|
القاهرة 23 ديسمبر 2025 الساعة 11:19 ص

بقلم: أسامة الزغبي
للمرة الأولى منذ آلاف السنين، لم تتشتت اللغات بل تلاقت. العولمة وهيمنة اللغة الإنجليزية، والتلاشي السريع للغات الأقليات ترسم مشهدًا غير متوقع..
يتجه العالم نحو لغة مشتركة وأبجدية شبه عالمية. وتبدأ قصة بابل في السرد العكسي، كما لو أن الكلمات تعود إلى أصل واحد.
كان هناك وقت كان فيه كل وادي وكل جزيرة وكل حدود تخترع لغتها الخاصة. هكذا كان يعمل الكوكب: كلما سافر البشر لمسافات أبعد، تضاعفت اللغات. ولكن في غضون قرن واحد فقط، تغير اتجاه شيء ما. لقد خلقت الاتصالات العالمية ظاهرة لم يتوقع أي لغوي أن تحدث بهذه السرعة: اللغات تنقرض، واحدة تلو الأخرى، بينما تتقدم لغة واحدة دون توقف.
الصورة اللغوية للكوكب تتضاءل بسرعة كبيرة. على مدى آلاف السنين، كان التنوع هو القاعدة: حوالي 7000 لغة حية، كثير منها يتحدثها بضع مئات من الأشخاص فقط. كان التجزؤ أمراً لا مفر منه. مجتمعان يفصل بينهما جبال أو جيلان ينتهي بهما الأمر إلى التحدث بلغتين مختلفتين. كان ذلك أشبه بقانون فيزيائي للبشرية.
اليوم يحدث العكس. لقد أعادت العولمة تنظيم الخريطة بشكل لم يسبق له مثيل: المزيد من السفر، والمزيد من الهجرة، والمزيد من الشاشات، والمزيد من الشبكات. نيجيري يتحدث مع أمريكي؛ ياباني يدرس في كندا؛ كولومبي يعمل في شركة في الدنمارك. هذا الاتصال المستمر يولد نمطًا جديدًا تمامًا: اللغات القوية تنمو، واللغات الضعيفة تندثر، وعدد المتحدثين بلغة واحدة ينخفض بشكل حاد.
الإحصائيات صادمة: ما يقرب من 90? من لغات العالم تفقد متحدثيها بوتيرة متسارعة. ليس لأنها محظورة، بل لأن الشباب يختارون اللغة الأكثر فائدة. ومن هنا نشأت "بابل المعكوسة".
هناك شيء مزعج في هذه العملية: مهما حاولنا تفسير أسبابها، لا توجد نظرية تغطيها بالكامل. نعم، التأثير الاقتصادي للولايات المتحدة مهم. وكذلك السينما والموسيقى والعلوم المنشورة باللغة الإنجليزية. ولكن هناك شيء أبسط وأعمق: اللغة الإنجليزية تسمح بالتواصل "مع أي شخص تقريبًا".
أكثر من ملياري شخص يستخدمونها يوميًا كلغة أم أو لغة ثانية أو أداة عمل. إنها لغة المطارات والمؤتمرات العلمية والإنترنت ويوتيوب وويكيبيديا والتكنولوجيا والطيران والدبلوماسية غير الرسمية. والأهم من ذلك: إنها اللغة الأقل حاجة إلى لغة أخرى.
وفي الوقت نفسه، تتعايش معها لغات عملاقة مثل الإسبانية والصينية والعربية، لكنها لا تحل محلها. أما اللغات الأقلية، فهي تختفي بوتيرة سريعة. وفي كثير من الأماكن، انقطعت سلسلة نقل اللغة داخل الأسرة: فالأبناء لا يرثون لغة أجدادهم.
اللغة العالمية لها حليف خفي: أبجديتها. اللغة اللاتينية، التي نشأت في شبه الجزيرة الإيطالية وانتشرت بواسطة روما، هي اليوم المحرك الرئيسي لجميع الكتابة الرقمية على كوكب الأرض. حتى اللغات التي لها أنظمة خاصة بها مثل الصينية أو اليابانية، تستخدم نظائر لاتينية للتواصل عبر الإنترنت.
المثير للدهشة هو مدى الألفة. أي شخص يستخدم هاتفًا محمولًا أو جهاز كمبيوتر ينتهي به الأمر بالتفاعل مع هذه الأحرف الـ 26 نفسها. برج بابل، من الناحية الفنية، لم يعد برجًا: إنه لوحة مفاتيح QWERTY.
السيناريو الحالي يذكرنا بفيلم خيال علمي، لكنه مجرد نتيجة لملايين القرارات الفردية: دراسة اللغة الإنجليزية من أجل العمل، والهجرة، والسفر، والتواصل. التوحيد هو قوة لا تحتاج إلى قرارات، بل إلى فائدة فقط.
السؤال إذن ليس ما إذا كان سيكون هناك لغة عالمية. السؤال هو متى.
نحن نعيش لحظة تاريخية غريبة: بينما تنطفئ بعض اللغات كالنيران القديمة، تنمو لغة أخرى لتضيء كل شيء. تتقدم البشرية نحو فهم مشترك، ولكن أيضًا نحو صمت لغوي لم نكن نتخيله. كانت بابل التوراتية تتحدث عن الانقسام. ما سيأتي الآن هو عكس ذلك تمامًا: تقارب. هل سيكون ذلك ميزة... أم ثمن عالم متصل للغاية؟
|