|
القاهرة 17 ديسمبر 2025 الساعة 03:07 م

آمنة سلامي
كان الفجر في الصحراء يشبه خيطًا من الذهب يُسحب ببطء فوق صفحة الرمال اللامتناهية، حتى يتفتح الضوء رويدًا رويدًا مثل زهرة تخجل من النهار.
في تلك اللحظة الدقيقة التي تكون فيها السماء ليست ليلًا ولا نهارًا، فتحت سلمى عينيها، وأحست بأن الهواء يحمل شيئًا غريبًا… شيئًا يشبه النداء.
كانت سلمى في السابعة عشرة، ذات عينين واسعتين فيهما بريق لا يشبه أحدًا، وشعرٍ أسود طويل ينسدل على كتفيها كأنه ظلٌّ يريد أن يتبعها أينما سارت.
بعد وفاة جدها بخمسة أشهر، بقيت وحدها في هذه الخيمة التي ورثتها عنه، ومعها مجموعة أدوات بسيطة… وبوصلة نحاسية قديمة، هي أغرب ما تركه لها
لم تكن سلمى تفهم سر تلك البوصلة.
كانت ثقيلة قليلًا، منقوشة بخطوط دقيقة، وتحمل على ظهرها رمزًا يشبه مثلثاً داخل دائرة.
كلما أمسكتها تشعر بأنها ليست مجرد أداة… بل كائنٌ يراقب ويصمت.
عندما فتحت الخيمة ذلك الصباح، كان الهواء البارد يلمس وجنتيها بلطف غريب. وقفت أمام الصحراء الممتدة بلا نهايات، وشعرت بنبض خفيف في صدرها، كأن قلبها يردّد شيئًا لا تستطيع فهمه.
لكن الليلة الماضية كانت السبب في كل ما يحدث الآن؛ الليلة التي دارت فيها البوصلة وحدها لأول مرة.
كانت تجلس داخل الخيمة تقرأ من مذكرات جدها، حين بدأت البوصلة تهتزّ، ثم تدور، تدور، تدور، بلا توقف.
لم يكن هناك أي سبب منطقي لذلك، ومع ذلك استقرت أخيرًا وهي تشير نحو الشمال الشرقي.
نحو المكان الذي يخشاه الجميع: وادي الريح الحارسة،المكان الذي لا يعود منه من دخل إليه.
تذكرت رسالة جدها التي تركها داخل صندوقه الخشبي:
"إن تحركت البوصلة وحدها… فاتّبعيها."
لم تنم تلك الليلة جيدًا، وظلت تسمع صوتًا يشبه همسًا داخليًا يقول لها: اذهبي.
وفي الفجر… اتخذت القرار الذي غيّر حياتها.
أعدّت حقيبتها ببعض التمر والماء واللحم المقدد والبطانية، وشدت حبل جملها "ظليل" الذي كان رفيقها الدائم.
وضعت البوصلة في يدها، وبخطى ثابتة خرجت من الدائرة المألوفة للعيش، إلى دائرة المجهول الواسعة.
كان الطريق صعبًا، والكثبان عالية، والشمس ترتفع مثل نار بطيئة تشعل السماء. لكن سلمى كانت تتحرك بثقة، والبوصلة بين يديها لا ترتجف ولا تغير اتجاهها. كانت كأنها تعرف طريقًا لا تراه العيون،بعد ساعات من السير، شعرت سلمى بثقل الوحدة.
كانت الرمال هادئة أكثر مما يجب، والسماء كبيرة أكثر مما تتحمله قلوب البشر. فجأة سمعت صوتًا يناديها من الخلف، فالتفتت سريعًا وهي تمسك بخنجرها.
كان فتى يقترب راكبًا جملاً سريعًا،طويل عيناه سوداوين لامعتين، يحمل على كتفيه غبار الطريق لوّح لها قائلاً وهو يلهث:
«توقّفي! لم أتوقع رؤية أحد هنا.»
نظرت إليه بحذر.
قالت بحدة: «ولماذا تتبعني؟»
ابتسم ابتسامة خفيفة: «لأنك تتجهين نحو وادي الريح الحارسة.»
