|
القاهرة 16 ديسمبر 2025 الساعة 12:12 م

كتب: عبده الزرَّاع
ثماني سنواتٍ مرَّت على رَحيلِ الصديقِ الشاعر مَجْدِي عَبْدِ الرَّحِيم، الذي اختطفهُ الموتُ بَغتةً، ليرحلَ عن دنيانا في هدوءٍ — كما عاشَ في هدوء — صباحَ يومِ الثلاثاء الموافق 26 يوليو 2017، عن عمرٍ يناهزُ سبعةً وخمسين عامًا، في مستشفى الصدر بالعُمَرانية.
بدأ مرضُهُ بسُعالٍ عاديٍّ، ثمّ بصعوبةٍ في التنفّس، واكتُشِفَ بعد فترةٍ أنّه التهابٌ في جهازِ التنفّس. انقطع أثناءها عن الطعامِ، وعاشَ على المَحلول، وتفاقمَ المرضُ عليه، فكانَ ذلك التشخيصُ الخاطئُ سببًا في وفاته، وهو في عزِّ عطائهِ الإبداعيّ، المتنوِّعِ بين شِعرِ العامية، وشِعرِ الأطفال، والكتابةِ الساخرة.
وحين علمتُ بمرضِه ودخوله المستشفى، أخبرني أن الدكتور هَيْثَم الحاج علي – رئيس مجلس إدارة هيئة الكتاب – كان قد زاره منذ أيامٍ قليلةٍ، ووعدهُ بأن يطبعَ له ديوان الأطفال بسرعة. كان مجدي – رغمَ وَهنِ صوته – سعيدًا بتلك الزيارة، آملاً أن يرى ديوانه الذي سلّمه لي قبل مرضه بمدةٍ طويلةٍ ليصدر في سلسلة "سَنَابل" التي أديرُ تحريرَها بالهيئة.
وأضافَ أنّه اتصلَ بالفنان مُحْسِن عبد الحفيظ، وأخبره أنه أنجزَ الرسومَ الخاصة بالديوان، وأنه يتمنّى أن يرى الكتابَ قريبًا ليخفّفَ عنه آلامَ المرض، مؤكدًا أن صدوره سيكونُ خطوةً إيجابيةً في طريقِ شفائه.
وفورَ انتهائي من المكالمة التي وعدتُه خلالها بأن أبذلَ قصارى جهدي لإصدار الديوان، اتصلتُ بالفنان محسن عبد الحفيظ لأطمئنَّ على الرسوم، فأبلغني أنه أوشكَ على الانتهاء منها. سعدتُ بهذا الخبر، غير أنّ القدرَ كان أسرعَ منا إليه، فلم يمنحنا فرصةً لنحقّقَ له أُمنيتهُ في إصدارِ الديوان الذي صدر بعد رحيله بعامٍ تقريبًا.
بداياتُ التعرّفِ إليه
تعرّفتُ إلى مَجْدِي عَبْدِ الرَّحِيم إبداعيًّا في أواخرِ التسعينيات، من خلال ما كان ينشرهُ من قصائدَ عاميةٍ في الصحفِ والمجلاتِ الأدبية، والتقيتُ به أولَ مرةٍ في أوائل الألفية، في اتحاد الكتّاب أثناء وجودي عضوًا بمجلسِ الإدارة، ورئيسًا للجنة الإعلام، ورئيسًا لتحرير نشرةِ الاتحاد.
قدّمهُ لي صديقي الكاتب المسرحي محمد عبد الحافظ ناصف، ليعمل معنا محررًا في النشرة. وكان مجدي وقتها ينشر موضوعاتٍ صحفيةً في جريدتي "القاهرة" والمساء". رحّبنا به، خاصةً وأنني كنتُ من كتّاب "القاهرة" شبه الدائمين في ذلك الوقت، وكنتُ أطلع على موضوعاته الصحفية فيها.
كان – رحمه الله – مكسبًا حقيقيًا للنشرة؛ إذ كان يحضرُ الاجتماعاتِ بانتظامٍ، وينجزُ ما يُكلَّفُ به من موضوعاتٍ بإتقانٍ. نجحنا في العملِ معًا في هذه التجربة، وظلّ يعمل معي حتى تركتُها، لكنني اكتسبتُه صديقًا وفيًّا ونبيلًا.
