|
القاهرة 22 ديسمبر 2025 الساعة 02:35 م

قصة: آمنة سلامي ـ موريتانيا
كانت ليلى تمشي بخطوات مترددة على الطريق الرملي الممتد أمام بيتها القديم، ذلك البيت الذي عرف كل أسرارها أكثر مما اعترفت هي لنفسها. الهواء كان دافئًا، لكنه يحمل شيئًا يشبه الذاكرة، ذاكرة لها رائحة المطر الذي لم ينزل منذ زمن طويل.
منذ أن تركت مدينتها قبل أعوام، تغيّر كل شيء… أو ربما هي التي تغيّرت.
عادت بلا خطة، بلا وعود، فقط بوجعٍ تعلم أنه لن يهدأ إلا عندما تواجه ما هربت منه.
كانت تعرف أن العودة ليست شجاعة بقدر ما هي ضرورة، وأن الإنسان لا يهرب من الأشياء التي تلتصق بروحه مهما سافر.
حين دفعت الباب الخشبي العتيق، لم يصرخ كما اعتاد… كأنه كان ينتظرها.
دخلت بخطوات هادئة، والغبار يرقص في الضوء الخافت. نظرت حولها، كل شيء كان كما تركته: السجادة القديمة، الصور على الجدار، الطاولة التي كُسر أحد أركانها.
لكن أكثر ما استوقفها كان السرير… السرير الذي شهد انهيارها الأخير.
اقتربت منه وهي تشعر أن الأرض تقترب منها أيضًا، كأن المكان يريد أن يعيد ترتيبها من الداخل.
جلست على حافته، ووضعت يدها على الملاءة الخشنة، وأغمضت عينيها.
لم تكن تبكي، لم يعد لديها قوة للبكاء… فقط صمت داخلي يضغط على صدرها.
تذكّرت تلك الليلة التي رحلت فيها بلا وداع، بلا كلمة، والمدينة كانت تغرق في ضجيج لا يشبهها.
كانت تظن أنها إذا ابتعدت ستشفى، لكنها اكتشفت أن البعد لا يعالج شيئًا… هو فقط يمنح الوقت للجرح كي ينتشر أعمق.
فتحت عينيها على صوت طرق خفيف على الباب.
لم تكن تتوقع أحدًا،نهضت ببطء وتقدمت، ثم فتحته… لتجد سمير واقفًا أمامها.
كان آخر شخص ظنت أنها ستراه تغير وجهه، وكأن السنين رسمت خطوطًا بين كل ابتسامة وأخرى، لكنه ما زال يحمل نفس النظرة التي كانت تقلقها وتطمئنها في الوقت نفسه.
قال بصوت هادئ:
"عرفت إنك رجعتي…"
لم تجد كلمات ترد بها، فقط نظرت إليه وكأنها تبحث في ملامحه عن الوقت الذي ضاع منهما.
سألها:" كيف حالك؟" ابتسمت ابتسامة صغيرة بلا معنى، وقالت:
"ما أعرف… يمكن أحسن، يمكن أسوأ، يمكن نفس الشي."
دخل معها دون أن تسأله، كأنه يعرف الطريق إلى قلبها أكثر مما تعرف هي.
جلس على الكرسي المقابل للنافذة التي كانا يجلسان قربها كل مساء في الماضي.
كانت تلك الساعات الصغيرة التي تجمعهما أكبر من كل الأيام التي بعدت بينهما.
قالت له:
"رجعت لأنّي تعبت من الهروب. "نظر إليها طويلًا قبل أن يجيب:
"وأنا انتظرت لأنّي توقعت إنك بترجعين. ما كنت متأكد… بس كنت آمل."
سكتا قليلًا، والنافذة تفتح ذراعيها للريح التي تحمل الغبار ورائحة الأرض. ثم أضاف:
"مو كل شيء ينهدم… بعض الأشياء تتصلّح لو رجعنا لها من جديد."
اقتربت منه، جلست قريبة بما يكفي لتسمع نبض صمته.
قالت بصوت منخفض:
"أنا مو نفس الشخص اللي تركك… تغيرت كثير."
رد وهو يحدّق فيها بصدق:
"وأنا بعد… بس يمكن هالتغيير ما يكون ضدنا."
كانت الكلمات تسقط مثل حبات المطر الأولى.
طل تكن بداية جديدة تمامًا… ولم تكن عودة كاملة.
كانت شيئًا بين الاثنين، شيء يشبه الطريق الذي لا يعرف أين ينتهي لكنه يعرف من أين يبدأ.
في تلك اللحظة، شعرت ليلى أن قلبها يلين لأول مرة منذ سنوات. المكان، الذكريات، وجود سمير… كل شيء يأخذها إلى نقطة لم تكن تتوقع أن تصلها: نقطة رغبتها في أن تسامح نفسها.
وقفت وتقدمت نحو الباب المفتوح، تنظر إلى الأفق.
همس لها سمير من خلفها:
"إلى وين تبين تروحين؟"
ابتسمت وقالت:
"مو مهم… المهم إني ما أهرب هالمرة."