شعرت سلمى بأن قلبها انكمش.
«وكيف عرفت؟»
أشار إلى البوصلة في يدها:
«كانت مثلها مع أخي… قبل أن يختفي هناك.»
ساد الصمت للحظة.
قال: «أنا معاذ. وأنتِ؟»
«سلمى.»
اقترب أكثر:
«أريد أن أذهب معك أخي اختفى منذ سنة، والبوصلة التي يحملها كانت تتحرك مثلك تمامًا أنتِ قد تكونين طريقًا لفهم ما حدث… وربما لإعادته.»
ترددت سلمى، لكنها رأت شيئًا صادقًا في عينيه.
«حسنًا… لكن لا تتدخل في قراراتي.»
ضحك: «أعدك.»
تابعا السير معًا، والنهار يصبح أكثر حرارة والريح تحمل رمالًا دقيقة تدخل في كل شيء.
تحدثا عن جدها، وعن أخيه سالم، وعن الوادي الغامض الذي يخشاه الجميع.
بعد وقت طويل، وصلا إلى منطقة بدت كأن الرمال فيها تتحرك لم تكن ثابتة، بل ترتفع وتهبط ببطء… مثل صدرٍ يتنفس قال معاذ بصوت خافت:
«هذه الرمال المتحركة… يجب أن نكون أسرع.»
انطلقا بسرعة، والجمال تركض فوق الأرض التي تتحرك مثل بحر من الذهب. وفجأة توقفت البوصلة ثم انطلقت نحو اليمين صاحت سلمى:
«اتبعني!»
وفي اللحظة نفسها انشقّت الرمال من خلفهما كأن الأرض تبتلع نفسها ركضا بكل ما يملكان، حتى خرجا بسلام من المنطقة.
جلسا يلتقطان أنفاسهما.
قال معاذ مبتسمًا رغم الخوف: «البداية فقط… الوادي لم يظهر بعد.»
مع غروب الشمس، ظهرت تلال سوداء تلمع بلمعان غريب وعندما اقتربا، اكتشفا أنها ليست تلالًا، بل قبورًا حجرية ضخمة، منقوشة برموز قديمة.
كانت الريح تمر بينها وتصدر أصواتًا تشبه الهمس.
«المقبرة الهامسة…» قال معاذ وهو يبتلع ريقه، شعرت سلمى بقشعريرة.
لكن البوصلة بدأت تهتز في يدها، وكأنها تضرب قلبها بقوة.
قادتها إلى صخرة كبيرة عليها نفس الرمز المنقوش على ظهر البوصلة وضعت يدها على الرمز.
فاهتزت الأرض تحت قدميها تراجَع معاذ مذعورًا، لكنها شعرت بقوة غريبة تُبقيها ثابتة.
انقسمت الصخرة ببطء، كأنها باب يفتح لأول مرة منذ قرون ظهر ممر ضيق غارق في الظلام.
خرج من فتحته هواء بارد… بارد كأن زمنًا قديمًا يتنفس داخله.
قال معاذ: «سلمى… هذا جنون. لا نعلم ما بالداخل.»
رفعت البوصلة وكانت تلمع بضياء خافت:
«أعلم… لكن الحقيقة هناك.»
دخلت.
صرخ معاذ: «انتظريني!
ولحق بها.
وبمجرد أن دخلا… أُغلِق الباب الحجري خلفهما بصوت عميق يشبه إغلاق عالم كامل.
وانطفأ ضوء الشمس.
وبدأت الرحلة التي لم تتوقع سلمى يومًا أنها ستكون بوابتها إلى قدرٍ لم يخبرها به أحد.
كان الممر ضيقًا في بدايته، والجداران قريبان لدرجة جعلت كتفي سلمى تحتكان بالصخور الباردة.
لم تكن قد شعرت ببرودة كهذه منذ سنوات.
كانت الصحراء دائمًا نارًا مفتوحة، لكنها هنا… كانت تشبه مغارة نائمة منذ آلاف السنين.
