|
القاهرة 16 ديسمبر 2025 الساعة 11:40 ص

د. هويدا صالح
في تاريخ الثقافة المصرية الحديثة، نادرون أولئك الذين استطاعوا أن يجمعوا بين موهبتين إبداعيتين أصيلتين، وأن يحققوا في كلٍّ منهما حضورًا مؤثرًا لا يقل عمقًا عن الآخر. ويأتي أمين ريان (1925–2014) في طليعة هؤلاء، بوصفه مبدعًا عبر بسلاسة الحدود الفاصلة بين الفن التشكيلي والإبداع الروائي، فأنجز مشروعًا فنيًا متكاملًا تتجاور فيه الريشة والقلم، ويتحاور فيه اللون مع الكلمة، والصورة البصرية مع الصورة السردية.
وُلد أمين ريان عام 1925 في حي روض الفرج بالقاهرة، في زمن كانت مصر تعيش مخاضًا اجتماعيًا وسياسيًا حادًا. ومنذ سنواته الأولى، بدت ملامح موهبته التشكيلية واضحة، فشدّته الألوان والخطوط مبكرًا إلى عالم الفن. التحق بكلية الفنون الجميلة، وتتلمذ على يد الفنان الكبير أحمد صبري، الذي ترك أثرًا واضحًا في تشكيل وعيه الجمالي في مراحله الأولى.
لم تتأخر بشائر التميّز؛ ففي عام 1943 شارك في معرض مختار بفندق الكونتيننتال تحت رعاية هدى شعراوي، ونالت لوحته الجائزة الأولى، معلنة عن ميلاد فنان يملك حساسية خاصة وقدرة على التقاط نبض الواقع. حصل على بكالوريوس الفنون الجميلة عام 1950، غير أن شغفه بالمعرفة لم يتوقف عند حدود التشكيل، فعاد بعد سنوات ليدرس الأدب العربي، وحصل على ليسانس اللغة العربية عام 1961، في خطوة كشفت عن رغبته في استكمال أدواته التعبيرية، وتوسيع أفقه الجمالي والفكري.
لم يكن أمين ريان رسامًا معنيًا بالزخرفة أو الجمال المجرد، بل كان فنانًا ملتزمًا بقضايا عصره. لوحاته أشبه بوثائق بصرية، تسجل معاناة الناس وتناقضات المجتمع وتحولاته. في لوحته الشهيرة "مبيع الدقيق" (1944)، التي فاز بها بالجائزة الأولى، جسّد أزمة الخبز التي كانت تؤرق الشارع المصري، محولًا مشهدًا يوميًا إلى تعبير مكثف عن القهر الاجتماعي.
أما لوحة "الشهيد"، فتمثل ذروة تلاقي الفن مع الفعل الوطني. رسمها أثناء العدوان الثلاثي عام 1956، وهو منخرط فعليًا في صفوف الفدائيين المدافعين عن بورسعيد. رُسمت اللوحة في ظروف قاسية، في الظلام وتحت القصف، فتحولت إلى أيقونة للمقاومة، وملصق بصري ضد الاستعمار، ورمزًا للفن حين يصبح فعل شهادة.
في مجمل أعماله التشكيلية، تتجلى عين فنان شديد الحساسية، يرصد التفاوت الطبقي، ويُمسك باللحظات التاريخية المفصلية، مستخدمًا ريشته لا بوصفها أداة جمالية فحسب، بل وسيلة مقاومة وتوثيق.
كما كانت الريشة أداة ريان الأولى، جاء القلم امتدادًا طبيعيًا لرؤيته الفنية. وقد شكّلت روايته الأولى "حافة الليل" (كتبها عام 1948 ونشرها عام 1954 على نفقته الخاصة) منعطفًا مهمًا في مسار الرواية المصرية، رغم ما لاقته من تجاهل طويل.
كتب ريان الرواية مستندًا إلى مذكرات الموديل "أطاطا" التي عملت معه في مشروع تخرجه، واستثمر أغانيها الشعبية وحكاياتها ليبني سيرة إنسانية كاشفة. وقدمت الرواية مقارنة عميقة بين عالمي بولاق أبو العلا الشعبي والزمالك الأرستقراطي، بين ضفتي النيل، في استعارة دالة على الفجوة الطبقية في المجتمع المصري.
