|
القاهرة 23 ديسمبر 2025 الساعة 11:13 ص

بقلم: د. هويدا صالح
في فيلم "الست" بطولة منى ذكي، وسيناريو أحمد مراد، لا نجد أنفسنا أمام عمل سينمائي بالمعنى الجمالي أو المعرفي للكلمة، ولا حتى أمام اجتهاد فني مشروع يمكن الاختلاف حوله، بل إزاء محاولة فجة لإعادة كتابة الذاكرة بمنطق السوق، وبمقاييس الإثارة الرخيصة. هنا لا نتحدث عن السينما كفن، بل عن خطاب بصري يقوم على تلفيق الأكاذيب وإلصاقها عمدًا بأعظم قامة فنية عرفها التاريخ المصري والعربي الحديث. إن ما جرى لا يمكن توصيفه إلا بوصفه "جريمة ثقافية مكتملة الأركان"، تتجاوز حدود سوء التقدير الفني إلى اغتيال متعمد للذاكرة الجمعية.
لم تكن أم كلثوم يومًا مجرد صوت استثنائي أو أيقونة طرب عابرة للأجيال؛ لقد كانت "الوتد الذي شدّ خيمة الوجدان العربي"، والعمود الفقري للهوية الفنية المصرية في عصرها الذهبي. كانت مشروعًا وطنيًا وجماليًا في آن، وصوتًا جمع ما فرّقته السياسة، وملاذًا رمزيًا احتمى به شعب كامل في لحظات الانكسار والانتصار. وحين يُقدَّم عمل يتعامل مع هذه القامة بوصفها مادة درامية سائبة، فإننا لا نكون أمام "قراءة جديدة"، بل أمام "محضر تزوير للتاريخ".
لا تكمن خطورة فيلم "الست" في هشاشة بنائه الدرامي أو ضعف صناعته فحسب، بل في الدسيسة الناعمة التي تُمرَّر من خلالها الأكاذيب تحت لافتة خادعة عنوانها "أنسنة الرمز"، ونزع التقديس عن شخصية لها ميراث رمزي كبير في الوجدان الشعبي المصري والعربي. يحاول صُنّاع الفيلم إقناع المتلقي بأنهم يكشفون الجانب الإنساني الخفي في حياة أم كلثوم، بينما هم في الحقيقة يمارسون "هتكًا متعمّدًا لرمزيتها"، عبر استدعاء الشائعات، وتضخيم روايات مهترئة، وتحويل الهامشي والمختلق إلى مركز للسرد.
إن الانتقال من التوثيق الأمين إلى خيال مريض يقتات على القيل والقال ليس جرأة فنية، بل استخفاف بعقل المشاهد وإهانة لتاريخ أمة. فما نراه ليس "رؤية مغايرة"، بل "تشويهًا ممنهجًا" يحوّل سيرة امرأة قادت المجهود الحربي بصوتها، ووحّدت العرب بفنها، إلى مادة استهلاكية للإثارة والجدل العقيم.
الأكثر إيلامًا في هذه المذبحة الفنية ليس الفعل ذاته، بل "هوية الجناة"، حين يتورّط فنانون مصريون—ممثلون وصنّاع—في تمرير هذا التشويه، فإن المسألة تتجاوز سوء التقدير لتبلغ حدّ "السقوط الأخلاقي". فأن تكون فنانًا لا يعني إتقان الأداء فحسب، بل امتلاك وعي بحدود ما تمسّه، وإدراك أن بعض الرموز ليست مادة للتجريب، بل "أمانة تاريخية"، إن قاربتها عليك أن تقاربها بموثوقية وتوثيق تاريخي لحياتها لا يقبل الشك.
الممثل أو المخرج الذي يرتضي أن يكون أداة لتزييف الوعي مقابل أجر أو حضور سينمائي، إنما يوقّع على صك إدانته أمام التاريخ. لقد تحوّل الفن هنا من رسالة تحفظ الذاكرة وترتقي بالوجدان إلى "سلعة" تُباع فيها السمعة لمن يدفع أكثر، وتُذبح الحقائق على مذبح "التريند" والإيرادات.
سيخرج من يلوّح براية "حرية الإبداع"، غير أن الرد واضح ولا يحتمل المواربة: "حرية الإبداع تنتهي حين تبدأ خيانة التاريخ". أم كلثوم ليست ملكية خاصة، ولا مادة خام لكاتب يبحث عن حبكة مثيرة؛ إنها جزء أصيل من الذاكرة الجمعية للمصريين والعرب. والعبث بهذه الذاكرة عبث بالهوية نفسها، لا مجرد اختلاف فني.
إشكاليات الفيلم في تصوير أم كلثوم:
1. اختزال الأسطورة: تقليص مسيرة فنية استثنائية امتدت نصف قرن إلى دراما علاقات شخصية.
2. التضخيم العاطفي: المبالغة في التركيز على حياتها العاطفية على حساب إنجازها الفني ودورها الثقافي والسياسي.
3. مأزق التمثيل: محاولة تجسيد أيقونة بصوتها الفريد وحضورها المهيب عبر ممثلة—مهما بلغت موهبتها—تبقى مقارنة خاسرة مع الأصل الأسطوري.
4. تبسيط التعقيد: أم كلثوم لم تكن "مطربة" فحسب، بل ظاهرة اجتماعية–سياسية–ثقافية غيّرت وجه المنطقة العربية.
