|
القاهرة 20 ديسمبر 2025 الساعة 10:53 ص

فتحى عبدالحميد
لم يكن القانون في جوهره سوى محاولة بشرية نبيلة لتنظيم الفوضى وضبط الصراع وكبح تغول القوي على الضعيف. وضع ليحمي الإنسان من الإنسان. لا ليجعل الإنسان خصما للإنسان. ولا ليحول الاسرة التي هي أقدم وأعمق وحدة إجتماعية الى ساحة نزاع مفتوحة تدار بالمحاضر والمحاكم الأسرية. وتقاس فيها المشاعر بالاحكام. وتستبدل فيها القيم الصامتة بنصوص جامدة لا ترى الا ما كتب فيها وفقا لاجندات وأيادى خفية .
غير ان المأساة تبدأ حين ينتصر القانون شكلا. ويخسر الإنسان معنى.
وحين يرتفع النص فوق العدل، ويُضحى بالروح الانسانية على مذبح الإجرائية وحين تتحول الأسرة من مساحة مودة ورحمة إلى ملف قضية، ومن علاقة تكامل الى معركة نفوذ، ومن بيت يأوي الجميع الى ساحة يتقاتل فيها الجميع.
قانون الأسرة كما يمارس اليوم لا كما يفترض فيه لم يعد ميزانا متوازنا، بل كفة واحدة راجحة منذ اللحظة الأولى.
لا بسبب نوايا التشريع وحدها. بل بسبب التطبيق العملي الذي جعل الرجل في موضع الإتهام الدائم، لا شريكا في الأسرة. ولا ركنا من أركانها. بل طرفاً مشكوكأ في عدالته ومسؤوليته ونيته. يطالب دائماً بالدفاع. ولا يمنح ابدأ افتراض البراءة.
القوامة التي جاءت في أصلها تكليفا ومسؤولية. لا تشريفا ولا سيطرة. تم تفريغها من معناها الحقيقي. لا بنص صريح. بل بمنظومة اجرائية كاملة. جعلت القرار النهائي في يد واحدة. وجردت الطرف الاخر من أدوات التأثير.
فتحولت القوامة من ممارسة واقعية الى لافتة معلقة بلا مضمون. ومن مسؤولية إجتماعية الى عبء قانوني بلا سلطة.
ومع الوقت لم يعد الأصل هو التفاهم. بل الشك. ولم تعد الأسرة هي الإطار. بل المحكمة. ولم يعد القانون حكما بين طرفين. بل لاعبا يعيد توزيع الأدوار بطريقة مختلة. تخلق خصوما بدلا من أن تحمي شركاء.
ولا ينكر منصف أن المرأة عانت تاريخياً من أشكال متعددة من الظلم. -وأن كان ذلك خارج عقيدتنا - وأن الحاجة الى حمايتها قانونيا كانت ضرورة لا جدال فيها. لكن الخلل يبدأ حين تتحول الحماية الى سلطة مطلقة. وحين يُستبدل الظلم القديم بظلم معاكس. وحين يُدار التصحيح بمنطق الإنتقام لا بمنطق التوازن.
في كثير من قضايا الاسرة. أصبح القرار الفعلي لا الأخلاقي في يد المرأة بحكم القانون. لا بحكم التوافق.
لا لأن المرأة سيئة. بل لأن النص منحها أدوات ضغط لا يملك الرجل ما يعادلها. أدوات قد تستخدم بحسن نية. وقد تستخدم بسوء نية.
لكن القانون لا يميز. لأنه يتعامل مع الصيغة لا مع السياق. ومع الإدعاء لا مع العمق الإنساني.
وهنا تتشكل الكارثة الصامتة. حين يختزل التعقيد الإنساني في نموذج واحد. وحين يفترض سوء النية من طرف بعينه. وحين يصبح الإتهام أسهل من الحوار. والإنفصال أقل كلفة من الإصلاح. والشكوى أسرع من المواجهة. والمحضر أقوى من الكلمة.
الرجل في ظل هذا الواقع القانوني لم يعد عمود الأسرة. بل صار هامشها. يستغنى عنه بسهولة. وتسحب منه القوامة دون بديل تكاملي. وتفرض عليه الالتزامات دون أن تمنح له أدوات القرار.
فيتحول إلى ممول دائم بلا حضور تربوي. ومسؤول دائم بلا تأثير. واسم في الأوراق لا روح له في البيت.
الأبوة لم تعد علاقة حية في كثير من الوقائع، بل موعد زيارة.
