّجها لحظة ذات رمزية خاصة تُعرف ب "الجرتق" طقس ختامي تردده النساء بعبارة "جرتِقوا العرسان" بكسر التاء، إيذاناً بدخول العروسين إلى دائرة احتفاءٍ حميمي تتولّاه النساء وحدهن، وكأنهنّ يحطن هذه اللحظة بطوقٍ من الدفء والحماية، وعند انتهاء المراسم يُقال " جرتَقوا العرسان" بفتح التاء، أي تم الانتهاء من هذه المراسم.
يُمارس الجرتق في مختلف أنحاء السودان، ويُعدّ علامة فارقة تميّز الزواج السوداني عن سواه، فبعد عقد القران ومراسم الزفاف، يخلع العروسان ملابسهما الحديثة، ويكتسيان أزياء شعبية متوارثة تحتفظ بعبق الأجداد وروح المكان.
أزياء الجرتق: رموز من الذاكرة السودانية:
العروس:
ترتدي العروس "التوب" الأحمر، ويغطّي رأسها القرمصيص، بينما تُزيّن الجَدْلة وهي حزمة من جنيهات ذهبية مترابطة كبيت العنكبوت، رأسها بحضور آسِر ومهيب، وتكتمل الإطلالة بارتداء " قمر بوبا" أقراط كبيرة على شكل هلال، تُعدّ إحدى أيقونات الجمال السوداني.
العريس:
أما العريس فيرتدي جلابية "السرتي" البيضاء المخططة بخطوط حمراء، ويربط على رأسه خلال المراسم الحريرة المزيّنة بهلال صغير وهي عبارة عن قطعة قماشية في انسجام مع الرموز نفسها التي تتزيّن بها العروس.
المكان.. والعنقريب الذي يحمل الدفء:
يجلس العروسان على العنقريب، السرير الشعبي المصنوع من الخشب والحبال، ليكون منصة لبدء طقوس الجرتق، تقوم امرأة من أقارب العروس أو العريس بتزيينهما وتعطيرهما بما يوضع أمامها في صينية الجرتق.
صينية الجرتق: ذاكرة عطور ورموز:
تحتضن الصينية مجموعة من العناصر التي لا تُفارق هذا الطقس:
البخور: الصندل والعود والمسك، يطلق دخاناً عطِراً يخلق جواً شعبياً دافئاً.
الدلكة: خليط من المحلب والصندل والمسك المطحون، يُستخدم للتعطير والتنعيم وإضفاء رائحة محبّبة.
الخمرة السودانية: أحد أشهر العطور التقليدية التي تختصر على الزواج فقط.
الأدوات التراثية: السيف، السوط، سبحة المرجان، قطع من جريد النخل، رموز تحمل معاني القوة والبركة والحماية.
وتجري الطقوس على إيقاع أغاني السيرة تُؤدّى بالدلوكة، في أجواء شعبية خالصة تستحضر ذاكرة الفرح السوداني المتوارث.
الفال.. هدايا تحمل أثر المناسَبة:
يُقدَّم للحضور من الأقارب الفال: كيس صغير مزخرف يحتوي على قليل من البخور والدلكة وزجاجات عطر صغيرة، كأنما يحمل جزءاً من ذاكرة الجرتق ويمنحها للحضور كتذكار محمّل بالبركة.
اعتراف عالمي بتراث محلي:
مؤخراً، حظي الجرتق بتصنيف رسمي من منظمة اليونسكو بوصفه تراثاً ثقافياً سودانياً يستحق الحماية والصون، ليُضاف إلى سجلّ العناصر الإنسانية التي تُعرّف الشعوب بثقافتها وتاريخها.
يبقى الجرتق، رغم تبدّل الأزمنة، طقساً محمّلاً بالحب والتفاؤل والدعاء بحياة رغدة وهانئة للعروسين، احتفالاً يختتم الفرح لكنه باقي ببقاء النيل.






|