|
القاهرة 17 ديسمبر 2025 الساعة 01:50 م

ريم عباس / السودان
على مدى العقود الأخيرة، رسّخت الدولة المصرية حضورها الثقافي بوصفه أحد ركائز قوتها الناعمة، فتبنّت مشروعات كبرى لحماية التراث الأدبي والفني، وتحويل بيوت الرموز ومساحات الإبداع إلى متاحف حيّة تحفظ الذاكرة وتعيد تقديمها للأجيال، ولم يعد الاهتمام بالثقافة في مصر مجرّد فعاليات موسمية، بل أصبح رؤية شاملة تتبين في تطوير المتاحف، وترميم الأبنية التاريخية، وإنشاء مراكز تُعنى بالفنون والآداب، لتتحول مصر إلى خريطة نابضة بصروح توثّق مسيرة الشخصيات الأدبية العريقة.
وفي قلب هذه النهضة المتحفية تتلألأ مجموعة واسعة من المتاحف التي أصبحت مقاصد للباحثين والزائرين من مختلف أنحاء العالم، تحت شعار:
" فرحانين بالمتحف الكبير… ولسه متاحف مصر كتير"
ومن أبرزها:
• متحف نجيب محفوظ – الغورية
• متحف طه حسين – الهرم
• متحف أحمد شوقي – الجيزة
• متحف محمود مختار – الزمالك
• متحف محمد محمود خليل وحرمه – الدقي
• متحف محمد عبد الوهاب – معهد الموسيقى العربية برمسيس
• متحف الخزف الإسلامي – الزمالك
• متحف دار الأوبرا المصرية – الزمالك
• متحف أم كلثوم – المنيل
وفي هذا المقال، سأخصّص صفحاته للغوص في متحف من أهم هذه المتاحف، تلك التي تُعد ركائز راسخة في الذاكرة الثقافية المصرية وهو متحف نجيب محفوظ.
نبذة تاريخية عن متحف نجيب محفوظ
جاءت فكرة إنشاء متحف نجيب محفوظ تكريماً للأديب المصري العالمي، الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام (1988م)، بوصفه أحد أبرز من عبّروا عن تحولات المجتمع المصري في القرن العشرين.
وقد صدر قرار وزاري عام (2006م) بتخصيص مبنى تكية محمد بك أبو الدهب، أحد المعالم الأثرية العائدة إلى أواخر القرن الثامن عشر، ليكون مقراً لمتحف ومركز ثقافي يحمل اسمه، نظراً لقربه من حيّ الجمالية الذي نشأ فيه محفوظ واستلهم منه معظم أعماله الروائية.
شهد المشروع مراحل طويلة من الإعداد والتجهيز، شملت ترميم المبنى الأثري وتجهيزه وفق المعايير المتحفية الحديثة، إلى أن افتتحته وزارة الثقافة المصرية رسمياً عام (2019م) ومنذ افتتاحه، لم يُصمَّم المتحف كمكان لعرض المقتنيات فقط، بل كمركز ثقافي حيّ يُعنى بإحياء تراث نجيب محفوظ الأدبي والفكري، ويُعيد تقديمه للأجيال الجديدة عبر الندوات والفعاليات والأنشطة البحثية، ليصبح المتحف علامة فارقة في المشهد الثقافي المصري والعربي.
متحف نجيب محفوظ (الغورية)
في قلب القاهرة الفاطمية، وعلى بُعد خطوات من الجامع الأزهر ومسجد الحسين، ووكالة الغورية يقف متحف نجيب محفوظ داخل مبنى تكية محمد بك أبو الدهب، أحد أهم المباني الأثرية التي تعود إلى القرن الثامن عشر.
ومنذ افتتاحه عام (2019م) تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية، أصبح هذا المتحف مركزاً يخلّد إرث أديب نوبل ويحفظ ملامح عالمه الإبداعي.
اختيرت منطقة المتحف بعناية لقربها مسقط رأس محفوظ، ولوجودها في قلب القاهرة التاريخية التي شكّلت الخلفية الأساسية لمعظم رواياته.
هنا تتجدد أجواء "زقاق المدق" و"الحرافيش" و"قصر الشوق" وغيرها من الروايات، وكأن الزائر ينتقل إلى المشهد الروائي ذاته.
يتألف المتحف من طابقين يضمان مواداً توثيقية نادرة ومقتنيات شخصية تُقدم صورة شاملة عن مسيرة الكاتب، تحتوي الطوابق على قاعة للمقتنيات الشخصية، مثل نظارته وساعته وأدوات الحلاقة والغليون وعلبة السجائر وعصاه وقبعته، إضافة إلى بدلته الشهيرة ومسودات أعماله بخط يده وصوره مع رموز الفكر والفن. وتأتي قاعة الحارة لتعيد للأذهان تفاصيل نشأته الأولى، بينما تُعرض في قاعة نوبل شهادته الأصلية داخل حافظة جلدية راقية، كما يضم المتحف قاعات للسينما تُعرض فيها مشاهد من الأفلام المأخوذة عن رواياته، وقاعات للأوسمة والشهادات، ووثائق ومحاضر توثّق محاولة اغتياله وما تركته من أثر على قدرته على الكتابة.
ويضم المتحف أيضاً مكتبة عامة ومكتبة نقدية لأهم الدراسات عن أعماله، ومكتبة سمعية بصرية تتيح مشاهدة الأعمال المقتبسة عن رواياته بصيغ رقمية، كما يحتوي على قاعات للندوات والفعاليات الثقافية، وركن خاص بإهداءات عدد من الحاصلين على جائزة نوبل للأدب من مختلف دول العالم تكريماً لمسيرته العالمية. ويكتمل المشهد الثقافي بوجود مقهى الحرافيش الذي يستعيد أجواء جلساته مع أدباء جيله، ليبقى المتحف مساحة نابضة تُعيد تقديم محفوظ للزائر والقارئ كأحد أهم الأصوات التي شكّلت الوعي العربي الحديث.
لا يقتصر المتحف على عرض سيرة أديب نوبل، بل يقدم رؤية متكاملة لثقافة مصر الحديثة وللتحولات الاجتماعية والفكرية التي عايشها محفوظ ووثّقها في أعماله.
خاتمة
تؤكد مبادرة "فرحانين بالمتحف الكبير… ولسه متاحف مصر كتير" أن الهوية المصرية ليست بناءً من حجارة فقط، بل نسيجاً من الإبداع والأدب والموسيقى والفنون التشكيلية.
إن زيارة هذه المتاحف نزهة ثقافية غنية و فعل وعي يعيد ربط الإنسان بإرثه، وبمنجزات عباقرة حملوا مشاعل التنوير في كل العصور.
من أهرامات الفراعنة إلى تمثال نهضة مصر، ومن روايات نجيب محفوظ إلى شعر شوقي ألحان عبد الوهاب وصوت أم كلثوم، تواصل مصر تقديم نفسها للعالم بوصفها حضارة لا تزال تُكتب، ولا تزال تُبهر.










|