القاهرة 11 ديسمبر 2025 الساعة 10:59 م

كتبت: د. إنجي عبدالمنعم
• "ألوان مصر".. حين يصبح الفن "صرخة" في وجه الوجود الهادئ.
في رحلة استثنائية عبر الوعي واللاوعي، تحوّل معرض "ألوان مصـر" – الذي استضافته قاعــة الفنــون مســـاء الأحد الماضي بـ100 فنان وفنانة – إلى منصة واسعة لاستكشاف "الفن كمرآة مشوّهة للروح".
اللوحات المعروضة تتجاوز الواقعية والانطباعية الهادئة، لتغوص في عالم التعبيرية والتجريد العميــق، مؤكدة أن الفن الحقيقي هو تجسيد للموقف العاطفي والذهني للفنان في مواجهة الوجود.
لقد اعتمدت اللوحات، بحضور ضيف الشرف الفنانة هالة صلاح الحصري، على لغة التعبيرية لسبر أغوار التناقض بين الانعكاس الخارجي الهادئ والاضطراب الداخلي القلق.

• العزلة الوجودية.. حين يصرخ الصمت
من أولى المحطات التي تجذب الناقد هي "لوحة المنظر البحــري" (صخــور وشاطـئ). رغم مظهرهـا الواقعي، فإن تحليلها التعبيري يكشف عن حالة "عزلة وجودية" صامتة. التكوين الأفقي والكتل الصخرية الداكنــة تفرض إحساساً بالثقل الأبدي والسكينة القسرية. الطائر الجاثم على الصخــرة في هذا الفــراغ الشاســـع لا يؤكد جمـــال الطبيعة، بل يؤكد ضخامــة الوحـــدة أمام امتداد الطبيعــــة الصامتـــة التي تستوعب الوجود البشري ثم تنســاه.

• قناع القلق.. البورتريه التعبيري والأصفر المكبوت
تنتقل الصرخة التعبيرية إلى الذات في "لوحة البورتريـــه التعبيـري" (الخلفيــة الرماديـــة واللون الأصفــر)، التي تضرب عرض الحائط بالقواعد التشريحية لصالح الانفعـال الصــارخ. ضربات اللون البني والأصفر فوق الخلفيــة الرمادية المحايدة تشي بصراع داخلي جـارف، حيث يبدو الوجــه وكأنه يختفي خلف قنــاع من الإحساس الجـــارف، يوحي بتلاشي الهوية والاغتراب. النقاط الصفراء المتناثرة واللون الأصفــــر الساطـــع في الأسفــل يمثلان طاقة مكبوتة أو توتراً عقلياً يحاول التحرر من قيد التغطية الداكنـــة. هذا البورتريـــه لا يُصور شخصـــاً، بل يعكس حالة نفسية عالمية من الكبت والاضطراب.

• هشاشة الجسد.. اللاوعي العضوي في التجريد
وفي مستوى أعمق من التجريد، تُقدم "لوحة التكوين المجرد" (اللون الــوردي والأشكـــال العضويـــة) رؤية عن اللاوعي الجسدي. باستخدام الألوان اللحمية والوردية الداكنة، يخلق العمل إحساســـاً بـ المنطقـــة العضويـــة أو الغريزية. التكوين الخشن المُدمج يعبر عن الداخل الغريزي والعمق العضوي، خاصة مع الشكل المعلق بخيــط رفيع يوحي بـ الهشاشة والتعليق الوجودي. هذا العمــل ينأى بنفسه عن الجمــــال التقليـــدي ليغوص في عالـــم المشاعر الخام والقلق المرتبط بالجوانب البيولوجية للوجود.

• ثنائية الصراع والملاذ..
تتجسد "ديناميكية القوة والسيطرة" في لوحــــة الصــــراع، حيث يقسم اللـــون الأحمـــر المشهــــد، وينقسم وجه الشخصية العلوية بين الأزرق (العقلانية) والأبيض (البراءة)، ليعكس الازدواجية الداخلية والقمع العاطفي الذي يُمارس فيه الآخر دور القيد.

وعلى النقيض التام، تقدم لوحة "الاحتضان الأصفر" للفنانة هالة صلاح الحصري المــــلاذ. فالشخصيتـــان المرتديتان الأصفر الساطع، وهما محتضنتان بقوة ضد خلفية سوداء عميقة، تعبران عن قوة العلاقـــات الحميمـــة كوسيلة للبقاء الوجودي. اللون الأصفر هنا هو هالة حماية عاطفية تُشع من الداخل، تأكيداً على أن المــــلاذ الوحيـــد هو العناق الإنساني أمام تحديات العالم البارد.

• تطلعات الذات.. بين الفخامة والجموح
تلامس لوحتا الطاووس والحصان للفنانة سعاد نـوح الرمزيـــة التعبيريــــة. الطــــاووس ببريقه يرمز إلى الاعتزاز والفخامة، بينما الحصان بملامحه القوية يرمز إلى القوة والجموح والحرية الكامنـة. العمــــلان يترجمان صفـــات نفسية متطلبة (الجمال والفخر مقابل القوة والحرية) من خلال أشكـــال حيوانيـــة كلاسيكيـــة، وكأنهما تعبير غير مباشر عن تطلعات الذات الباحثة عن توازنها.
يتأرجح المعرض بين ثنائية "الثنائية المكانية" (البحـــر كحريـــة مطلقة والمدينة القديمة كانتماء ثقافي)، ليختتم التعبير عن الذات التي تظل تتأرجح بين الانفصال الوجودي والــدفء الاجتماعـــي. هذا المعرض هو رحلة لاهثة وشجاعة في أعماق الوعي الإنساني المعاصر.