قوبلت الرواية برفض مؤسسي حاد، لا سيما بسبب جرأتها في توظيف العامية المصرية داخل النسيج السردي، وهو ما عُدّ آنذاك خروجًا على "فصاحة" الأدب. غير أن هذا الخيار اللغوي كان في جوهره بحثًا عن واقعية اجتماعية صادقة، تُنصت إلى لغة الناس كما هي. وقد رأى الناقد سيد البحراوي أن أمين ريان يمتلك قدرة جدلية جعلته يتجاوز كثيرين من أبناء موجة الواقعية، في شهادة تؤكد القيمة الفنية للعمل رغم تهميشه.
تتسم أعمال ريان السردية بالحركة الدائمة، وبنزعة واضحة إلى التجريب والمغامرة. يوظف أدوات السرد الحديث، ويجعل الحوار جزءًا عضويًا من البناء، مع تنويع في الأصوات والمنظورات. وتشيع في نصوصه نبرة ساخرة ذات طابع شعبي، تخفف من حدة المأساة دون أن تنفيها.
صور ريان السردية نابضة بالحياة، ذات كثافة بصرية واضحة، تعكس خلفيته التشكيلية. فهو يربط بين المادي والرمزي، والواقعي والإنساني، في بنية سردية تشتغل على الإيحاء بقدر ما تشتغل على الحكي.
إلى جانب "حافة الليل"، قدّم أمين ريان عددًا من الأعمال الروائية المهمة، منها "القاهرة 1951" بالاشتراك مع كمال الملاخ وحسن حاكم، و"الضيف"، و"مقامات ريان" التي أعاد فيها استلهام تراث المقامات بروح معاصرة، و"الكوشة". وفي القصة القصيرة، أصدر مجموعات لافتة مثل "صديق العراء"، "المعابر"، "الطواحين"،، و"برجالاتك"، حيث تتجلى الحياة الشعبية المصرية بكل تفاصيلها الدقيقة.
تتبدى خصوصية مشروع أمين ريان في العلاقة الجدلية بين الفن التشكيلي والكتابة. فالعين الرسّامة حاضرة بقوة في نصوصه: الألوان، الظلال، الحركة، تكوين المشهد، كلها عناصر تنتقل من اللوحة إلى الصفحة. حتى بنية السرد نفسها تتخذ إيقاعًا بصريًا، كأن القارئ يتابع لوحة تتحرك عبر الزمن.
في اللوحة كما في الرواية، ظل ريان منحازًا إلى المهمشين: الفقراء، العمال، سكان الأحياء الشعبية. هم أبطاله الحقيقيون، وهم مركز رؤيته الجمالية والإنسانية. في "مبيع الدقيق" كما في "حافة الليل"، تتجسد الرغبة نفسها في منح الصوت لمن لا صوت لهم.
كان ريان، في الفن كما في الأدب، مبدعًا مغامرًا. لم يرضَ بالتبعية للتيارات السائدة، بل سعى إلى بناء أسلوبه الخاص. جرأته في استخدام العامية، وفي كسر القوالب الجاهزة، جعلت مشروعه متقدمًا على زمنه، وأكثر قابلية لإعادة القراءة اليوم.
رغم ما تعرض له من تهميش، نال أمين ريان اعترافًا متأخرًا بقيمة منجزه، فحصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 1979 عن "حافة الليل"، وجائزة اتحاد الكتاب عام 2004. كما خصصت مجلة *الثقافة الجديدة ملفا في عدد من أعمالها لأعماله، وأُنجزت دراسات أكاديمية تناولت تجربته.
رحل أمين ريان في ديسمبر 2014، تاركًا إرثًا إبداعيًا غنيًا ومتعدد الطبقات. كان نموذجًا للمثقف الملتزم، الذي آمن بأن الفن رسالة، وبأن على المبدع أن يكون شاهدًا على عصره. في تجربته، تتبدد الحدود المصطنعة بين الفنون، ويغدو التشكيل والسرد وجهين لرؤية واحدة، تبحث عن الجمال والمعنى والعدالة الإنسانية.
إن مشروع أمين ريان الإبداعي ليس مجرد صفحة من تاريخ الفن أو الأدب، بل هو صوت أصيل في الثقافة العربية الحديثة، يستحق إعادة الاكتشاف والإنصات، بوصفه تجربة تؤكد أن اللوحة يمكن أن تُقرأ، وأن النص يمكن أن يُرى.

|