|
القاهرة 16 ديسمبر 2025 الساعة 12:09 م

بقلم: عبد الله السلايمة
في مشهد بدا كأنه كتابة جديدة في دفتر الوطن، أعلن وزير الثقافة د. أحمد فؤاد هنو اختيار محافظة شمال سيناء عاصمة للثقافة المصرية لعام 2026 في خطوة تحمل من الرمزية ما يتجاوز الاحتفاء، وتفتح الباب أمام قراءة أعمق للمكان بوصفه فضاء حيًّا للذاكرة والإنسان.
جاء القرار ليضع هذه المحافظة في قلب المشهد الثقافي الوطني، بعد عقود ظل حضورها محصورًا في حدود الجغرافيا أو في أصداء السياسة. واليوم تعود سيناء بوصفها أرضًا تكتب وتقرأ، وتغنّي وتُبدع، لا بوصفها ساحة عابرة في سرديات الوطن.
كانت سيناء، وما تزال، أرضًا ملهمة: موطنًا للحكايات، ومسرحًا لتراث شفيف يمتد بين الصحراء والبحر وطبقات الذاكرة المتوارثة. غير أن ما مرّت به خلال السنوات الماضية جعلها تبدو، في الصورة الذهنية العامة، بعيدة عن الحركة الثقافية. ويجيء اختيارها عاصمة للثقافة ليؤكد أن هذه الأرض لم تفقد صوتها، وأن ما طمرته الأحداث تعود الثقافة اليوم لتزيح عنه الغبار، وتعيد إليه حضوره وبهاءه.
ويأتي اختيار مدينة العريش مقرًّا لمؤتمر أدباء مصر ليعيد تثبيت حضور المحافظة في المشهد الثقافي، ويمنح المدينة تاريخًا جديدًا يليق بما قدمته من أصوات وتجارب. فالعريش ليست مجرد عاصمة إدارية، بل مدينة تنبعث منها رائحة البحر الممزوجة بملح الذاكرة؛ مدينة كتب أهلها الشعر قبل أن تُمهَّد شوارعها، وظلت، رغم العواصف، محافظة على نبرة خاصة تُشبه فرادتها وهدوءها المديد.
ويمهّد هذا الإعلان لإعادة تأهيل المؤسسات الثقافية في شمال سيناء، وإطلاق الفعاليات والورش والمهرجانات التي بقيت مؤجلة لسنوات.
إنه دعوة لإحياء المكتبات والمسارح والمراكز الفنية، وإعادة وصل الأجيال الجديدة بتراث المكان. كما يفتح الباب أمام سرد مختلف عن سيناء؛ سرد يتجاوز الأخبار اليومية، ليكشف عمّا تختزنه الأرض من جماليات وتحوّلات وتجارب إنسانية تستحق أن تُروى.
فالهوية الثقافية السيناوية، في جوهرها، نسيج فريد يتداخل فيه الشعر الشعبي مع القصيدة الحديثة، والفنون الحرفية مع الغناء الشفهي والأساطير، وصولًا إلى الكتابات المعاصرة التي وثّقت الحرب على الإرهاب وحنين الإنسان إلى أرضه. وفي اختيار شمال سيناء عاصمة للثقافة فرصة واسعة لإظهار هذا الإرث بكل تنوعه وإعادته إلى الواجهة بوصفه جزءًا أصيلًا من الهوية المصرية.
كما يحمل القرار رسالة وطنية تتجاوز البعد الثقافي، إذ يعيد بثّ روح الطمأنينة واليقين في منطقة تحملت ما لم تتحمله غيرها. فحين تتحول شمال سيناء إلى عاصمة للثقافة، يعلن الوطن أن دوره لا يقتصر على البناء العمراني، بل يشمل أيضًا إعادة بناء الروح واستعادة صورة المكان كما يجب أن تكون: أرضًا صالحة للحياة، وفضاء للإبداع، ومجالًا إنسانيًا قادرًا على النهوض مهما اشتدت العواصف.
وبذلك، يصبح عام 2026 أكثر من مجرد تاريخ في التقويم الثقافي، عامًا يُرتقب أن تُكتب فيه صفحة جديدة تعيد لشمال سيناء صوتها، ويُقدَّم فيه الإنسان السيناوي بسيرته وإبداعه. عام يفتح أبوابًا طال انتظارها، ويمنح شمال سيناء موقعها الذي يليق بتاريخها وجمالها وقدرتها على أن تضيف إلى الثقافة المصرية فصلًا جديدًا أكثر إشراقًا.
|