|
القاهرة 16 ديسمبر 2025 الساعة 11:42 ص

حوار: حسين عبد الرحيم
عن تلك التحولات الفلسفية في مسيرة الكاتب الروائي والقاص، إبراهيم فرغلي، والتي بدأت أولياً في روايته، "أبناء الجبلاوي" ثم تبعها، بروايته" معبد أنامل الحرير" ثم "قارئة القطار" التي حازت جائزة نجيب محفوظ، ليدشن هذا العالم، الفلسفي/ الخالص، الذي يبحث فيه السارد، عن معاني الخلاص الوجودي/ النشوة/ السلوى/ بفنية وحرفية ودأب، في بناء، وبنية، تفارق، وتتماس مع تلك اللحظة الآنية، التي صار السرد/ الفكر/ الفن/ والآداب، على المحك، لكون العالم اللحظي، بات يعيش أزمة مناطحة للجمال، والتوق للحرية والعدالة والمساواة بين البشر، وتحديدا في ماهيات البحث عن جدوى الحياة/ العيش/ الكتابة/ التفلسف الجدي، فيما وراء النصوص، وكتابتها وتلك الدوافع، ل تقطير رؤى وبشارف وترميزات سردية، قدمها الكاتب إبراهيم فرغلي الذي حصل على الكثير من الجوائز، وترجمت أعماله لأكثر من لغة، منها الإنجليزية والفرنسية، لتأت _ المجموعة القصصية الأخيرة لفرغلي والمعنونة ب "حارسة الحكايات" لتكتمل ثمة أسئلة، تخص الكاتب والعالم، وتلك الفتوحات والتراكمات الإبداعية_ عبر أكثر من خمسة عشر عملاً إبداعيا، ما بين الرواية والقصص، والكتابة للأطفال والناشئة، تكتمل طموحات الكاتب فيما يخص، المنحى / التوجة، الفلسفي، حيث إن الكتابة، والتخليق السردي الروائي، يعد معادلا موضوعيا، للبحث عن "خلاص" وبراح، عبر تمثل والدفع بالكثير من التيمات/ الأشكال/ البنى/ الحدثية واللغوية وكذلك الجمالية. عن رواياته الأخيرة وعلاقته بالمنحي الوجودي / الفلسفسي، كان هذا الحوار الخاص لمجلة "مصر المحروسة" مع الكاتب الروائي والقاص وكاتب الأطفال إبراهيم فرغلي ..
عن الفلسفة الوجودية، وعلاقتها بأعمالك الأخيرة، وتحديدا في/ أبناء الجبلاوي/ حارسة الحكايات / قارئة القطار/ كيف كان الاشتغال على هذه التيمة وما هي الدوافع للولوج لعالم الفلسفة الوجودية ؟
أعتقد أن الرواية في جوهرها استجابة فنية للسؤال الفلسفي، بشكل عام. على الأقل هذا ما وصلني من قراءاتي المبكرة لأعمال نجيب محفوظ، ودوستويفسكي، وخصوصا ثلاثية القاهرة للأول والإخوة كرامازوف للثاني. لكني سرعان ما تبينت أن روايات أخرى عديدة لهما أو لغيرهما يأتي فيها السؤال الفلسفي بأشكال أخرى، أقل مباشرة وربما أقل إلحاحا، لكنها في كافة الأحوال أسئلة أو هموم أو انشغالات أساسية. وبالتالي فقد كان هذا فهمي لفن الرواية باعتبارها وسيلة فنية لفهم العالم، ولا يمكن تحقيق ذلك بدون السؤال الفلسفي في ظني، ومنه يتم فهم التركيب الاجتماعي والطبقي للمجتمعات البشرية التي تتناولها. فإذا كانت أعمال محفوظ مثلا هي الاهتمام الأساسي لرواية مثل "أبناء الجبلاوي" فمن البديهي أن يكون هناك انعكاس ما للفلسفة الوجودية، خصوصا حين تظهر بعض شخصيات محفوظ؛ مثل عاشور الناجي أو أحمد عبد الجواد أو كمال عبد الجواد وسواهم.