أشعل معاذ شعلة صغيرة كان يحتفظ بها في حقيبته انطلق ضوءها الخافت على الجدران، فكشفا النقوش لأول مرة: رسومات لأشخاص يقفون في مواجهة الريح، ورموز تشبه الدوائر المتداخلة، وعين كبيرة في الأعلى، محفورة بدقة مرعبة.
قال معاذ بصوت منخفض: «أخي ذكر هذه الرسومات… قال إنها تحكي قصة قومٍ حرسوا الريح نفسها.»
ابتلعت سلمى ريقها.
«تحرس الريح؟»
«نعم تقول الأسطورة إن الريح ليست مجرد هواء… بل كائن حيّ لا يظهر إلا لمن يحمل “إذن الدخول”.»
رفعت سلمى البوصلة وقالت: «وهذه إذنُ الدخول؟»
هزّ معاذ رأسه: «أظن أنها أكثر من ذلك…»
تابعا السير.
بعد حوالي عشرين خطوة، اتسع الممر فجأة، وكأنهما دخلا قاعة كبيرة.
كان السقف مرتفعًا، لكن الأغرب كان الضوء: لم يكن هناك أي شعلة أو نافذة، ومع ذلك كانت القاعة مضاءة بضوء أزرق هادئ، ينبعث من خطوط رفيعة داخل الصخور.
وقفت سلمى مذهولة: «هذا المكان… ليس طبيعيًا.»
اقتربا أكثر، وظهرت في نهاية القاعة منصة دائرية وفي وسطها… جهاز غريب، يشبه البوصلة لكن أكبر، محاط بأحجار سوداء تلمع فجأة .
بدأت بوصلة سلمى تهتز بين يديها بقوة، حتى كادت تسقط.
صرخ معاذ: «أعتقد أنها تتفاعل مع الجهاز!» وضعت سلمى البوصلة على المنصة.
وهنا… حدث شيء لم يتوقعاه.
انشقّ الضوء الأزرق في القاعة إلى خطوط عمودية، وتجمّعت أمامهما لتشكل هيئة بشرية ضبابية.
لم يكن جسدًا كاملًا… بل ظلّ يتكون من الريح نفسها.
قال الصوت، وكان يشبه همس عاصفة: "أخيرًا… وصلت." رجفت سلمى: «مَن أنت؟»
«أنا روح الريح الحارسة… حارس هذا الوادي منذ آلاف الأعوام.»
تقدم معاذ خطوة: «هل رأيت أخي سالم؟ دخل هذا المكان قبلكم بسنة.»ساد صمت…
ثم قال الصوت: «نعم… دخل الوادي. وحمل بوصلة مثل بوصلة الفتاة. لكنه… لم يجتز الامتحان.»
صرخت سلمى: «أي امتحان؟!»
«امتحان القلب لا يُسمح لأحد بالاقتراب من قوة الريح إن كان قلبه مُثقلًا بالخوف أو الكراهية… لقد فشل، فحبسته الريح في مكانٍ بين العالمين.»
شهقت سلمى: «هل مات؟»
«لا… لكنه ليس حيًا كما تعرفان.»
صرخ معاذ: «أريد استعادته!»
«لن تستطيعا… إلا إذا نجحت الفتاة في الامتحان القادم.»
نظرت سلمى لنفسها.
«أنا؟ لماذا أنا؟»
«لأن الريح اختارتكِ… ولأن إرث جدكِ لم يكن صدفة. ولأن قلبكِ يحمل جرحًا لم يلتئم بعد… وهذا ما سيُختبر.»
ارتجفت سلمى: «ماذا تريد الريح مني؟»
«أن تدخلي المكان الذي لا يدخل إليه إلا المختارون… غرفة العاصفة.» تبادلت سلمى ومعاذ نظرة خوف.
«وإن فشلتِ؟»
«ستُحبسين بين العالمين… مثل سالم.»
«وإن نجحت؟»
«ستنفتح بوابة الريح… وسيعود سالم، وستكشف الحقيقة التي بحث عنها جدّكِ طوال حياته.»
ارتفع الهواء حولها.
بدأت الأرض تهتز.
وانفتحت بوابة مظلمة خلف المنصة.
نظر معاذ إليها بقلق: «سلمى… لا تذهبي وحدك.»
