|
القاهرة 09 ديسمبر 2025 الساعة 05:21 م

بقلم : فيليب بول Philip Ball
ترجمة : د. هويدا صالح
لا يمكننا تغيير ما حدث - ولكن يمكننا تعلم اتخاذ قرارات أفضل في المستقبل.
الآن حين ننظر إلى الوراء، نتأمل العام الماضي ونتساءل: كيف تصرفت خلاله؟ هل اتخذت القرارات الصحيحة؟ هل كان من الممكن أن اتخذ خيارات أفضل؟
حسنًا، هل يمكنك ذلك؟ حتمية أن نؤمن بأن العالم يتكشف لنا بطريقة مسبقة بشكل قاس سيقول لا. من ناحية أخرى، إذا كنت تؤمن بالإرادة الحرة، فقد تشعر بالتأكيد من أن القرارات الأخرى كانت متاحة لك، وأن المسارات الأخرى لم يتم اتخاذها. "كان بإمكاني أن أفعل خلاف ذلك" أحيانًا ما يؤخذ هذا على أنه تعريف الإرادة الحرة.
لكن السؤال عما إذا كان بإمكانك الاختيار بشكل مختلف ليس سؤالًا بنعم أو لا - في الواقع، إنه سؤال لا معنى له. إذا كانت الإرادة الحرة موجودة، فلا يمكن أن تعبر عنها بـ :هل كان بإمكاننا الاختيار بشكل مختلف.
بالتأكيد، هذا يبدو غريبا. لكن إذا أردنا التحدث عن الواقع المادي الفعلي ، فإن مثل هذه الافتراضات ليست مفيدة. فكر في الأمر. إذا كنت تتساءل عما إذا كان يجب عليك شراء تلك السيارة الأخرى، فماذا يعني ذلك حقًا؟ حتما فكرت في الأمر لعدة أيام، كل هذا التفكير يغذي قرارك. كل الأشياء التي تعمل في اللاوعي تؤثر على اختيارك أيضًا - حتى، ما تناولته على الإفطار.(وجدت دراسة في عام 2011 أن الأحكام القضائية تكون أكثر تساهلاً بشكل منهجي بعد استراحة غداء القضاة) ما الذي تتخيله بالضبط يمكن أن يتغير بالضبط؟ هل ستغير قرارك لو أتيحت لك الفرصة مجددا حيث "كل شيء هو نفسه باستثناء قراري". لا يتم فرض القرار بطريقة ما على بقية العالم، ولكنه ينبثق عنه.
إنه نفس الشيء إذا سألنا عن تغيير المستقبل. حتما لن يمكنك القيام بذلك - ما سيحدث هو أمر مسبق. لكن هذا لا يعني أن أحدهم يمكن أن يتنبأ بهذا المستقبل، حتى لو كان بإمكانهم تقديم بعض التنبؤات الجيدة حول جوانب منه. المسألة ليست فقط المعلومات التي يمكن أن تتوفر لديهم. سنفتقر دائمًا إلى المعلومات. التنبؤ الدقيق يتطلب عدم حذف أي شيء جوهريًا - بحيث لا يمكن تمييزه عن العالم نفسه (ما يسمى بعدم الاختزال الحسابي). أضف ذلك إلى العشوائية المطلقة للأحداث على المستوى الكمي؛ لذا من المستحيل أن تكون متأكدًا تمامًا من أي شيء يحدث حتى يحدث بالفعل. لا يمكننا معرفة المستقبل إلا عندما يأتي.
بعبارة أخرى، المستقبل أيضًا شيء لا يمكن تغييره - ليس لأن العالم حتمي ونفتقر إلى الإرادة الحرة، ولكن بحكم التعريف: المستقبل هو ببساطة "ما سيحدث". الحتمية التي تقول في كل لحظة: "كان من المؤكد أن يحدث هذا، رغم أنني لم أستطع توقع ذلك" لا يضيف شيئًا إلى هذه الحقيقة البسيطة.
