|
القاهرة 17 ديسمبر 2025 الساعة 01:41 م

معتصم أحمد السيد إبراهيم
نزل من الحافلة، وعلى وجهه ظهرت ابتسامة نشوة وفرح بعودته إلى موطنه، وخاصة قريته، بعد رحلة سفر حول العالم امتدت لعشرة أعوام، باحثًا فيها عن فرص عمل حقيقية. نظر يمينه ويساره، يلاحظ البيوت القديمة وشوارعها الترابية، يستنشق نفس العبق الذي عرفه منذ عشرة أعوام. لم يتغير شيء باستثناء شيء واحد فقط، لقد لاحظ كم أصبح الناس مُنكبِّين على هذا المربع المعدني الذي يسمى الهاتف في كل أحوالهم. وعلى سبيل المثال، على يمينه كانت هناك أسرة كاملة على المصطبة، كل يدٍ فيهم تحمل شاشة هاتف، حتى الصغار الذين لم يتجاوز عمرهم الخامسة عشرة، ممسكين بالهواتف في نشوة وهيمنة، وكأنهم يؤدون طقوس عبادة. وعلى يساره، عجوزان يتبادلان الصمت وهما يحدقان في هاتفيهما. أما المقهى البلدي في آخر الشارع، فصار كساحة مقابر مضاءة بمربعات زرقاء، الكل يجلس أمام هاتفه متحفِّزين لشيء لا يعلمه.
تابع مسيره بين الشوارع الترابية، قاصدًا الذهاب إلى منزل أمه كي يرتاح قليلًا، وخلال سيره لاحظ نفس الظاهرة مع كل من يمشون من حوله؛ إنهم يمسكون هواتفهم ويسيرون بها غير منتبهين للطريق، وغير منتبهين له أيضًا. وهو الذي كان يعرف قديمًا أن القرية لا تهدأ حتى تعرف الغريب: من هو؟ ولمن جاء؟ وكم سيمكث؟
سمع نداء صلاة العصر، فتوجه إلى المسجد القريب قبل العكوف على بيته. ولما دخل المسجد تذكر الأيام الماضية حين كان ممتلئًا بالمصلين، وكان منظره يملأ الصدر فرحًا، من تصارع الناس للصلاة وعكوفهم على الخير، ولكن ما لاحظه الآن من الناس أثناء انتظار الصلاة هو إمساكهم للهواتف؛ لتصفح المواقع حتى يحين موعد الإقامة. نظر لهم في دهشة، ثم قال في نفسه: "أليس هذا وقت ذكر الله أفضل؟"
بعدها أقام أحد رجال المسجد الصلاة، ليدخل شاب بملابس الشيخ، هاتفه مرفوع على وضعية السيلفي. وضعه على رف مرتفع، ثم كبّر للصلاة، بينما الضوء الأحمر يبث مباشرة للعالم، وهو يقول بصوت مسموع لكل من بالمسجد وبالبث المباشر أيضًا: "اليوم أخذت إجازة القراءة، وأنا فَرِحٌ جدًا بهذا الذي وصلت إليه، لذا سأقوم بصلاة العصر اليوم على مرأى ومسمع من الجميع."
رفع يديه بخشوع مصطنع، والعدسات تتابعه أكثر من المصلين. اندهش بطلنا كثيرًا، لا من الرياء، ولا من الكلام، ولا من عمر الشاب، ولكن اندهاشه الكلّي كان في صلاة العصر؛ إنها حتى ليست صلاة جهرية! ما الفائدة من التصوير والإعلان عن شيء من المفترض أنه لله؟
انتهت الصلاة وخرج من المسجد وعلامات الغضب بادية على وجهه، مُقدِمًا على الذهاب إلى المنزل في أقصى سرعة حتى لا يغضب أكثر من هذا.
وبعدما وصل إلى منزله وقابل أمه، وانتهت وسائل الترحيب والسلامات والمأكولات الشهية، سأل أمه عن وضع البلدة الغريب والهواتف، لتقول له: "لا تقلق، إنهم هكذا دومًا، وغدًا هو عطلتهم من الهاتف، فلقد حدد عمدة القرية يومًا واحدًا فقط كعطلة عن استخدام الهاتف."
وبعدما استراح، همّ بالذهاب إلى صديقه ووالده، الذي علم مؤخرًا أنه في مشفى القرية، ولكن قبل خروجه من البيت لاحظ أمه وهي جالسة تشاهد فيديو لها وهي تقوم بصنع غداء اليوم في المطبخ، فسألها باستغراب عن هذا، فقالت: "إننا نفعل هذا دائمًا، نوثّق الحدث ثم نُريه لبعضنا البعض أنا وأصدقائي من البيوت المجاورة."
لم يُبدِ لها أي تعبير، فقط خرج من البيت وملامح الخيبة بادية على وجهه.