لكن سلمى، رغم رعشة الخوف، تقدمت خطوة وقالت بصوت ثابت:
«إن كان الطريق إلى الحقيقة يمرّ بعاصفة… فسأدخلها.»
ثم عبرت البوابة.
وبدأ الامتحان
دخلت سلمى البوابة، فابتلعها الظلام في البداية، ثم بدأ الضوء الأزرق الخافت ينبعث من حولها كأنما السماء نفسها قد نزلت إلى الأرض. الهواء أصبح صاخبًا، لكنه لم يكن صوت الريح العادي… كان أشبه بصوت ملايين الهمسات تتقاطع في وقت واحد، وكلها تحمل أسئلة، وتحديات، وتذكارات بالألم والخوف.
خطت سلمى بحذر، وكل خطوة تشعر بأنها تحفر في قلبها. فجأة، ظهرت أمامها ثلاث بوابات صغيرة، كل واحدة محفورة برمز مختلف.
صوت الريح الحارسة جاء من كل مكان:
«اخترتِ طريقكِ… لكن أي طريق تختارين؟»
نظرت سلمى إلى الرموز: أحدها كان مثل عين مفتوحة، الآخر دائرة مليئة بالدوائر الصغيرة، والثالث مثل سهم يقطع موجة.
تذكرت كلمات جدها: "القوة الحقيقية تأتي من مواجهة قلبك لا من تجنب الطريق الصعب."
تنهدت، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم وضعت يدها على بوابة العين المفتوحة. انفتح الطريق بصوت خافت، واندفع الضوء نحوها، لكن الريح حولها تحركت بعنف، كأنها تختبرها.
سارعت الخطى، وعند أول منعطف، واجهتها ظلال متحركة، أشبه بالأشباح، تهمس:
«لن تنجحي… قلبك ضعيف… الخوف سيهزمك…»
تذكرت كلمات روح الريح الحارسة: "الامتحان ليس للجسد… بل للقلب."
أغلقت عينيها، وشعرت بخوفها بالحزن والحنين والذكريات القديمة، ثم تنفست ببطء، وسمحت لقلقها بالخروج بدلًا من مقاومته.
فجأة، اختفت الظلال، وعادت سلمى لتفتح عينيها لتجد الممر مضاءً أكثر، وكان الطريق واضحًا أمامها.
وفي وسط الممر، ظهرت لوحة كبيرة، محفورة فيها صورة جدها، وعليه رموز متداخلة، وكلمات بلغة قديمة:
"من يحافظ على نقاء القلب، يجد الريح صديقًا."
سمعت سلمى همسة الريح مجددًا:
«اقتربي… لتتعلمي ما يعنيه القلب النقي.»
مدت يدها، ولمست اللوحة، فشعرت بطاقة دافقة تدخل في قلبها، كأنها حرارة الشمس في يوم بارد، لكن أعمق وأكثر قوة.
وفجأة، أمام عينيها، بدأت تظهر رؤى: صور من الماضي، من حياة جدها، ومعاناة من حاولوا الاقتراب من الوادي من قبل. رأت سالم، أخو معاذ، وهو يحاول عبور العاصفة لكنه ينهار أمام مخاوفه، أمام شكوكه أمام الغضب والغيرة التي ملأت قلبه.
رفعت سلمى يدها، وقالت بصوت ثابت:
«لن أخاف… لن أستسلم… سأواجه كل شيء.»
انفجرت الريح حولها، لكنها لم تدفعها للخلف، بل حملتها إلى غرفة أكبر، وفي مركزها… دوامة من الهواء المضيء، تعكس كل ما في قلبها من ألم وفقد وحب وجرأة.
وفجأة، ظهر سالم، محاصرًا داخل الدوامة، وجهه شاحب وعيناه مليئتان باليأس.
صرخت سلمى: «سالم! أنا هنا! سنخرجك!»
لكن الريح توقفت، وساد صمت شديد، ثم ظهر صوت الحارسة:
«حتى تنقذي من تحبين، عليكِ مواجهة الظل الذي في داخلك.»