كان بشوشَ الوجه، طيّبَ القلب، متديّنًا يعرفُ قدرَ الصداقة الحقيقية. تجدهُ بجانبك في كلّ المِحَن، يلبي الدعوةَ عن طيبِ خاطرٍ، يشاركُك أفراحَك وأحزانَك، يتصلُ بك من حينٍ إلى آخر ليطمئنَّ عليك، ويصوّرُ لك قصائدَك وقصصَك المنشورةَ في الصحفِ والمجلات، ويرسلها لك على الخاص عبر "فيس بوك".
تشعرُ بدفءِ مشاعره وحنينِه لأصدقائه، ولم يختلفْ أحدٌ على إنسانيتهِ العالية.
مَجْدِي وَأَدَبُ الطِّفْلِ
في تلك الأثناءِ عرفتُ أن مجدي يكتبُ شعرًا للأطفال، وكنتُ وقتها أعملُ مديرًا لتحرير مجلة "قَطَر النَّدَى" للأطفال التي تُصدرها هيئة قصور الثقافة، وكان يرأسُ تحريرها الصديقُ الشاعرُ الراحل أحمد زَرْزُور.
قدّم لي مجدي قصيدةً لينشرها في المجلة، قرأتُها، وقلتُ له:
"إنك موهوبٌ في الكتابةِ للأطفال أيضًا".
نشرتُ القصيدةَ بعد فترة، وفوجئتُ به يحضرُ إلى مقرّ المجلة في عمارة "ستراند"، مصطحبًا نسخةً من العدد الذي نُشرت فيه قصيدتُه، ليشكرني على نشرها.
طلبتُ منه يومها قصائدَ أخرى، ففتح حقيبتَه التي كان يصطحبها معه في كلّ مكان، وأخرج منها بعضَ القصائد وتركها ومضى.
من يومها ظلّ مجدي من كتّاب المجلة الدائمين. جرت في النهر مياهٌ كثيرة، وتوالت دواوينُه في الصدور، سواء في شِعر العامية للكبار أو للأطفال، وإن كان قد بدأ نشرها متأخرًا عن أبناء جيله، إلا أنه نشط نشاطًا ملحوظًا في سنواته الأخيرة، من خلال اهتمامه الكبير بأدب الأطفال، والكتابة الساخرة التي أصدر فيها أكثرَ من كتاب.
نشط أيضًا عبر وجوده الدائم على موقع فيس بوك، ينشر عليه قصائده للكبار والأطفال، وصوره في الندوات وحفلات توقيع كتب أصدقائه التي كان حريصًا على حضورها، وينشر أغلفة كتبه وأخباره، وكأنه كان يشعر أن العمرَ قصيرٌ، وأن عليه أن يُنجزَ أكبر قدرٍ من مشروعه الإبداعي الذي عاش مخلصًا له، متفانيًا في تجويده.
مَجْدِي الشَّاعِرُ وَالإِنْسَانُ
كنتُ متابعًا جيّدًا لكلّ ما يكتبه وينشره مجدي، بحكم قربه الوجدانيّ منّي، وبحكم الصداقةِ التي تجمعنا. فكان – رحمه الله – يُهديني كلَّ كتبه ودواوينه، وقد ناقشتُ له العديد منها، وكتبتُ عن دواوينه للكبار والأطفال أكثر من مرة.
كما كتبتُ ورقةً بحثيةً عن ديوانه "مشهد الوداع الأسبوعي" الصادر في سلسلة "إبداعات" التابعة لقصور الثقافة، وقدمتُها في مؤتمر شعر العامية الذي عقده اتحاد الكتّاب تحت عنوان "شعر العامية والواقع".
قلتُ في البحث – الذي نُشر لاحقًا في جريدة "القاهرة:
"إن مجدي عبد الرحيم ينحازُ إلى كلّ ما هو إنسانيٌّ وحميم، ويغوصُ في أعماق النفس البشرية، لينقّبَ عن الأحزانِ والآلام التي تسكنها، فيحوّلها إلى قصائدَ غايةٍ في العذوبة والرقة، بلغةٍ بسيطةٍ وشفافةٍ وعميقةٍ في آنٍ واحد.
ولأنه يُزاوجُ بين الشعر التفعيلي والنثري، فإنه يركّز على رسم الشخصيات أكثر من الأحداث، فتبدو قصائده أقربَ إلى القصة الشعرية، يهتمُّ بتفاصيل الملامح والعلاقات الإنسانية بالعالم المحيط، ويُدخلُ المجازَ والتوريةَ والجناسَ ليصنع إيقاعًا هامسًا يمسكُ بالقلب قبل الأذن".
