|
القاهرة 16 ديسمبر 2025 الساعة 11:55 ص

بقلم: شيماء عبد الناصر حارس
حينما أتنفس، أزفر، يخرج شيء ما مع النفس، شيء مني ومن أحزاني ومن طاقتي، شيء يثقل صدري ويخرج، لكن هذا الشيء، قليل من كثير، كثير جدا، حزن، خوف، ألم، وجع، مشاهد للدمار ومشاهد لنساء في الصحراء يجلسن مدرتديات أثوابهن بينما يجول بخاطري سؤال ولا جواب، وآخر ولا جواب، وهنا عدم الجواب ليس لقلة المعلومات، إنها كثيرة جدا ومتداولة، لكنها أسئلة لا تحب معرفة إجاباتها، الإجابات قاتلة ومحزنة وسيئة وتقسم الظهر وتقهر الروح، كل هذا يخرج في كل مرة أنفخ فيها، وأنا أنفخ كثيرا، أنفخ لأن الزفير والهواء الذي يخرج هو فرصة للخلاص والراحة، وحينما تعود الأسئلة مرة أخرى أحاول لفظها من رأسي وبالطبع لا تخرج، أشرع في لفظها بالكلمات والكتابة وأنفخ، أنفخ وأريد أن أصرخ، كيف تستعمل النساء اللاجئات إلى الصحراء "الحمام"؟، هل هناك حمام أصلا؟ أجلس في الحمام الدافيء في الشتاء وأسأل نفسي. هنا تظهر علامة استفهام وتعجب؟!
تبصقان في وجهي صورا من خيالي ومن فيديوهات الإنترنت، نساء مغتصبات يعشن في الخيام، يشعرن بالخوف والقرف وأشياء أخرى، هل سأصبح مكان أي منهن يومًا، تسأل فكرة صغيرة مخيفة تعبث داخل رأسي، وأكره سماع الإجابة، فأبصق أنا هذه المرة في وجهها زفيري، وإذا ما جاءت أمامي أغنية وأنا أقلب في القنوات أتوقف، أسمعها، أشعر بقرف شديد، أين ذهبت أحاسيسي القديمة ناحية كل الأغاني، هذه المرة يأتي الزفير مخبرا إياي بالإجابة، رأسي مليء بمشاهد الحروب، أطفال، نساء، كبار، صغار من كل العالم في الخريطة، هذه هي الأحاسيس التي يمكن لعقلي أن يدركها، وحينما أغضب تمرض معدتي ويوجعني كتفاي وأسفل ظهري، المرض بسبب الغضب أكثر قذارة من إحساس الغضب ذاته، والمرض بسبب الحزن والألم النفسي مزعج جدًا، ولكني أحيانًا أعتبر هذا المرض نوعا من التطهر، وأن الشكوى هي صفاقة وقلة تذهيب.
أبحث في طيات أوراقي القديمة على نفس تشبهني، أو أنا التي لم تعد موجودة، وجدت هذه الفقرة بعنوان: "كابتشينو صراصير" لا أعرف لماذا كتبت ذلك العنوان الغريب لكن كتبت تحته: "منذ فترة وأنا بعيدة عن القلم والأوراق –بعيدة عن شاشة الحاسب وعن لوحة المفاتيح- لا أكتب، حاولت اليوم الكتابة لمجرد أني وجدت نفسي بمفردي في الغرفة وبعد يوم أصبح يشبه الكثير من الأيام السابقة له –وأعتقد دوما أنه سيشبه الأيام التالية له- وليس لدي الرغبة في النوم وكالعادة ولا الرغبة في القراءة، فأمسكت بالقلم في محاولة لصنع خربشات ما على الورق تمسح هذا الأبيض النائم الثقيل عليه وتضرب وجهه بالألوان فيفيق ويصحو، وجائتني فكرة قصة، قصة لمعلمة ذهبت لموعدها المعتاد في حصة درس خصوصي لتلاميذ صغار، عندما وصلت أخبروها أن الطفل مات منذ أيام في حادثة أتوبيس".
برد حار جدًا منتفخ
أجواء الطقس متغيرة في اللحظة نفسها وليس فقط في اليوم نفسه، الشارع الذي يتصاعد في سمائه دخان الخشب المتقد داخل عربية البطاطا الحلوة الساخنة، أسير خلفها بينما تتلقف الأشجار العالية هذا الدخان وأعرف أنها ستحوله إلى أكسجين، منذ متى ولم أستمتع بمشهد مثل اليوم؟ منذ زمن طويل، أفكر دائما في شيء آخر، في أناس يجلسون على مياه المطر تحت الخيام المتهرئة، هذه لحظة نادرة فقد فيها عقلي بوصلة العالم، وفكر في هذا المشهد فقط، تجاوزت عربة البطاطا الحلوة وأصبح الدخان والدفء خلفي وبدأت مرة أخرى أشعر ببعض البرد، أسأل، ماذا عن الآخرين؟ حينما وصلت وجهتي بدأت أشعر بالحر وليس فقط الدفء، مشيت كثيرًا وأرتدي ملابس ثقيلة، كم أنا محظوظة بكل هذا.
العندليب يخاف!
أذكر هذه الجملة دائمًا وهي تطفو على سطح عقلي "يا عندليب متخافش من غنوتك" أنا اعتدت الخوف، كشعور جانبي بجوار أي شعور آخر، غاضبة وخائفة، محبة وخائفة، منتظرة وخائفة، حزينة وخائفة، أود مقابلة السيد صلاح جاهين وأخبره أنه كاذب:
قول شكوتك و احكي علي بلوتك
الغنوه مش ح تموتك إنما
كتم الغنا هو اللي ح يموتك
عجبي !!!
عزيزي صلاح جاهين، الغنوة تميتني، كتم الغنا هو الآخر يمييتني، وليس فقط الحال على ذلك أنا ميتة وأتعذب، ووحيدة وحزينة، عفوا كنت أتمنى منك أن تكون أكثر مصداقية، لكن، هذه عادة الشعراء.
لكن دعني أحكي لك عن مواقف قلت فيها شكوتي وحكيت عن بلوتي، أذكر في مرة تحدثت عن شكوتي وسخر مني البعض، عموما يسخر مني كثيرون حينما أشكي أو أحكي، لذلك أخاف من الشكوى وأخاف من الحكي، بالطبع أشكي وأحكي باستمرار، لكني طوال الوقت خائفة، أنتظر من الجميع السخرية، والاستهزاء، ونعتي بصفات سيئة، لكني أحكي، وأكتب، وربما أنتظر الموت فقط.
|