|
القاهرة 11 ديسمبر 2025 الساعة 03:55 م

بقلم: أحمد محمد صلاح
يؤكد المؤرخون أن فتح الأتراك للقسطنطينية عام 1453 ميلادية هو نقطة التحول بين العصور الوسطي والحديثة في أوروبا، فقد انهارت الأمبراطورية البيزنطية وهاجر العلماء إلى أوروبا وبالتحديد إلى إيطاليا، كانت تلك نقطة تحول كبيرة في العالم، كما يؤكد يوسف كرم في كتابه "تاريخ الفلسفة الحديثة".
أما برتراند راسل في كتابه "حكمة الغرب" فيقول: "حين بدأتْ نظرة العصور الوسطى إلى العالم في الاختفاء خلال القرن الرابع عشر، أخذت تظهر بالتدريج قُوًى جديدة عمِلَت على تشكيل العالم الحديث كما نعرفه اليوم. فمِن الوجهة الاجتماعية، أصبح البناء الإقطاعي للمجتمع الوسيط غير مُستقر نتيجةً لظهور طبقةٍ قوية من التجَّار الذين تحالفوا مع الحُكام ضدَّ مُلاك الأرض الخارجين عن كل سلطة. ومن الوجهة السياسية، فقَدَ النبلاء قدرًا من حصانتِهم عندما ظهرت أسلحة هجومية أفضل، جعلت من المُستحيل عليهم الصمود في قلاعهم التقليدية. فإذا كانت عصِيُّ الفلاحين وفئوسهم عاجزة عن اقتحام أسوار القلعة، فإنَّ البارود قادر على ذلك".
إذا فقد كان التحول من العصر الوسيط إلى الحديث مرتبط بالبيئة المناسبة لوجود العلماء الذين بدأوا في إقامة النهضة العلمية والاقتصادية والفلسفية، فضلا عن بدء التطور العلمي وخاصة في الحروب، كذلك التغير الاقتصادي مع بدء ظهور نظريات اقتصادية جديدة.
ويحدد راسل في إيجاز أربع حركات كُبرى تُحدد مَعالم فترة الانتقال التي امتدَّت من وقت بدء تراجُع العصور الوسطى حتى القفزة الكُبرى إلى الأمام في القرن السابع عشر.
أولى هذه الحركات فهي "النهضة الإيطالية" في القرنَين الخامس عشر والسادس عشر، فعلى الرغم من أنَّ دانتي كان لا يزال مُتأثرًا بعُمقٍ بطرق التفكير السائدة في العصور الوسطى، فإنه قدَّم باللغة الشعبية تلك الأداة التي جعلت الكلِمة المكتوبة مُتاحةً للإنسان العادي غير المُلمِّ باللغة اللاتينية.
وبظهور كتاب مثل بوكاشيو Boccaccio وبترارك Petrarch حدثت عَودة إلى المُثل العليا الدُّنيوية. وقد عاد الاهتمام بثقافة القدماء الدنيوية، وظهر ذلك جليًّا في جميع الفنون والعلوم، وكان يُمثِّل خروجًا على التراث الكنسي السائد في العصور الوسطى، وأصبح مُفكرو عصر النهضة أكثر اهتمامًا بالإنسان.
ومن هذه الحقيقة استمدَّت الحركة الثقافية الجديدة اسمَها، وهو «النزعة الإنسانية» Humanism التي كانت ثاني العوامل الكبرى الجديدة المُؤثرة في هذه الفترة.
وفي ألمانيا كانت "الحركة الإنسانية" مُعاصرةً "للإصلاح الدِّيني" الذي أتى به لُوثر، وهو العامل الثالث من بَين العوامل الكبرى التي أزالت عالم العصور الوسطى، والواقع أنَّ الكنيسة كانت في داخلها تعترِف منذ وقتٍ ما بضرورة حدوث شكلٍ من أشكال الإصلاح.
كما انتقد المفكرون الإنسانيون المُمارسات السيئة التي كانت تتفشَّى في حكومة الكنيسة، غير أنَّ قبضة البابوات الطمُوحين والمُتعطشين إلى الذهب كانت أقوى من هؤلاء جميعًا.
وعندما ظهرت "حركة الإصلاح الدِّيني" بالفعل عارضتْها روما وأدانتها بقسوة. وهكذا فإنَّ حركة الإصلاح، التي كان يمكن أن تُستوعَب بوصفها حركةً جديدة داخل نطاق الكنيسة العالمية، اضطُرَّت إلى الانعزال، وتطوَّرت بحيث أصبحتْ تتألف من عددٍ من الكنائس البروتستانتية القومية. وحين بدأت الكنيسة الكاثوليكية تُصلح نفسها أخيرًا، كان أوان رأْبِ الصدع الديني قد فات.
أما التطوُّر الهام الرابع فقد نشأ مباشرةً عن إحياء الدراسات التجريبية وهو الإحياء الذي استهلَّتْه حركة النقد عند أوكام Occam.
وخلال القرنين التاليين حدَث تقدُّم هائل في ميادين علمية مُتعددة، من أهمِّها إعادة اكتشاف نظام مركزية الشمس على يدِ كوبرنيكوس، وقد طبع الكتاب الذي عرَض فيه هذا الكشف عام 1543م.
ومنذ القرن السابع عشر، أحرزَتِ العلوم الفيزيائية والرياضية تقدُّمًا سريعًا، واستطاعت عن طريق تطويرها الهائل للتكنولوجيا أن تضمَن السيادة للغرب.
والواقع أنَّ التراث العلمي، إلى جانب ما يُضفيه من مكاسب مادية، هو ذاته من أكبر العوامل المُشجعة على الفكر المُستقل. وفي كلِّ مكانٍ امتدَّت إليه الحضارة الغربية، كانت مُثلها العُليا السياسية تأتي في أعقاب توسُّعها المادي.
|