|
القاهرة 17 ديسمبر 2025 الساعة 01:45 م

ياسمين مجدي عبده
أكتب إليكم، أعزائي القرّاء، هذا المقال وأنا أشعر بقدرٍ كبير من الاعتزاز والفخر، ورأسي مرفوع بما آل إليه حال الإعلام المصري في السنوات الأخيرة. فقد بات هذا الإعلام أكثر احترامًا لعقل المشاهد المصري، وأكثر وعيًا بدوره الثقافي والتنويري، بعد أن تخلّى – إلى حدٍّ بعيد – عن الاستخفاف بالمتلقي، واتجه إلى تقديم محتوى يراهن على الوعي والمعرفة. ويتجلى هذا التحول بوضوح في عدد من البرامج الرصينة، وعلى رأسها برنامج"العباقرة" بجميع مواسمه دون استثناء، وصولًا إلى "العباقرة عائلات" الذي غدا إحدى العلامات المضيئة في خريطة البرامج الرمضانية.
يقدّم هذا البرنامج جرعة ثرية من العلم والثقافة في إطار تنافسي راقٍ، سواء بين الجامعات أو المدارس أو حتى بين الأسر المصرية الأصيلة القادمة من مختلف محافظات مصر المحروسة. ومن خلال هذا النموذج، يتعلّم أبناؤنا من الجيل الجديد قيم التنافس الشريف، والعمل الجماعي، وروح الفريق الواحد، فضلًا عن تقبّل الخسارة بروح رياضية واعية، بوصفها محطة للتعلّم لا نهاية للطريق. فالمعرفة، كما أثبتت التجربة الإنسانية، تُكتسب بالمحاولة والخطأ، وهي القاعدة التي تقوم عليها مسيرة الإنسان في الحياة. والعلم، في جوهره، هو السلاح غير المادي الذي يمنح الإنسان البصيرة، ويبدّد ظلمات الجهل؛ فالعلم نور، وبدونه يفقد الإنسان قدرته على الرؤية والفهم.
وحين نصغي إلى طموحات الشباب المشاركين في البرنامج، ونستمع إلى رؤيتهم للمستقبل، يطمئن القلب على مصرنا الجميلة، إذ يبدو واضحًا أننا أمام جيل واعٍ لا يحلم إلا برفع اسم وطنه وتعزيز مكانته بين الأمم. جيل يدرك أن المستقبل لا يُصنع إلا بالعلم والعمل والانتماء الصادق.
أما البرنامج الآخر الذي يستحق التوقف عنده، فهو برنامج "دولة التلاوة" في موسمه الأول، برعاية وزارة الأوقاف. وهو برنامج مسابقات قائم على التنافس الشريف في تلاوة آيات الذكر الحكيم، حيث تتعالى أصوات ندية تخاطب الروح قبل العقل، وتستحوذ على وجدان المستمع بكامل جوارحه. ولا يقتصر دور البرنامج على إبراز جماليات التلاوة فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى ترسيخ قيمة حفظ القرآن الكريم وتشجيع الأطفال على الارتباط به، بوصفه الحصن الآمن لكل مسلم. فالقرآن، كما علّمنا علماؤنا، مصدر للسكينة والطمأنينة، ومن يبدأ يومه بآياته يشعر بانشراح الصدر وزوال القلق، ويمضي يومه بسلاسة ويسر يفوق التوقع.
كما يقدّم البرنامج، عبر شروح وتفسيرات مبسّطة، دروسًا مستفادة وعِبرًا حياتية تصلح أن تكون منهاجًا لنا ولأبنائنا في المستقبل، في تجسيد عملي للحديث الشريف: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
وخلاصة القول، أرى بوضوح أن الإعلام المصري يسير اليوم في الاتجاه الصحيح، سواء من خلال البرامج الهادفة التي تعيد الاعتبار لقيمة المعرفة، أو عبر التوجّه إلى إنتاج أعمال درامية راقية تخلو من العنف والإسفاف، وتحترم القيم الأخلاقية والدينية للمجتمع. وهو توجّه يعكس وعيًا حقيقيًا بحجم المسؤولية، وإدراكًا عميقًا لتأثير الإعلام في تشكيل الوعي الجمعي، وسعيًا جادًا نحو بناء إنسان مصري مستنير قادر على النهوض بوطنه، ورفع شأنه، ووضعه في المكانة التي يستحقها بين دول العالم.
|