|
القاهرة 22 ديسمبر 2025 الساعة 02:44 م

بقلم: محمد خضير
في ساحة مسجد أبو الحجاج الأقصري، حيث يتجاور التاريخ المقدس مع الحياة اليومية، استعاد الجنوب صوته العميق، وانتصبت العصا شاهدًا على ذاكرة لا تزال حية.. هناك، انطلقت فعاليات المهرجان القومي للتحطيب في دورته الخامسة عشرة، ضمن خطة نشاط وزارة الثقافة، في مشهد احتفالي مهيب أعاد للتراث هيبته، وللصعيد مكانته بوصفه خزان الذاكرة الشعبية المصرية.
لم يكن المشهد مجرد عروض استعراضية، بل طقسًا ثقافيًا متكاملًا، تلاقت فيه إيقاعات الطبول مع أنين الربابة، وتعانقت خطوات لاعبي التحطيب مع حركة الجسد المدروسة، لتتشكل لوحة فنية نابضة بروح الجماعة، ومفعمة بدلالات الفروسية والانضباط والاحترام المتبادل.. العصا هنا لم تكن أداة صراع، بل لغة حوار قديمة، تتكلم بالإيقاع، وتروي سيرة الإنسان والمكان.
جاء افتتاح المهرجان كاستدعاء بصري ووجداني لتاريخ ضارب في عمق الحضارة المصرية، حيث تصدرت فرق التحطيب القادمة من مختلف محافظات الصعيد المشهد، إلى جانب فرق الفنون الشعبية، في تظاهرة جسّدت التحطيب بوصفه فنًا شعبيًا رفيعًا، لا مجرد لعبة، بل ممارسة ثقافية تحمل منظومة قيم متكاملة، تتصل بالشجاعة، وضبط النفس، والالتزام بقواعد غير مكتوبة توارثتها الأجيال.
العروض، بتنوعها الحركي والإيقاعي، قدمت صورة بانورامية للتراث الشعبي المصري، حيث بدت الحركات محسوبة بدقة، تتناغم مع إيقاع الطبول وصوت الربابة، في مشهد أعاد تعريف التحطيب كفعل ثقافي حي، يحتفي بالإنسان قبل الأداء، وبالمعنى قبل الاستعراض، ويجعل من الجسد حاملًا للذاكرة، ومن الساحة مسرحًا مفتوحًا للهوية.
وجاء تنظيم المهرجان في إطار تكامل مؤسسي واضح، يعكس اهتمام الدولة بصون التراث الشعبي وتقديمه في صورة معاصرة تليق بقيمته التاريخية والإنسانية، من خلال تعاون قطاعات وزارة الثقافة المختلفة، وإقليم جنوب الصعيد الثقافي، وفرع ثقافة الأقصر، بما يؤكد أن حماية التراث لا تتحقق بالشعارات، بل بالفعل الثقافي المنظم والمستمر.
- من جدران المعابد إلى اليونسكو
تعود لعبة التحطيب إلى عصور مصرية سحيقة، حيث ظهرت منقوشة على جدران المعابد والمقابر، خاصة في بني حسن، قبل أن تشق طريقها عبر القرون لتستقر في وجدان الصعيد، بوصفها جزءًا من طقوس الفرح والاحتفال، وممارسة اجتماعية تحمل رمزية القوة المقترنة بالحكمة.
وفي عام 2016، حظيت لعبة التحطيب باعتراف دولي بإدراجها ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونسكو، لتتحول من ممارسة محلية إلى قيمة إنسانية معترف بها عالميًا، وشاهدًا على قدرة التراث الشعبي المصري على البقاء والتجدد.
ويأتي المهرجان القومي للتحطيب ليؤكد أن التراث ليس ماضيًا منتهيًا، ولا أثرًا محفوظًا في المتاحف فقط، بل طاقة حية قادرة على بناء الوعي، وتعزيز الانتماء، وخلق جسور تواصل بين الأجيال، في زمن تتزايد فيه الحاجة إلى استعادة الجذور، والإنصات لصوت الهوية.
وتشهد دورة هذا العام مشاركة ثماني فرق فنية تابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة، تشمل فرق بني سويف، والمنيا، وملوي، وأسيوط، وسوهاج، وقنا، والأقصر للفنون الشعبية، إلى جانب فرقة النيل للموسيقى والغناء الشعبي، وبمشاركة لاعبي وشيوخ التحطيب من محافظات سوهاج والمنيا والأقصر وقنا، في تأكيد جديد على أن العصا ما زالت قادرة على الكلام، وأن الذاكرة حين تُستدعى بصدق، تتحول إلى فعل ثقافي حي لا يشيخ.
|