أما قارئة القطار فهي رواية تقوم على إعادة تأمل مفهوم الهوية، والعودة للجذور، وانعكاس الذاكرة على فهم الإنسان لهويته وهو موضوع له أيضا انعكاسات فلسفية بشكل ما. أما في حارسة الحكايات، وهي مجموعة قصصية، أعتقد أن اختيار القصص التي شكلت المجموعة واستبعاد غيرها كان له علاقة بأن ثمة رابطا يجمع بين القصص، هو أولا تلك العلاقة المبهمة بين الواقع والخيال، أو الوهم والحقيقة، وتاليا مسحة من الغرابة التي تمنح للواقع بعدا أسطوريا ما، وهو ما قد يمنح المجموعة هذا الحس الفلسفي.
في روايتك "بيت من زخرف" ورغم تسليطها الضوء على الرهاب الفكري/ وتلك الصراعات الدموية بين العقل/ والنقل، بل والتراث والحداثة، الحرية والقمع، هل هناك ثمة تأثر بفلسفة المصادفة، وهذا بعيدا عن تأطير السردية ما بين الاستشراق والاستغراب، فهل انت مع هذا التصنيف/ المنحى، وكيف جاءتك فكرة كتابة الرواية؟
لا أستطيع القول إنني اعتمدت على فلسفة المصادفة بمعناها الفلسفي الكامل، لكنني أؤمن بأن الصدفة جزء من طبيعة الحياة، وجزء مهم جدا في السرد الروائي بالتالي. ولذلك تظهر في الرواية بوصفها محفّزًا للحركة أو كشفًا لعمق الصراع. صحيح أنها ليست مصادفة مجانية، لكنها مصادفة عادة ما تكشف هشاشة البنية الفكرية التي يصطدم بها الأبطال. أما بالنسبة لتصنيف الرواية ضمن الاستشراق أو الاستغراب، فأنا لا أميل إلى هذا النوع من التصنيفات؛ فالعمل يتحرّك من داخل الواقع العربي ويناقش أسئلته الداخلية، لكن أفكار ابن رشد كوسيط للمعرفة بين الشرق والغرب أثرت في تناول الموضوع بشكل ما. أما فكرة الكتابة فجاءت من الحاجة إلى مساءلة العلاقة بين العقل والنقل، والحدّ الفاصل بين الحرية والقمع، وكيف تؤثر هذه الثنائيات على تشكّل الفرد وهويته.
في مجموعة "حارسة الحكايات" ظهرت رؤى تتعلق بتوديع عوالم قديمة، وتفكك في الوجود، وأحداث ذات طابع رؤيوي مرتبط بالمصير والرؤية الداخلية. فهل ترى أن حارسة الحكايات تمثل بداية دخولك إلى الفلسفة الوجودية؟ أم أنها محطة عميقة تواجه فيها "وجودًا ميتًا" أو حالة وجودية منطفئة؟
في حارسة الحكايات لم أكن أهدف إلى الدخول في الفلسفة الوجودية بقدر ما كنت أتابع التحوّلات العميقة في وعي الشخصيات وفي العالم الذي تتحرك فيه. الرؤى المرتبطة بانكسار العوالم القديمة وتشظّي الوجود جاءت من طبيعة النص نفسه، ومن الأسئلة الكبرى التي حاول طرحها، وحتى من حالات الحنين التي تشغل الشخصيات، وليس من رغبة في تبنّي منهج فلسفي محدد.
ولذلك أرى هذه النصوص تشكل محطة مختلفة داخل مشروعي الأدبي، لحظة مواجهة مع قلق الوجود وتفكّك اليقين، وليست انعطافًا نحو “وجود ميت”، بل محاولة لالتقاط بذور وعي جديد ينبت من تحت الركام. هي مساحة للتأمل أكثر منها إعلانًا لاتجاه فلسفي.