وفي موضعٍ آخر من الدراسة، قلتُ:
"يهتمّ مجدي بملامح الطفولة التي تتبدّى واضحةً في معظم قصائده، لأنه يكتبُ أيضًا للأطفال، وله ديوانان مطبوعان، مما جعلَ مفرداتِ الطفولةِ تتغلغلُ في نسيج شعره، فتكسبه نعومةً وصدقًا ودفئًا خاصًا."
ثمّ استشهدتُ بقصيدته "البنت الحلوة"، التي كتبتُ أنها أقربُ إلى عالمِ الأطفال منها إلى عالمِ الكبار، وفيها يقول:
"البنت الحلوة الأمورة
اللى عشانها
مليت حجرى حكاوى
واتعلمت ألعب (أولى)
وفيها تظهر مفرداتُ الطفولة البريئة بوضوحٍ: الحلوة – الأمورة – الننوسة – تتشعلق – تخربشني – المفعوصة، مما يجعل القصيدةَ مفعمةً بالحنينِ والعاطفة والدفءِ الإنساني.
مَجْدِي وَالأُغْنِيَةُ الشَّعْبِيَّةُ فِي شِعْرِ الأَطْفَال
كتبتُ أيضًا عن دواوينه الموجّهةِ للأطفال، في بحثٍ بعنوان "توظيف الأغاني الشعبية في شعر الأطفال"، شاركتُ به في مؤتمر الطفل الذي أقامته المكتبة المركزية بجامعة حلوان في فبراير 2017.
ذكرتُ فيه أن ديوانه "توت حاوي توت" برسوم الفنانة سَحَر عبد الله، والصادر في سلسلة كتاب قَطَر النَّدَى – يحتوي على اثنتي عشرة قصيدة، منها:
توت حاوي توت، حسان والعصفورة، يا مرجيحة، سرجي مرجي، يا عسكري يا أبو بندقية، يا حليلا، سيبوني، يوم في حياتي، تيتا، أنا قطة، حطّة يا بطّة، بابا وماما زعلانين.
ويستفيدُ مجدي في هذا الديوان من الموروث الغنائي الشعبي للأطفال، فيبني عليه إيقاعًا شعريًا محببًا وسلسًا. ففي قصيدة "سرجي مرجي" مثلًا يقول:
"واحد.. اتنين سرجي مرجي
مرة.. لقيت فرخة جنبي
الفرخة باضت بيضة
والبيضة فقست كتكوت..."
وفيها يلتقط الشاعرُ روحَ اللعب والبراءةِ والخيالِ الشعبي، ليُعيد صياغتها في قالبٍ شعريٍّ حديثٍ، يجمعُ بين الإيقاع الشعبيّ والعذوبة الشعرية.
نِهَايَةُ المَسِيرَةِ
كان مجدي – رحمه الله – حاضرًا بفاعليةٍ في الحياة الثقافية، عضوًا باتحاد الكتّاب، مشاركًا في الندوات والفعاليات، وأصدر العديد من الدواوين، منها:
مشهد الوداع الأسبوعي
رِيحَةُ المَوْت
ومن كتبه الساخرة:
عاوزة لاب توب يا جوزي
حنفية وبتنقّط ميه
بيض بالبسطرمة
ومن دواوينه للأطفال:
توت حاوي توت
يا مطرة رخّي رخّي
وقد شاركتُ في تقديم ومناقشة ديوانه الأخير "ريحة الموت" الصادر عن هيئة الكتاب، في إحدى ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب، بمشاركة الدكتور شاكر عبد الحميد والدكتورة زينب العسال.
واستهللتُ مداخلتي النقدية بأن الديوان تفوح منه رائحة الموت؛ فقد رحلت والدته التي كان يرتبط بها ارتباطًا وثيقًا، كما حدّثني عنها كثيرًا. كانت – رحمها الله – لا تقيم إلا عنده، وترفضُ الإقامةَ عند إخوته، وكأنه كان يشعر بدنوّ أجله، وأن رائحة الموت تعبقُ الأمكنةَ وتضيقُ عليه دروبَ الحياة.
رَحِمَ اللهُ صديقي المبدع مَجْدِي عَبْدَ الرَّحِيم، شاعرَ الطفولةِ والكبار، الذي عاشَ صادقًا مع نفسهِ وفنّه، ومضى وفيًّا للقصيدةِ وللأصدقاء، تاركًا وراءه أثرًا إنسانيًّا وإبداعيًّا لا يُمحى.
|