والأب لم يعد مربيا حاضراً. بل ضيفاً منظماً بقرار. والطفل لم يعد يعيش أسرة واحدة. بل واقعين متناقضين.
يسمع روايتين. ويتلقى قيمتين. ويتعلم منذ الصغر أن الصراع هو القاعدة. وان الغلبة أهم من التفاهم.
وحين تفصل المسؤولية عن السلطة. ينهار المعنى. فلا الرجل يؤدي دوره كاملا. ولا المرأة تشعر بالطمأنينة. ولا الطفل ينشأ متوازناً.
فالاسرة لا تستقيم بطرف واحد. ولا تبنى على الإقصاء. ولا تنجو حين يتحول أحد أركانها الى ظل.
وحين يدار الخلاف الأسري بالقانون وحده.
تموت القيم قبل أن تموت العلاقة. يموت الصبر لأن النص أسرع. ويموت الحوار لأن الشكوى أسهل. وتموت الذاكرة المشتركة لأن المحكمة لا تعترف الا بما يثبت. لا بما يعاش.
تنهار قيم الستر. والتغاضي. والتنازل المتبادل. والإصلاح قبل الفضيحة. وتحل محلها ثقافة جديدة قاسية.
من يسبق الى المحضر ينتصر. ومن يتقن دور الضحية يربح، ومن يخسر المعركة القانونية يخسر صورته الإجتماعية حتى لو كان صادقاً.
وهكذا لا تدمر الأسرة فقط. بل يعاد تشكيل الوعي الجمعي على أساس مختل.
فينشأ جيل يرى العلاقة معركة. ويرى الزواج مخاطرة. ويرى الأسرة عبئا قانونيا لا سكنا إنسانيا. ويتعلم منذ البداية أن الحب وحده لا يكفي. وان القانون قد يكون خصما لا ملاذاً.
الأسرة هي نواة المجتمع. وحين تتفكك النواة ينهار البناء. لا يمكن لمجتمع أن يكون مستقراً. بينما بيوته ساحات نزاع. ولا يمكن ان ينتج افرادا اسوياء. بينما الاب غائب قسراً. والأم محملة بصراع دائم. والطفل موزع بين خصمين.
حين يخسر الرجل مكانته داخل الأسرة. لا يخسرها وحده. بل يخسرها المجتمع كله. لأن الرجولة المسؤولة ليست فرداً. بل نموذج. وحين تدفع المرأة الى موقع الخصم والحكم معا. لا تتحرر. بل تستنزف. وحين يربى الطفل على منطق الإنتصار لا على منطق التفاهم. نكون قد زرعنا بذرة إنهيار مؤجل.
المشكلة ليست في وجود قانون للأسرة. بل في غياب الروح عنه.
ليست المشكلة في حماية طرف. بل في غياب حماية الكيان. ليست في النص. بل في تقديس النص على حساب الإنسان.
القانون حين يفقد مرونته يتحول من أداة عدل الى أداة إدارة خسارة.
وحين تغلق أبواب الحساب الحقيقي. حساب القيم. وحساب الأثر. وحساب المستقبل. تفتح أبواب أخرى للخراب الصامت.
القانون الذي لا يرى الإنسان. مهما بدا عادلا على الورق. يكون قاسيا في الواقع. ومربكا في الأثر. ومدمرا في المدى البعيد.
فالعدالة لا تقاس بعدد الأحكام. بل بقدرتها على حفظ المعنى. وصيانة الكيان. ومنع الإنهيار.
وحين ينتصر القانون ويخسر الإنسان. لا يكون ذلك نصرا حقيقيا. بل إعلان فشل مؤجل.
وحين تدار الأسرة بالقضاء وحده. لا تدار. بل تفكك.
وحين تتحول القوامة من تكامل مسؤولية، وحين تتحول القوامة من تكامل مسؤولية الى صراع سلطة. نكون قد خسرنا الجوهر قبل الشكل.
نحن لا نحتاج الى قوانين أقسى. بل الى قوانين أعمق. لا نحتاج الى حماية تقصي. بل الى عدل يوازن. لا نحتاج الى إنتصار طرف. بل الى بقاء الأسرة. لأن المجتمع الذي تهزم فيه الأسرة. مهما بدا قويا في ظاهره. يكون في حقيقته مجتمعا يتهاوى ببطء.
فالقانون الذي لا يحفظ الانسان.
قد ينتصر يوما، لكن على أنقاض أسرة.. وإنكسار مجتمع.
|