|
القاهرة 14 ديسمبر 2025 الساعة 04:38 م

بقلم: محمد خضير
في مدينة لا تزال حجارتها تنبض بوهج الآلهة القدماء، وتحت سماء تحمل ألوان التاريخ في كل شروق وغروب، يطل ملتقى الأقصر الدولي للتصوير في دورته الثامنة عشرة ليؤكد أن الفن ما زال قادرًا على صياغة خطاب عالمي جديد، يتجاوز الحدود ويعيد اكتشاف الإنسان والعالم من بوابة الجمال.. فالأقصر لم تكن يومًا مجرد مدينة، بل كانت –ولا تزال– مرآة لحضارة تعانق النيل وتكتب تاريخها على الصخور والمعابد والضوء.
وفي هذا الملتقى، يتجدد الحوار بين الحضارات بمنطق الألوان، ويتحقق الامتزاج بين الرؤى الفنية المصرية والعربية والأجنبية على نحو يعكس عمق الدور الثقافي الذي باتت تلعبه مصر في السنوات الأخيرة.
* الأقصر.. مدينة تُلهم الفنان
من يتجول في شوارع ومعالم ومعابد الأقصر يدرك أن هناك طاقة خفية تتجاوز المنظور البصري؛ حالة من السحر تفرض نفسها على الفنان مهما تنوّعت ثقافته وخلفيته ومدارسه الفنية.. وهذا ما شهده الملتقى هذا العام بوضوح؛ فالأعمال التي قدّمها الفنانون بدت كأنها نتاج لحوار صامت بين الفنان والمكان، بين العين والذاكرة، بين الضوء الذي ينساب على جدران المعابد وبين خيالات المبدعين.
لا يمكن قراءة أعمال الدورة دون إدراك كيف أعاد الفنانون المشاركون –من 13 دولة– صياغة علاقتهم باللون والضوء، وكيف وجد كل منهم في الأقصر مساحة للتجريب، ونافذة لإعادة تعريف المعنى الجمالي في سياق معاصر لا ينفصل عن جذوره التاريخية.
* ملتقى يعبر الحدود
أحد أبرز ملامح هذه الدورة هو القدرة على خلق حالة تواصل حضاري فريدة. فالفنان القادم من أوروبا أو آسيا أو العالم العربي لم يكن مجرد ضيف على مدينة مصرية، بل كان شريكًا في بناء خطاب بصري يجمع الثقافات دون أن يتنازل أي طرف عن هويته.. لقد تحوّل الملتقى إلى نقطة ضوء حقيقية في المشهد الفني العالمي؛ جسرًا ثقافيًا واسعًا، تتقاطع فوقه الرؤى الفنية بين الشرق والغرب، بين انفتاح الحداثة وعمق التراث الفرعوني.
وهنا يكمن نجاح الملتقى الحقيقي: ليس في عدد المشاركين أو الدول الحاضرة فقط، ولكن في هذا المزج الإنساني الذي جعل من كل عمل فني شهادة جديدة تُضاف إلى أرشيف الجمال العالمي.
* رؤية وزارة الثقافة
هذا الحضور البارز والمتجدد للملتقى لم يكن ليحدث دون رؤية واضحة من وزارة الثقافة، التي استطاعت –بفضل دعمها المستمر– أن تجعل من هذا الحدث علامة فارقة على خريطة الفنون التشكيلية في المنطقة.
الرؤية التي قدّمها وزير الثقافة د. أحمد فؤاد هنو، تضع الفن في قلب مشروع ثقافي كبير، يقوم على الانفتاح، والابتكار، ودعم التجارب الجادة، وتعزيز حضور مصر كحاضنة للفنانين من كل بقاع العالم.
هذه الرؤية لا تُعنى بالاحتفال بالماضي فقط، بل تستثمر طاقة التراث لإطلاق مسارات جديدة، وتقود الفن المصري إلى آفاق تتسع للجميع.. وما إعلان «سمبوزيوم مدن مصر الأول» إلا إشارة إلى امتداد هذا التفكير إلى مشروعات أوسع، تتجاوز مدينة واحدة لتشكّل شبكة إبداعية تتيح للفنون التشكيلية أن تنمو وتنتشر وتتواصل مع المجتمع.
* رؤية الفنانون المشاركون
الأعمال التي وُثّقت في الدورة الثامنة عشرة جاءت محمولة على عين حسّاسة للحظة، لطبيعة المكان، لروح الجنوب.. فمن معابد الكرنك والأقصر إلى مقابر وادي الملوك والملكات، ومن نبض الحياة اليومية إلى تفاصيل المراكب والبيوت والوجوه، استطاع الفنانون أن يقدّموا لوحة واسعة من المشاعر والرؤى.
هذا التنوع في الخلفيات -من إيطاليا وروسيا وفنلندا والصين إلى البحرين وعُمان والعراق- جعل الملتقى منصة غنية لفهم كيف ينظر العالم إلى الأقصر، وكيف تتحول هذه المدينة إلى مصدر إلهام عالمي لا ينضب.
* أهمية الملتقى
ولذلك نجد عزيزى القارئ أن أهمية ملتقى الأقصر تتجاوز العرض الفني في حد ذاته؛ فهو فعل ثقافي يعيد تموضع مصر على خريطة الفنون العالمية، ويعزّز سياحتها الثقافية، ويمد جسورًا ممتدة بين الشعوب من خلال الإبداع.. كما يفتح الباب أمام الأجيال الشابة لتدرك أن الفن ليس رفاهية، بل لغة عالمية قادرة على بناء الوعي وصناعة المستقبل.. بل إن الملتقى أصبح مختبرًا بصريًا لاكتشاف الطاقات، ولتجريب الأفكار، ولتكوين خطاب فني جديد يعكس روح العصر ويستفيد من ظروفه، دون أن يتخلى عن الهوية المصرية العميقة.
وأخيرا وليس بآخر.. فإن ملتقى الأقصر الدولي للتصوير لم يعد مجرد تظاهرة فنية تُقام سنويًا، بل أصبح مشروعًا حضاريًا يرسّخ دور مصر كجسر يتلاقى عنده المبدعون من كل ثقافات العالم. وفي لحظة يحتاج فيها العالم إلى الحوار أكثر من أي وقت مضى، يأتي هذا الملتقى ليقدّم الفن باعتباره لغة مشتركة، ومساحة حرة، ونافذة مفتوحة على مستقبل يحمل جمالًا جديدًا لا حدود له.
|