|
القاهرة 16 ديسمبر 2025 الساعة 12:11 م

بقلم: مصطفى علي عمار
الحكاية الأولى
(مسحور البحر)
استيقظنا في يوم من الأيام على خبر تناقلته كل أهالي القرية: أخرجوا مسحوراً من البحر، يقصدون بالبحر (نهر النيل الذي يمر من أمام قريتنا) ثم ربطوه في نخلة، وتحدث معهم بكلام مثل البشر تماما بل وأفصح.
ثم اصطحبوه إلى القرية، وذهبوا به إلى دكان أبو محجوب للبقالة، وجلس أمامهم بشكله المخيف عاريا تماماً يكسوه شعر كثيف، ثم فتحوا له زجاجة مشروب " كازوزة" شربها بسرعة.. وجلس بعض الوقت من غير كلام، ثم انطلق مسرعاً إلى شاطئ النيل ملقيًا بنفسه فيه، ليعود لحياته في قاع النيل يعيش مع الأسماك يسبح باحثاً عن السمكة التي ابتلعت السحر الخاص به.
كان هذا في يوم من الأيام، تقريبًا في الثمانينيات من القرن الماضي في قرية بصعيد مصر، وتحديداً قرية زهرة بمحافظة المنيا، والناس صدقت الخبر..
كان الناس مغرمون بحكايات المسحور في البحر (النيل) وكنا نجلس ونحن أطفال نستمع لحكايات الكبار وهم يحكون عن المسحور.
كل يوم تسمع عنه حكاية غير الثانية:
فمرة يقولون إنه خرج من النيل على جماعة في الغيط جنب البحر، وشرب معهم الشاي، ثم استودعهم وعاد لقاع البحر.
ومرة ثانية يقولون طلع لصيادين في البحر، وخطف أحدهم،
ومرة يقولون: طلع وجلس على الشط يبكي متحسراً قائلاً للناس: نفسي أرجع لأهلي!
ومرة يقولون: طلع على شاطئ النيل وفلان ربطه من شعره الطويل في النخلة، وظل يضرب فيه بجريدة من النخلة بسلاها، حتى نزف دمه.
وفي النهاية فك نفسه منطلقاً لنزول البحر.
والعم طهماوي صياد القرية، كثيراً ما يجده وهو يصطاد.
وفي أحد الأيام ربطه أيضاً في النخلة. وعندما ذهب لمنزله وعاد، وجده يسبح في البحر ويضحك قائلاً له: مع السلامة يا عم طهماوي.
فما هي حكاية المسحور التي شغلت الناس وقتها وكانت تتناقل حكايته؟
قالوا عنه:
هو إنسان كباقي البشر، كان في ريعان شبابه يعيش على الأرض، وله أسرة وعائلة، لكن لا يستطيع الذهاب إليهم وترك النيل لأنه مصاب بالسحر! فقد قام بعض الأشرار من البشر بعمل سحر له ليضروه ويتخلصون منه، فربما كان له منافس في شيء أو حاقد عليه، أو ربما كما يقولون كانت تعشقه امرأة وتريده زوجاً لها فرفضها، أو كانت امرأة تريده زوجاً لابنتها ورفض واختار غيرها من البنات فأردن الانتقام منه، فتخلصوا منه بعمل السحر له، ثم ألقوا السحر في النيل، فابتلعته سمكة أو ربما ربطوه في سمكة حية أو وضعوه في فمها لتبتلعه، وألقوها مع السحر في النيل، ومن يومها وهو منساق بالسحر خلف هذه السمكة، حتى يستخرج السحر من أحشائها أو يظل هكذا يركض خلفها أو يتم صيدها من أحد الصيادين فتخرج من النيل وهو على إثرها يخرج منه السحر ويعود للحياة الطبيعية.
فحياته لن تنتهي إلا بهذين الأمرين؛ إما يحصل هو على السمكة وإما يصطادها صياد.
هو يعيش في المياه مع الأسماك ويأكل أكلهم منذ زمن، حتى طال شعره ورموش عينه وأظافره.
وأصبح شكله مخيفاً، وسوف يقص شعره وأظافره مثل البشر عندما يعثر على السمكة التي بها سحره،؛ عندها يعود لأهله.
وهو يكره الإنسان جداً لأنه هو الذي جعله مسحوراً، يعيش راكضاً خلف سحره. ولو خرج ولم ينتبه له أحد ربما أصابه مكروه.
وكان الناس قد صدقوا ذلك، ومن حين لآخر يحكون حكاية إنهم رأوه وجهاً لوجه... ويصدقون بعضهم بعضا ولا يستطيع شخص أن يقنعهم أنها حكايات تتوارثها الأجيال من وحي الخيال..
حينما سألت أمي عن هذا المسحور الذي كان في البحر في الزمن الماضي
قالت لي كان اسمه مارد البحر أو المسحور
فإنه كان رجلا متزوجا و زوجته كانت على خلاف دائم معه فأرادت أن تتخلص منه فقامت بعمل سحر له وألقت السحر في البحر ومن وقتها نزل للبحر و سُخط إلى مسحور وتحول شكله كالقرد كل جسمه شعر وظل في البحر لم يخرج منه لكنه دائما كان يطلع على (المردة) الشط وكان يجلس كله شعر مثل القرد تماما وشاهدته ناس كثيرة.
وقالوا إنه في مرة من المرات جري وراء امرأة حتى وصلها الجسر وكانت مصروعة مرعوبة منه وأفلتت منه بالجري ثم نظرت إليه بعدما جلس متحسرا لعدم اللحاق بها وجدته يمسك بوزة من وز البحر يعض فيها من غيظه فقالت له المرأة مستهزئة به كُلها لكنك لن تستطيع الإمساك بي يا مسحور ثم مشت مسرعة.
فهو كان يجن جنونه لو شاهد النساء على البحر وكلما شاهد امرأة يجري وراءها لأنه يكره النساء بسبب زوجته التي سحرت له وجعلته لا يخرج من البحر ويعيش مثل الأسماك
وكان شكله مخيفا وناس كثيرة من ناس زمان شاهدوه يطلع على الشط وينفض نفسه من الماء وهو كله شعر كثيف يتناثر من شعره الماء يمينا وشمالا
أضافت: كنا زمان ونحن أطفال نذهب ناحية البحر فكان دائما الكبار يوصونا قائلين لنا احذروا من المارد.
"لو طلع من البحر اجروا مسرعين حتى لا يلحق بكم" .. وقالوا لنا إنه في مرة خطف بنت صغيرة كانت تستحم في النيل ولم يعثروا على جثتها نهائيا...
ولا زالت حكايا المسحور و حكايات وأساطير أخرى تحكيها الناس على أنها حدثت في الزمن الماضي ولا زال البعض يصدقها ويرددها ويحاكيها.. ويبقى سؤال: هل هي من وحي الخيال أم حقيقة؟
|