|
القاهرة 22 ديسمبر 2025 الساعة 02:34 م

هاجر السواح
ثمّة خطرٌ خفيّ لا يقلّ أثره عن الفقد، وهو أن يعتاد الإنسان النِّعَم حتى يألفها، فتغدو مألوفةً إلى حدّ الغياب.
لا لأنّها زالت، بل لأنّ القلب توقّف عن الإحساس بها. وحينها تفقد النعمة قدرتها على الإثمار في النفس؛ فلا توقظ شكرًا، ولا تبعث دهشة، ولا تُحرّك وعيًا. وكأنّ الجمال الذي يحيط بنا في كل لحظة أصبح مشهدًا عابرًا لا يُرى.
إنّ نِعَم الله لا تكمن في كثرتها وحدها، بل في أثرها حين تُستقبل بقلبٍ حاضر. وحين يغيب هذا الحضور، يصبح الاعتياد قسوةً صامتة، تُطفئ حرارة الامتنان وتُثقِل الروح دون أن نشعر.
وفي المقابل، هناك نوع آخر من الإيلاف… إيلافٌ مختلف في طبيعته وأثره: *إيلاف الابتلاء*.
وهو ذلك الاعتياد العميق الذي يتشكّل في النفس حين تسير في دروبٍ شاقّة، وتواجه ظروفًا قاسية، فلا تنكسر، بل تتعلّم كيف تقف بثبات.
إيلاف الابتلاء ليس استسلامًا للألم، ولا رضوخًا للوجع، بل هو صبرٌ واعٍ، ورضا متدرّج، واحتسابٌ صادق لما عند الله.
هو أن تؤمن أن ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وأن في كل قضاء حكمة، وإن خفيت، ولطفًا، وإن تأخّر ظهوره.
هذا الإيلاف نعمة خفيّة، تُربّي في الداخل قوةً هادئة، وتعلّم الإنسان التكيّف مهما قست الظروف، وتفتح له باب النظر العميق إلى الحياة، بعيدًا عن السطحية وضجيج التذمّر.
وقد يكون أثره في تهذيب النفس أعظم من النِّعَم السهلة؛ لأنّه يربّي الصبر، ويخفّف التعلّق، ويُعيد ترتيب الأولويات، ويصقل القلب ليكون أكثر وعيًا وأقلّ هشاشة.
وحين يُصاحب الابتلاء صبرٌ ورضا، لا يعود عبئًا خالصًا، بل يتحوّل إلى عبادة صامتة، وإلى طريق خفيّ للأجر، وإلى مساحة يختبر فيها الإنسان صدق توكّله، وثقته في عدل الله ورحمته.
ومن هنا، يصبح الحمد أوسع من كونه كلمة تُقال، وأعمق من كونه ردّة فعل عابرة.
الحمد لله على نعمة الرضا،
وعلى الصبر الذي يُقوّي القلوب،
وعلى الاحتساب الذي يُهوّن الألم،
وعلى لطف الله الذي يجعل من الشدائد بابًا للثبات،
ومن الابتلاء نعمةً تُهذّب القلب وتفتح البصيرة.
فما بين إيلاف النِّعَم وإيلاف الابتلاء،
وبين الصبر والرضا،
تتشكّل إنسانيتنا،
ويُصاغ وعينا،
وتُكتب قصتنا مع الله.
|