حينما وصل إلى صديقه في المشفى، وبعد الترحيب والسؤال عن والد صديقه، الذي كان يبدو راقدًا مُغمض العينين. وأثناء حديثهم عن الداخل والخارج وكل أمور الحياة، أصدر العجوز أنينًا، فهرع إليه ابنه… لكنه بدل أن يطمئن عليه، رفع هاتفه للبث المباشر وهو يقول: "حمدًا لله وشكرًا على دعائكم، لقد استفاق والدي، أرجو منكم الدعاء له".
ثم أغلق الهاتف وعاد ليجلس أمام بطلنا، وكأن شيئًا لم يحدث. نظر له بطلنا باستنكار وقال: "ما هذا الذي تفعله؟ تصور أباك ومرضه على وسائل التواصل؟ وتشحذ الدعاء؟" لم يهتم صديقه بالجملة الأخيرة، وكأنه لم يسمعها، ثم قال بحماس: "لقد تذكرت! نسيت أن أرفق صورته على الواتس اليوم."
ثم قام من أمامه سريعًا يخرج هاتفه ويلتقط الصور للرجل الكبير النائم. ولما لم يجد بطلنا فائدة من هذا الجدال، أنهى الجلسة سريعًا وعاد إلى منزله.
وفي طريقه إلى البيت، لاحظ جمعية خيرية تقوم بتوزيع وجبات مجانية على فقراء القرية، وكُتب على غلاف الوجبة: "من جمعية..... إلى فقراء قرية....." وليس هذا فقط، بل بشرط أن يقول الفقير أمام الكاميرا: "شكرًا للمتابعين". ومن رفض، عاد جائعًا؛ لا يعطونه شيئًا وينهرونه على فظاظته: كيف يريد أن يأكل بدون أن يكون موضع تصوير؟!
عاد إلى بيته مرة أخرى، وهو يحمل إرادةً راسخة على عدم الخروج إلا غدًا في يوم عطلتهم من الهاتف؛ حتى لا يرى مساوئهم أكثر من ذلك.
وعلى قرب منتصف الليل من اليوم التالي خرج ليتمشى قليلًا، مثلما كان يفعل في الماضي، وهذه المرة انشرح صدره حينما وجد الشوارع خالية. فمهما وصل الحال من مساوئ، تذكر هذه العادة الصحية والجيدة التي يفعلها أبناء قريته، وهي النوم المبكر؛ للاستيقاظ لصلاة الفجر. ولكن سرعان ما تلاشت فرحته حين لمح معظم أهل القرية مجتمعين عند النهر، واقفين ينظرون في المجهول. وحين اقترب سمع صوت تخبّط في الماء مع صراخ يُكتم ويعلو تارة بعد تارة، ولما دقق النظر، فإذا بطفل في النهر يصرخ طالبًا النجدة. نظر إلى الطفل وإلى قومه، ثم قال لهم: "إنه يغرق! إلى متى ستنتظرون هكذا دون فعل شيء؟"
ليرد عليه أحدهم: "باقي ثلاث دقائق على منتصف الليل، لا تقلق."
لينظر له بطلنا بعدم فهم وهو يقول: "وماذا سيحدث؟"
ليأتيه صوت من رجل آخر وهو يقول: "ابتعد من أمامنا، أنت تُفسد الكادر."
نظر له باستنكار وقلة فهم وهو يقول: "كادر؟ عن أي شيء تتحدثون يا قوم؟"
وحينما أعلنت الساعة عن تمام الثانية عشرة، أخرج الجميع هواتفهم وهم يصورون الحدث، ويتصارع كل واحد منهم للقفز في النهر وإنقاذه بيد، وباليد الأخرى يُمسك بهاتفه، لا يتركه وكأنه أوكسجينه الذي لو تركه من يده سيموت.
وكما توقع، كانت ثلاث دقائق كافية ليغرق الطفل، وسط قوم لا يرون العمل الخيري إلا توثيقًا. لم يقف الأمر على هذا فقط، بل إنهم صوروا جثته وهم يتصنعون البكاء وينعون لمتابعيهم.
شعر بأن قدمه لم تعد قادرة على حمله، فسقط على الأرض وهو يُمسك رأسه بكلتا يديه وهو ينظر لهم ويصرخ فيهم. انتبهوا له، ولكن لم يردّ عليه أحد، رفعوا هواتفهم نحوه وهم يهرعون إليه، مع عيون لا ترمش وكاميرات لا ترحم.
وفي النهاية انعكست وجوههم على مئات الشاشات من حوله، ليراهم لأول مرة على حقيقتهم، وتتضح الرؤية له: إنهم عراة لا يرتدون حتى ملابس تستر أجسادهم، كل ما كانوا يرتدونه هو هواتفهم التي استعبدتهم.
شعر أن جسده يذوب داخل الضوء الأزرق، لم يبقَ منه شيء… سوى صورة.
|