ومع ذلك، ما زلنا نتساءل عما إذا كان بإمكاننا التصرف بشكل مختلف في الماضي وما إذا كان بإمكاننا تغيير المستقبل. ولكن، عندما نفعل ذلك، فإننا لا نتساءل عن الأشياء التي حدثت بالفعل أو قد تحدث؛ نحن نظهر القدرات التخيلية لعقولنا. هذا هو الشيء الاستثنائي في العقل: إنه غير محدود. كما كتبت إميلي ديكنسونEmily Dickinson:"الدماغ - أوسع من السماء." نحن نعمل باستمرار على إنشاء عوالم عقلية بديلة بناءً على تصورنا الداخلي لكيفية عمل العالم الحقيقي. قد تتوافق أو لا تتوافق مع ما يحدث أو ما حدث، بل يمكن أن تتجاهل تلك التصورات الداخلية ما يحدث تقريبًا. بعبارة أخرى، هي جزء من الجهاز المعرفي لصنع القرار نفسه. كما يقول الفيلسوف دانيال دينيتDaniel Dennett، فإن العقل "ينقب بالحاضر بحثًا عن أدلة ... ويحولها إلى توقعات للمستقبل". هذا هو، بمعنى ما، ما خلقت العقول من أجله.
هل يمكن أن تتحقق هذه العوالم المتخيلة، أو تحدث في المستقبل؟ الجواب ليس نعم أو لا. طرح السؤال في حد ذاته هو الهدف؛ لأنه يحفز الخيارات السلوكية. بعبارة أخرى، نحن نسأل عن البيولوجيا العصبية للإرادة - والتي يجب أن تكون المكان الحقيقي للمناقشات حول كل من "الإرادة الحرة" والمسؤولية الأخلاقية. كما يقول العالم المعرفي أنيل سيثAnil Seth، فإن الهدف من امتلاك ما نسميه الإرادة الحرة ليس أن نفعل أي شيء بشكل مختلف في الوقت الحالي (يختلف عن ماذا؟). ولكن يمكننا التعلم من أفعالنا لإعادة ضبط دوائرنا الاختيارية وتحسينها في المستقبل.
ولهذا السبب نسأل: "هل كان بإمكاني فعل شيء آخر؟" كما يقول دينيت: "نسأل لأن شيئًا ما قد حدث ونرغب في تفسيره ... أي أننا نريد أن نعرف ما هي الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها منه بشأن المستقبل." يقول دينيت إن الشيء الرئيسي "هو التأكد من أنني سأتصرف بشكل جيد جدًا في مواقف مماثلة في المستقبل" (إذا كان هذا شيئًا نندم عليه بالفعل). ولكن هل لدينا تلك القوة الذاتية، أم أننا مجرد آلات مدفوعة بقوى خارجة عن سيطرتنا أو ملكنا؟ على عكس ما يُزعم كثيرًا، لا يصر العلم الحديث على أنك تحت سيطرة جزيئاتك. (ولا تنخدع بتجارب علم الأعصاب الشهيرة التي يُزعم أنها تُظهر أن أفعالنا يمكن التنبؤ بها من خلال نشاط الدماغ قبل أن ندرك أننا اتخذنا القرار؛ إنها خداع أحمر.) بدلاً من ذلك ، يبدو أنها تُظهر ذلك، في الأنظمة المعقدة مثل الدماغ، لا تتدفق القوة السببية كلها من الأسفل إلى الأعلى. دوائرنا العصبية الإرادية هي أسباب حقيقية للأشياء التي تحدث. نحن لا نغير المستقبل (مفهوم لا معنى له)، بل نحن جزء مما يصنعه.
هذا، كما يقول دينيت، هو أساس "الإرادة الحرة التي تستحق السعي إليها". أعتقد أنه حتى بعض الذين يؤمنون بالحتمية يعرفون هذا في أعماقهم. إن الرأي الوارد في كتاب الفيزيائية سابين هوسينفيلدرSabine Hossenfelder "الفيزياء الوجودية" أن "المستقبل ثابت باستثناء الأحداث الكمية العرضية التي لا يمكننا التأثير فيها" تقوضت إلى حد ما من خلال ملاحظتها أن "التقدم [في العلم] يعتمد على الاختيار والجهد. والأمر متروك لنا." لحسن الحظ، إنه كذلك.
القفزة الذهنية في هذا المنظور هي التمكين والتحرير في نفس الوقت. للتفكير: "إذا اخترت X فقط، وليس Y!" يمكن أن يكون شوكة في ظهرك - مصدرًا للندم وجلد النفس. أو قد تكون فرصة للتعلم: " فتقول لنفسك : الآن أعرف ما سأفعله في المرة القادمة." ربما ستفعل هذا العام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيليب بول كاتب علمي ومؤلف كتاب "كتاب العقول: كيف نفهم أنفسنا والكائنات الأخرى ، من الحيوانات إلى الأجانب".
نشر المقال في الجارديان بتاريخ 3 يناير 2023
https://www.theguardian.com/books/2023/jan/02/the-big-idea-could-you-have-made-different-choices-in-life
|