سلمى شعرت بشيء يسحبها إلى الداخل، وكأن كل خوفها وغضبها وألمها من الماضي يتجسد أمامها، شكل غامض يتحدث بصوتها:
«أنتِ لا تستحقين القوة… أنتِ ضعيفة…»
تذكرت كل ما فقدته، كل ما آلمها… ثم قالت بصوت أعلى، أقوى:
«أنا لست ضعيفة… أنا لست وحدي… أنا هنا لأحمي من أحب!»
في تلك اللحظة، انفجرت الدوامة بضوء أزرق ساطع، وتحطم الظل، وسقط سالم في أحضانها، حقيقيًا، حيًا، وهو يلهث من شدة ما مر به.
همست الريح الحارسة:
«لقد نجحت… قلبك النقي انتصر… الآن، يمكنكما العودة، وستستمر الرحلة، لكن القوة والاختيار أصبحا بين يديكما.»
تنفست سلمى الصعداء، وأمسكت يد سالم، ثم مع معاذ، بدأوا العودة عبر الممر، والبوابة خلفهم تُغلق ببطء، تاركة خلفها ضوءًا خافتًا، كأن الوادي نفسه يبتسم لأول مرة منذ قرون.
خرجت سلمى ومعاذ وسالم من الممر الضيق، وأشعة الشمس الأخيرة تتسلل بين الرمال، تعكس نورها على التلال الذهبية، وكأن الصحراء نفسها تحتفل بعودتهم.
كان سالم يبدو ضعيفًا، لكنه حيّ، وعيناه تحملان دهشة وفرحة لم يظنهما أحد ممكنتين. التفت نحو سلمى وقال بصوت مبحوح:
«لم أصدق أن أحدًا سيستطيع… شكرًا لكِ.»
ابتسمت سلمى، وهي تمسح الغبار عن وجهه، ثم قالت:
«القوة لم تأتِ مني وحدي… الريح اختارتنا جميعًا… ومنحنا فرصة جديدة.»
معاذ نظر إليهما، وقال بمرح: «أعتقد أن علينا أن نعيد بعض القصص إلى القرية… فالأساطير لم تعد مجرد حكايات.»
في تلك اللحظة، شعرت سلمى بوخزة في يدها، البوصلة القديمة كانت دافئة وتضيء بضوء خافت. نظرت إليها، وابتسمت:
«إنه إرث جدّي… ليس فقط أداة، بل مفتاح لفهم العالم… ولحماية من نحب.»
تقدمت نحو الأفق، حيث الرمال تتوهج تحت ضوء الغروب، والريح تتلاعب بخصلات شعرها، وكأنها تقول وداعًا مؤقتًا قبل أن تعود. شعرت سلمى بالسلام لأول مرة منذ وفاة جدها، وفهمت أن الحياة ليست مجرد رحلات أو اختبارات، بل القدرة على مواجهة الخوف، ومواصلة السير مع من نحب، مهما كانت العواصف.
نظر الثلاثة إلى وادي الريح الحارسة في الأفق، يعرفون أن السر ما زال مخفيًا، لكنهم أدركوا شيئًا أعظم: القوة الحقيقية ليست في الوادي، بل في القلب الشجاع الذي يجرؤ على الدخول، ويختار الحب بدل الخوف، والشجاعة بدل الاستسلام.
سلمى رفعت رأسها، والريح همست حولها، كأنها تصفق لهم برفق:
«الرحلة انتهت… لكن الأسطورة تستمر… وكل من يملك قلبًا نقيًا سيجد طريقه يوما…»
جلسوا على أحد التلال، ينظرون إلى الشمس وهي تغرب وراء الكثبان، والجو يملؤه هدوء لم يعرفوه منذ زمن، وابتسامة رضا تعلو وجوههم، فقد انتهت مغامرتهم، لكن إرث الريح الحارسة أصبح معهم، محفورًا في قلوبهم، لا يُمحى.
وهكذا، عادت سلمى ومعاذ وسالم إلى حياتهم، لكنهم لم يعودوا كما كانوا؛ فقد حملوا معهم سرًّا، قوةً، ودرسًا عن الحب والشجاعة والإرث… درسًا سيستمر في قلوب من يجرؤ على مواجهة الريح.
|