|
القاهرة 23 ديسمبر 2025 الساعة 11:31 ص

كتب: حسين عبد الرحيم
أصدرت مكتبة الإسكندرية كتابًا جديدًا بعنوان “إدوار الخراط: مغامرة الفكر وسيرة الكتابة" ضمن سلسلة تراث الإنسانية للنشء والشباب، من تأليف الشاعر والكاتب المسرحي والمترجم ميسرة صلاح الدين.
يأتي هذا العمل ضمن مشروع ثقافي يهدف إلى تقديم رموز الفكر والأدب للأجيال الجديدة بلغة ميسرة تحافظ في الوقت نفسه على عمق التجربة وروحها الحداثية.
ويرى المؤلف في مقدمة الكتاب أن اختيار الخراط كان ضرورة تفرضها طبيعة السلسلة وهدفها، فشخصية الخراط، كما يوضح، تجسد نموذجًا نادرًا للكتابة التي اختارت مواجهة الثقافة الكلاسيكية السائدة، والسعي إلى تأسيس تيار جديد ينفتح على تعدد الأصوات وعلى حساسية أكثر معاصرة. ويشير إلى أن الخراط ظل طوال حياته يؤمن بقدرة التمرّد الواعي على فتح آفاق جديدة للخيال، وأن التجربة الغنية التي عاشها - فكريًا وجماليًا وإنسانيًا - تمنح الشباب نموذجًا ملهمًا يُثبت أن الابتكار ضرورة لفهم العالم وصناعة حضور حقيقي فيه.
يقدّم الكتاب سيرة إدوار الخراط منذ طفولته في الإسكندرية، تلك المدينة التي تشكّل فيها وعيه الأول وسط بيئة مختلطة تجمع المصريين واليونانيين والأرمن، وتفتح أمام الطفل آفاقًا واسعة من الخيال والمعرفة. ويبرز المؤلف أثر القراءة المبكرة في تشكيل وعي الخراط، إذ انفتح على التراث العربي بأكمله، من الشعر الجاهلي إلى المتنبي، وتعرّف إلى الأدب الإنجليزي والروسي والرومانتيكي، وقرأ لفرويد وماركس، ليصوغ لنفسه رؤية مبكرة للعالم، رؤية تتأسس على التعدد والانفتاح وتجاوز الحدود.
ويتوقف الكتاب عند محطة فارقة في حياة الخراط حين فقد والده وهو في السابعة عشرة، واضطر إلى العمل لإعالة أسرته بالتوازي مع دراسته في كلية الحقوق. في هذا المفصل الحياتي تتشكل شخصية الخراط كما يراها المؤلف: وعي واقعي شديد الحساسية، واعتقاد عميق بأن المعرفة هي سبيل النجاة الوحيد في مواجهة اضطراب العالم. هذا الوعي سيظهر لاحقًا في كتاباته التي تجمع بين اللغة الشعرية والفكر الفلسفي والتأمل الوجودي.
ويستعرض الكتاب تجربة الخراط السياسية في الأربعينيات، وانخراطه في تنظيم مقاوم للاحتلال البريطاني، وما أعقب ذلك من اعتقاله ونقله بين معتقلات أبو قير والطور. يوضح المؤلف كيف تحولت تجربة السجن إلى نقطة تحول عميقة في رؤية الخراط للحرية والعدالة، وكيف انعكست لاحقًا على إيمانه بأن الكتابة ليست فعلًا جماليًا فقط، بل شكل من أشكال المقاومة الإنسانية في مواجهة القهر والهيمنة.
ثم ينتقل الكتاب إلى المرحلة التي بدأت فيها ملامح مشروع الخراط الأدبي تتشكل بوضوح. ففي عام 1959 أصدر مجموعته القصصية الأولى «حيطان عالية»، التي كتب بذرتها الأولى في سن السابعة عشرة، ثم أعاد صياغتها بعد خمسة عشر عامًا من النضج والتجربة. يتوقف المؤلف عند هذه المجموعة بوصفها بداية صوت أدبي مختلف، لغة شعرية مشدودة، اهتمام بالداخل الإنساني، وتمرد واضح على السرد الواقعي الذي كان يهيمن على القصة المصرية آنذاك. ويروي الكتاب تفاصيل الجدل النقدي الذي أثارته المجموعة في ندوة نجيب محفوظ، وكيف انقسم النقاد بين من رأى فيها مغامرة تجريبية رائدة، ومن اعتبرها خروجًا غير مبرر على التقاليد السردية.
لكن اللحظة الحاسمة في مسيرة الخراط، كما يراها المؤلف، جاءت مع رواية "رامة والتنين" عام 1979، التي عدّها كثيرون أحد أهم الأعمال التي غيرت مسار الرواية العربية الحديثة. يقدّم الكتاب قراءة مكثفة للرواية باعتبارها فضاءً لغويًا وشعريًا يتجاوز الحدث إلى التأمل الرمزي والوجودي، حيث تتداخل الأساطير بالعاطفة، ويتقاطع التاريخ مع الروحانية، وتتعدد الأصوات في بنية روائية مفتوحة. ويرى المؤلف أن الرواية ليست فقط قصة حب بين "راما" و"ميخائيل"، بل مشروع جمالي لتجسيد الهوية المصرية في تنوعها الأسطوري والديني والثقافي.
ويمنح الكتاب مساحة واسعة لحضور مدينة الإسكندرية في أعمال الخراط، بوصفها ليست مجرد خلفية مكانية، بل كيانًا حيًا يصنع الرؤية ويحدد نبض السرد. يمر المؤلف على أعمال مثل "ترابها زعفران" و«بنات إسكندرية" و"إسكندريتي" ليبيّن كيف تحولت المدينة إلى مركز روحي وجمالي في مشروع الخراط، وكيف أصبحت ذاكرة للذات وللمكان في الوقت نفسه، ومسرحًا لخيال لا ينفصل عن التجربة الحياتية.
ويقدم الكتاب قراءة لما أسّسه الخراط نقديًا في كتابه "الحساسية الجديدة"، حيث وضع تصورًا شاملًا لتحوّل الكتابة العربية، ورأى أن الأدب لم يعد محصورًا في الواقعية الكلاسيكية، بل يتحرك نحو تعدد الأصوات وكسر الزمن وتحرير اللغة من وظيفتها التقريرية. هذا التصور، كما يوضح المؤلف، كان مفتاحًا لقراءة جيل الستينيات والسبعينيات، وأثر لاحقًا في كتاب عرب كثر.
ويختتم ميسرة صلاح الدين كتابه باستعراض أثر الخراط وترجمات أعماله وجوائزه، من جائزة الدولة التشجيعية إلى جائزة نجيب محفوظ وجائزة العويس، مؤكدًا أن كان رؤية ممتدة لفهم الإنسان والعالم.
ويُشار إلى أن المؤلف ميسرة صلاح الدين شاعر وكاتب مسرحي ومترجم، صدرت له عدة دواوين ومسرحيات غنائية، وتُرجمت قصائده إلى لغات عدة، وشارك في مهرجانات دولية، وله إسهامات بارزة في الترجمة الأدبية، من بينها "شوجي بين" و"رسائل ستيفان زفايج" و"الناقوس الزجاجي". كما قدم أعمالًا توثيقية مثل مشروع "زجلوتير" وكتاب "الأسطوات" عن شعراء الأغنية المصرية الحديثة.
|