|
القاهرة 23 ديسمبر 2025 الساعة 11:21 ص

ملف أعدّه: مصطفى علي عمار
اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، ولسان الحضارة والشعر، وذاكرة الأجداد التي ورثناها كنزًا ثمينًا، تواجه اليوم تحديات جسيمة تهدد حضورها ومكانتها.. ففي ظل تسارع العولمة، وتغوّل اللهجات العامية، وتداخل اللغات الأجنبية في حياتنا اليومية، تراجع استخدام العربية الفصحى، واهتزّ مستوى التحدث والكتابة بها، حتى باتت اللافتات الدعائية في شوارع المدن العربية مكتوبة بلغات أجنبية، ويتباهى كثيرون بإتقان لغات أخرى، بينما يجهلون لغتهم الأم.
من هنا، طرحت مجلة "مصر المحروسة" في هذا التحقيق سؤالًا محوريًا: كيف يمكننا إعادة هيبة اللغة العربية، وإتقانها، وجعلها لغة التواصل اليومي؟
في محاولة للإجابة، استطلعنا آراء مثقفين وأكاديميين وإعلاميين من مختلف الأقطار العربية..
خالد ربيعي – صحفي مصري مقيم بالكويت..
يرى خالد ربيعي أن واقع اللغة العربية اليوم “مؤلم ومثير للحزن”، فمتابعة نشرات الأخبار، وبرامج الإعلام، وصفحات الصحف، ولافتات المحال، فضلًا عن لغة الشباب على وسائل التواصل، كفيلة بإشاعة الغمّ على حال لغة القرآن.
ويؤكد أن هذا التراجع، سواء عن قصد أو من دونه، يفضي إلى تذويب الهوية وطمس توهّج اللغة، محذرًا من أن المستقبل لن يكون أفضل ما لم تتكاتف كل الجهات المعنية لإنقاذ العربية من الهوة التي انحدرت إليها.
ويعدد ربيعي المخاطر التي تهدد اللغة، وفي مقدمتها ضياع الهوية، وتغلغل اللهجات واللغات الغربية في الخطاب اليومي والإعلامي، وتدني مخرجات التعليم، وضعف مستوى بعض الإعلاميين والمتصدرين للمشهد الثقافي.
ويرى أن المسؤولية مشتركة بين الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، والسوشيال ميديا، والجهات الرسمية المعنية باللافتات والإعلانات.
ويشدد على دور الأسرة في تهذيب لغة الطفل، وحفظ القرآن، وضبط استخدام الهواتف، ثم المدرسة باختيار معلمين أكفاء للصفوف الأولى، والجامعة التي يقع على عاتقها تخريج أجيال غيورة على لغتها، خاصة المعلمين، “لأن فاقد الشيء لا يعطيه”.
كما يدعو إلى ضبط بوصلة الإعلام، واختيار وجوه قادرة على التحدث بلغة سليمة، بعيدًا عن تشويه الذائقة العامة.
أحمد حبيب الله – العراق
يرى أحمد حبيب الله أن تفعيل الدور الإعلامي، ولا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ضرورة ملحّة، من خلال نشر الوعي اللغوي، وتشجيع من يقدمون معلومات لغوية، والتنبيه إلى المصطلحات الدخيلة والتحذير من استخدامها.
ويشير إلى وجود آلاف المجموعات اللغوية في العالم العربي تضم أساتذة ومتخصصين، يمكن استثمارها في خدمة اللغة.
أحمد علاء الدين – كاتب وعضو اتحاد كتاب مصر
يؤكد أحمد علاء الدين أن الحل يبدأ من الاهتمام الحكومي، عبر برامج مدعومة تعيد للغة مكانتها.
ويقترح جملة من الإجراءات، منها دعم حفظ القرآن الكريم، وسنّ تشريعات تلزم المدارس الأجنبية بتدريس العربية، ومنع اللوحات الإعلانية الخالية من العربية، واستثمار الفنانين والرياضيين والمؤثرين في حملات داعمة للغة.
كما يدعو إلى نشر العربية عالميًا عبر دورات تعليمية في الخارج، ودعم المبادرات اللغوية على وسائل التواصل، وتنظيم دورات مجانية لضبط أساسيات الكتابة.
ويقترح أيضًا تقديم فعاليات ترفيهية للسياح لتعريفهم بمفردات عربية بسيطة، مؤكدًا أن هذه الجهود تحتاج إلى نفس طويل وصبر، لأن العربية "تستحق".
مريم حسن باتردوك – سورية
تعبر مريم عن قلقها مما تقرأه وتسمعه من تدهور لغوي، وتستغرب اللهاث وراء المفردات الأجنبية، بل وتصريفها داخل العربية، في ظاهرة ترى أنها خطيرة ومشوِّهة للغة الأم.