ليتك تحدد / او تشرح لنا علاقة عمر الكاتب وتجربته في تشييد بنائه السردي؟
بمرور الوقت أعتقد أن الكاتب يتبين تدريجيا أن قدراته في اختبار مشاعر الشخصيات تغدو أكثر نضجا، لأنه ربما يكون أكثر قدرة على تمثل مشاعر وأحاسيس وأفكار الشخصيات الأكبر عمرا بشكل أكثر مصداقية، كما أن ثقافة الكاتب وخبراته الحياتية أيضا تصبح أكثر نضجا وهذا يؤثر بالتأكيد على البناء السردي.
وهل أنت مؤمن بتلك الحلول الفلسفية لموت اليقين، وماذا تمثل الكتابة / الرواية/ السرد، فيما يخص عطش اليقين ومراوغات العبث؟
موت اليقين مصطلح أشك في صحته. لا أعتقد أن الفلسفة تقدم موت اليقين كحل، لكنها تقدم مقترحات موازية، أو الاحتمالات الممكنة للشكل الذي قد يمكن أن يبدو عليه اليقين. تفتح الآفاق على توسيع دائرة النظر لما قد يعتبره الإنسان يقينا. لذلك لا أعتقد أن هناك حلولًا نهائية لموت اليقين، فالتساؤل نفسه جزء من تجربة الإنسان. لكن الكتابة، والرواية، والسرد بالنسبة لي تمثل مساحة للبحث عن المعنى، مكانًا يمكن فيه للعقل أن يتلمس اليقين ولو جزئيًا، وأن يواجه العبث بأسلوب فني وإنساني. هي وسيلتي للتأمل في العالم وللتعبير عن أسئلة لا تنتهي، أكثر منها إجابات جاهزة.
في ظل الحروب عبر الهوية / والكيانات والهويات والأعراق، كيف ترى مستقبل/ الكتابة/ الفنون؟
أعتقد أن الأدب والفنون لطالما وجدت في حروب الهوية والاختلافات البشرية المصطنعة بالإيديولوجيا والسياسة مادة خصبة لتأمل حقيقة أو جذور تلك الحروب، وكشف تهافتها والتحذير من مخاطرها المستقبلية على البشرية، ولا شك أن التوتر الكبير، وانكشاف تهافت خطابات عن الحرية كانت مجرد غلاف مزيف للعنصرية، وغير ذلك مما يشهده العالم اليوم بسبب هذه الحروب سيكون موضوعا ملحا للفنون والآداب السردية خلال المستقبل القريب.
وكيف ترى خارطة المشهد النقدي العربي/ المصري، من خلال تعامله مع نصوصك الروائية / القصصية ؟
أعتقد أنني محظوظ نسبيا باهتمام النقاد والقراء الذين يمتلكون أدوات الحس النقدي، حتى لو كانت أغلبيتها مقالات غير أكاديمية، لكنها تضيء لي الطرق المختلفة التي يتم بها قراءة العمل، وأيضا تضيء للقراء عموما سواء من قرأوا النصوص أو لم يقرأوها بعد بعض الأبعاد التي تشكل مفاتيح للقراءة.
بعد كل ما كتب عن أحدث رواياتك/ بيت من زخرف / ابن رشد / هل نالت روايتك ما تستحق من نقد/ أم أنك لا تعوّل كثيرًا على هذا الأمر ؟
بيت من زخرف من الأعمال التي نالت حظًّا جيدا من الكتابة النقدية، من نقاد وكتاب من أجيال مختلفة، أسعدتني جميعا، وخصوصا التي انتبهت لفكرة أنها تجريب في الرواية التاريخية، أو انتبهت لتراوح مستويات اللغة. وحتى بعض القراءات التي أعلت من شأن متعة القارئ على حساب طموح النص، والتي اعتبرت التجريب عوارًا في النص، تقبلتها وأتفهمها. ومن المؤكد أنني أعرف جيدا أن التجريب والتشظي يزعج بعض القراء، ومع ذلك فأنا مشغول بكسر توقعات القارئ، وبالاقتراحات التجريبية التي تقدم السرد بأشكال تخالف النمط السائد، سواء في بيت من زخرف أو في أعمالي الأخرى بطبيعة الحال.




|