5ـ الفيلم صوّر أم كلثوم بأنها كانت امرأة بخيلة، وهذا ينافي الواقع التاريخي، فالمرأة التي تبرعت بمجوهراتها، بل وبدخل حفلتها في باريس، حيث عدت من أعلى دخول المطربين والفنانين العالمين الذين غنوا أو وقفوا على مسارح باريس يمكن أن تصنف بأنها امرأة بخيلة؟
6ـ المطربة التي ظلت لعقود طويلة على قمة سلم مجد المنافسة الفنية في مصر والعالم العربي أجمع حتى آخر لحظات حياتها هي نفسها التي صورها الفيلم مكتئبة ومحبطة وشعرها يتساقط جراء حالات الاكتئاب القاسية التي مرّت بها؟
أم كلثوم عبر السيرة الذاتية والغيرية لأبرز مجايليها ومنافسيها كانت:
ـ ظاهرة فريدة جمعت بين الأصالة والحداثة.
ـ رمز للوحدة العربية؛ كانت حفلاتها مناسبات قومية.
ـ قوة ناعمة سخّرت فنها لخدمة القضايا الوطنية.
ـ إرث خالد لا يزال يُدرَّس ويُحلَّل موسيقيًا وثقافيًا.
السؤال الجوهري هنا:
هل يمكن لأي عمل درامي أن يقدّم "أم كلثوم" بما يليق بمكانتها في قلوب الملايين؟ أم أن بعض الشخصيات أكبر من أن تُحصر في فيلم؟
المشكلة ليست في تناول حياة النجوم فنيًا، بل في "اختزال العظماء" بما يخدم الدراما أكثر مما يخدم الحقيقة. أم كلثوم كانت مؤسسة ثقافية قبل أن تكون "نجمة" بالمعنى التجاري.
معركة "الست": صراع على الذاكرة والرمز:
ما يجري حول فيلم "الست" ليس خلافًا فنيًا عابرًا، بل دفاعا مستميتا حول الميراث الرمزي للهوية المصرية الذي صنعه عظماء مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وبليغ حمدي ورياض السنباطي وطه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويحيى حقي وغيرهم ممن صنعوا هوية مصر الحديثة ومنحوها تلك الأبعاد الرمزية في الوجدان العربي كافة. فحين تُستدعى أم كلثوم، لا تحضر كمطربة من الماضي، بل كأحد أعمدة الهوية الرمزية لمصر، وصوت تشكّلت حوله سرديات الدولة والوجدان العام.
في الوعي الجمعي المصري، لا تُصنَّف أم كلثوم كفنانة فقط؛ إنها "الملكية الوجدانية العامة "، التي لا تقل أهمية عن "نفرتيتي" أو حتشبسوت في مصر القديمة. لذلك يصبح أي اقتراب فني منها خاضعًا لشروط صارمة لا تقيس الجماليات بقدر ما تقيس الموثوقية والحقيقة التي تطرح هذه الأسئلة:
هل يليق العمل بجلال الرمز؟
هل يحترم الهالة المحيطة بصاحبة "الأطلال"؟
هل يقترب منها بقصد الفهم أم بقصد التدنيس؟
أزمة الرؤية والاختيارات:
تبدو مفارقة اختيار أحمد مراد لكتابة فيلم عن أم كلثوم كاشفة بحد ذاتها. فكاتب اشتهر بكتابة تراهن على الـ " بيست سلير" والسطحية والغرائبية لا يمتلك رؤية جمالية أو فلسفية تمكنه من كتابة سيناريو لشخصية بقامة أم كلثوم لها هذا الثقل الرمزي. وأتصور أنه غير قادر على كتابة عمل جاد له عمق فكري لأي شخصية تاريخية فما بالنا وأم كلثوم لما لها من كاريزما وشخصية مبهرة مكنتها من المنافسة لعقود طويلة، ولم تنزل عن عرض الطرب العربي إلا برحيلها جسديا؟
أما اختيار منى زكي، فقد كان المأزق الآخر لصناع الفيلم، فشئنا أم أبينا تعلق صور وشخصيات الفنان التي يقدمها على الشاشة الكبيرة أو الصغيرة ، فمنى ذكي التي قدّمت شخصية سعاد حسني"السندريلا" ، وفشلت في الوصول إلى روحها حتما ليست قادرة على أن تقدم شخصية أم كلثوم، كما أن صورتها الذهنية وهي تنزع عن جسدها قطعة حساسة من ملابسها الداخلية في فيلم سابق لن يؤهلها أيضا في وعي المتلقي أن تقوم بدور شخصية جادة ولها هذا الميراث القومي الكبير كأم كلثوم.
سيبقى فيلم "الست"، وما شابهه، فقاعة عابرة أمام عظمة التاريخ الحقيقي. لكن الدرس الأهم أن "الصمت عن تزييف الوعي جريمة"، وأن الدفاع عن أم كلثوم اليوم هو دفاع عن احترامنا لذواتنا وتاريخنا وفكرة الفن نفسها.
لأن الفن، في جوهره،
أما أن يكون شاهدًا على الحقيقة… أو شريكًا في الكذبة.
وستبقى الست أم كلثوم ـ رغم كل محاولات النيل- هرمًا رابعًا، عصيّة على الهدم، وأكبر من كل المزورين.
|