خرجت إلى الضوء، وهو لحقها دون أن يسأل، وكأن الطريق يعرفهما أكثر مما يعرفان أنفسهما.
كانت الريح تمرّ بلطف حولهما، تحمل وعدًا خفيفًا أن الحياة، مهما اشتدت، تظل قابلة لأن تبدأ من جديد… من مكان، من نظرة، أو من لحظة صدق صغيرة جدًا، لكنها تكفي لإنقاذ روح كاملة.
سارا يسيران معًا على الطريق الرملي، لا كلمات تُزعج الصمت الذي أصبح بينهما، بل همس الريح الذي يحمل أصوات الماضي وحكاياته القديمة.
كانت ليلى تشعر بيد سمير قريبًا من يديها، لكن لم تمتد حتى تمسكها بعد، مجرد قرب يكفي ليطمئن قلبها المتعب.
توقفت فجأة عند حجر صغير يبرز من الرمال، نظر إليه سمير وقال بابتسامة خفيفة:
"حتى الحجارة هنا صامدة… يمكن نقدر نصير مثلهم."
ضحكت ليلى بخفّة، كانت ضحكة لا تحمل فرحًا كاملًا، لكنها كانت بداية لتفتح جديد، كزهرة صغيرة تخرج بعد شتاء طويل.
استدار سمير نحوها وقال:
"تعرفي… الحياة تعلمنا الصبر، لكن أحيانًا أهم درس هو إننا نقدر نبدأ من جديد، حتى لو بأشياء صغيرة."
أومأت ليلى برأسها، نظراتها تسبح بين الماضي والحاضر، بين ما تركته وما تحلم به.
"وأنا أريد أبدأ… معك، مع نفسي، مع المكان اللي خلاني أنسى نفسي أحيانًا."
ابتسم سمير وقال:
"أنا موجود… وما راح أتركك تهربين مرة ثانية."
بدأت الشمس تغرب تمامًا، والسماء امتلأت بألوان البرتقالي والأحمر والذهبي، وكأنها تعكس دفء اللقاء الجديد بين القلوب التفتت ليلى إلى سمير وقالت:
"لن نعرف كل الإجابات، وربما الأيام الجاية صعبة… بس على الأقل سنتواجه مع بعض، ونمشي الطريق خطوة خطوة."
مسح سمير يديها من يده ووضعها على قلبه:
"كل خطوة معك، مهما كانت صغيرة، تعني لي العالم كله."
بدأا السير ببطء على الطريق الرملي، تركا آثار أقدامهما في الرمال، آثار ستختفي مع الريح، لكنها كانت تترك أثرًا داخليًا لا يمحى.
كان كل شيء حولهما ساكنًا، الأرض، الأشجار، الريح… كأن العالم بأسره توقف ليسمح لهما بالبدء من جديد.
مع كل خطوة، شعرت ليلى بأن الخوف من الماضي يذوب، وأن العودة ليست مجرد رجوع إلى مكان، بل رجوع إلى الذات، وإلى شخص كان ينتظرها منذ سنوات طويلة، شخص يعرفها بصدق.
بعد فترة من الصمت، قالت ليلى بخفة:
"أحيانًا أشعر أن كل شيء ضاع مني… الذكريات، الفرص… حتى أنا نفسي."
ابتسم سمير بطريقة حزينة لكنها مطمئنة:
"مش كل شيء ضاع… حتى لو ضاع، نقدر نبدأ من جديد كل يوم فرصة جديدة، وكل لحظة اختيار."
نظر إليها بعينين ملؤهما الصدق، وقال:
"كنت خائف إني أخسرّك للأبد… بس هالحظة تبتلي إن الرجوع ممكن، إذا كان القلب حاضر."
أغمضت ليلى عينيها وأخذت نفسًا عميقًا، شعرت أن سنوات الهروب والفرار تتبخر ببطء في هواء الغروب.
"أعرف الآن… الهروب ما كان حل أبدًا. كل اللي كان ينقصني كان شجاعة المواجهة… وشخص يفهمني بدون كلام."
ابتسم سمير وقال:
"أنا موجود… وما راح أتركك تهربين مرة ثانية."
أخيرًا، توقفت ليلى ونظرت إلى الأفق المبتسم بين الضوء والظل، وقالت:
"حكايتنا لم تنتهِ… بل بدأت للتو. كل فصل فيها يحمل فرصة… فرصة للفهم، للغفران، وللحب، بطريقة لم نعرفها من قبل."
ابتسم سمير، وأمسك يدها مجددًا، وقال:
"ومهما كانت الفصول القادمة… سأكون معك."
وبينما اختفى الغروب وراء الأفق، شعرت ليلى أن قلبها أخيرًا يعرف معنى العودة، معنى أن كل شيء يمكن أن يبدأ من جديد… فقط إذا كان القلب حاضرًا، والشجاعة موجودة، واليد التي تمسكك موجودة كذلك.
|