|
القاهرة 09 ديسمبر 2025 الساعة 05:19 م

بقلم: شيماء عبد الناصر حارس
وحينما يأتي وقت الكتابة، أبحث عن راحة أعرف أني لن أجدها، وأنا مثل لاجيء حرب لدي الكثير من المتاعب أؤجلها حتى تنتهي الحرب وحتى أجد مكانًا آمنًا بعيدا عن القصف، ربما أضطر لاستخدام هذا التشبيه لأني أشاهد أحداث الحروب كل يوم تقريبا، أعيش معهم في جو المأساة، واصطحب أصوات الفزع إلى نومي وأحلامي، واسأل نفسي ما جدوى الحياة بعد كل هذا العبث؟
وأنا بيدي المرتعشة أحاول لملمة أحزاني وأوجاعي لكن قلبي الحزين المرتجف يستعجب من كل هذا القدر من الآلام، هل الكتابة تريحني، وهل فهم نفسي سيأخذني إلى بر الأمان.
هل تكف روحي عن العبث بي وبقلبي وتهدأ قليلا، في هذا الوقت الذي أكتب فيه أشعر بضياع غريب، رغبة في الصراخ من كثرة الوجع، إن الكلمات في حد ذاتها ألم، واستحضاري لحالة الكتابة ألم، اغتراب في عالم مغترب، ورغم كل هذا القدر من التجارب لا زلت مثل طفلة تتوجع حينما ترى عصفورا يبكي، وتجري فورا لأقرب حضن تعرفه لكي تختفي عن المشهد وتخبيء نفسها داخل حضن أكبر منها في محاولة للهروب، لكن الموقف رغم هروبها موجود، والعصفور يبكي وهي حزينة والحضن يتضاءل مع الزمن ويختفي.
في صفحات الألم تتوه البسمة ويذوب القلب، وفي صفحات الألم ترتعش الأيدي والعيون وكل الجسد، فكيف أكتب وأمسك بالقلم وأنا كلي أرتعش، وهل تفهمني نفسي ويهمها أصلا أن تفهمني مثلما أحاول فهمها، الناس حولي واجمون، أو ربما هكذا أراهم، أسقط حزني على وجههم، وأتحاشى رؤية ابتساماتهم، لو أن هناك من يبتسم، أتذكر كل كلمات الأغاني الحزينة، وفي انكساري يغرق الجرح بالأعماق، وتتوه نفسي وسط كل هذا القدر من الآلام، فهل أستطيع أن أجدها، ولو وجدتها هل أستطيع فهمها.
العالم سردية، قل لي ما هي سرديتك أقول لك من أنت.
أجلس في أي وقت مع نفسي أخاطبني وأخبرني وأسألني وأجيبني، أتوه بين الأسئلة وتتقافز الأفكار في رأسي، فأهشها وأخبرها أني أريد النوم مثلا أو العمل أو حتى الراحة، لكني في الحقيقة أفعل ذلك وأنا مثل الذي يرفض طبقه المفضل، يرفضه وعينه فيه، أحب الأسئلة وأحب الإجابات حتى لو كانت مرة، أحب بالفعل هذه اللعبة حتى لو كانت أكبر مني ومن قدراتي، هذه نفسي التي تتشظى بين الطرق، ويجمعها طريق واحد، هذه روحي، هذه سرديتي التي أكتبها بنفسي لا شيء لكن لكي أنجو.
حتى للعقل سرديته الخاصة
أعود إلى المنزل بعد العمل فأكتب، ليس لدي القدرة على أي شيء، لا أغسل الأطباق، ولا أنظف المنزل –وهو يحتاج إلى تنظيف- ولا حتى أنام أو أستريح –هذه نكتة- بالطبع لا أعرف معنى الراحة أصلا، وش في عقلي وضوضاء كأني في فيلم تسجيلي قديم، وصداع بالطبع، الصداع معي أينما ذهبت، في الصباح، أثناء اليوم وفي المساء، بودي أن أنام، أحلم بالنوم، أن أضع رأسي على السرير فأنام لنصف ساعة مثلا وبعدها أستيقظ فأتابع التلفاز بتركيز أو أنظف البيت أو أفعل أي شيء بعيدًا عن أحلام اليقظة. أحلام اليقظة هي السردية التي يريد عقلي إجباري على تصديقها ببساطة.
وهناك امرأة تجلس في مكان ما تكتب: "أعيش حياة بوهيمية، أتساءل متى سأجد نفسي، الحب كان بالنسبة لي كالمسكن للمريض، كجرعة مخدر لا تلبث أن تتلاشى سريعا حينما تفقد مفعولها وأضطر لطلبها مرات أخرى، هو هكذا، أدمنته وأصبحت كل يوم أدمنه أكثر".
أحاول أن أخبرها أن تلك فقط سردية ما يحاول قلبها أن يجبرها على تصديقها، أو ربما عقلها يحاول مراوغتها مرة أخرى ويخبرها أن تلك الحقيقة، ولا حقيقة غيرها.
سردية من القلب وسردية من العقل وأخرى من العالم، أو أخريات من العالم، أعرف السردية الكاذبة على الرغم من دقة حبكتها واحترافيتها لكنها كذبة في النهاية، وأعرف الصادقة منها على الرغم من ضعفها وقلة من يصدقها وقلة حيلتها وحيلتهم لكنها الحقيقة في النهاية.
من السردية إلى الغضب
ومن الغضب إلى السردية
ومن الاثنين معا إلى الكتابة عنهما
لا أستطيع النوم ولكني مجبرة على بدء اليوم بكتاباته بسردياته بغضبه بألمه بحزنه بموت الناس وبجوع آخرين.حتى ولو لم أنم أغلب الليل، أو حتى لو كان النوم لا يجدي نفعًا، أقوم مرهقة كأني كنت أصارع الوحوش طوال الليل.
|