وتؤكد أنها لا تعارض تعلم اللغات، لكنها تطالب كل جهة بتحمل مسؤوليتها في حماية العربية.
وتوجه رسالة محبة للشباب العربي، مؤكدة أن الرقي لا يكون بإقحام الدخيل، وأن الحفاظ على اللغة هو أولى مهامهم في مواجهة محاولات طمس الهوية.
خالد عصام – معلم لغة عربية (مصر)
يرى خالد عصام أن النهوض باللغة العربية عمل مشترك، يتطلب جهدًا صادقًا من المعلم والمتعلم معًا.
ويشدد على ضرورة إعداد معلمي العربية إعدادًا علميًا متكاملًا، وبناء منظومة تعليمية تشمل معاجم، وكتب قواعد مبسطة، ومختارات أدبية تشكل منبعًا لغويًا حيًا.
كما يدعو إلى إعادة الاعتبار لمادتي التعبير والإملاء، وتفعيل الأنشطة المدرسية المرتبطة بالشعر والمسرح والصحافة والمناظرات، مع رصد مكافآت تشجيعية للمتفوقين ورعاية الموهوبين.
إيمان بشناق – عضو اتحاد كتاب مصر
تستحضر إيمان بشناق بيت حافظ إبراهيم الشهير، مؤكدة أن العربية محفوظة بحفظ القرآن، لكنها تعاني من جفاء أبنائها.
وتقارن بين اعتزاز الشعوب بلغاتها، وتقصير العرب في حق لغتهم، معتبرة أن أزمة العربية ليست فيها، بل في أبنائها الذين استبدلوها بغيرها.
وترى أن الهزيمة الحضارية والنفسية دفعت البعض إلى تمجيد لغة الآخر، وتصدير هذا الشعور للأبناء، مطالبة الآباء بغرس حب العربية، وتعليم القرآن، واستخدام وسائل جذابة للأطفال.
كما تنتقد دور الإعلام والسياسات التعليمية في هدم هيبة اللغة، وتدعو إلى تدخل الدولة، وإلزام الإعلام بالفصحى، وإعادة الاعتبار لمعلم العربية، وسنّ تشريعات تحمي اللغة، مع دعم الترجمة والنشر العلمي بالعربية.
هاني الشرقاوي – كاتب ومعلم لغة عربية ( مصر)
يصف هاني الشرقاوي ما نعيشه بـ“عقدة الخواجة”، حيث استُبدلت الأسماء العربية بأخرى أجنبية في المحال والمدارس، في وهم زائف بالتمدّن.
ويرى أن هذا الانبهار أفضى إلى تشويه اللسان، والتخلي عن الهوية، مؤكدًا أن العربية أمّ اللغات، وصاحبة إرث حضاري عظيم.
ويدعو إلى التحرر من هذه العقدة، والاعتزاز باللغة، واستلهام تاريخ الأمة، مذكرًا بأن الغرب نفسه كان يومًا تلميذًا للحضارة العربية.
انتصار السري – كاتبة يمنية
تحلم انتصار بعودة العربية إلى سلطانها، يوم يكتب العلماء أبحاثهم بها، وتواكب التطور العلمي والتكنولوجي، وتُكرم في أوطانها، لا أن يُحتفل بها يومًا واحدًا في السنة.
وترى أن ازدهار اللغة مرتبط بازدهار الإنسان العربي، وبناء مراكز البحث، والقوة الاقتصادية والعلمية، مستشهدة بالآية الكريمة:"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
د. عوني تغوج – أستاذ لغة عربية (الأردن)
يختتم د. عوني تغوج التحقيق بالتأكيد على أن العرب من أقل الشعوب اهتمامًا بلغتهم، رغم تقدير العلماء لها.
ويرى أن معالجة الأزمة لا تكون بجهود فردية، بل بقرار سياسي ملزم يرفع شأن اللغة، بوصفها رمزًا للوحدة والكرامة.
ويقترح برامج إلزامية، ومسابقات علمية، وربط الوظائف بإتقان العربية، وتقديم نماذج أدبية راقية للشباب، مؤكدًا أن هذه الجهود قادرة على إشعال جذوة الاعتزاز باللغة، إن وجدت الإرادة.
إذن تتقاطع آراء المشاركين عند حقيقة واحدة: العربية ليست لغة ماضية، بل لغة قادرة على النهوض متى وجد الوعي، وتضافرت الجهود، وارتبط الدفاع عنها بالدفاع عن الهوية والكرامة.






|