|
القاهرة 09 ديسمبر 2025 الساعة 05:11 م

كتب: عبده الزرَّاع
يحتلّ سليمان العيسى مكانة فريدة في أدب الأطفال العربي، ليس فقط لكونه شاعرًا مخضرمًا عاش التحولات الكبرى في القرن العشرين، بل لأنه استطاع أن يحوّل تجربته الشخصية المبكرة ـ المجبولة بالعلم والحفظ والترحال والنضال ـ إلى مشروع تربوي شعري متكامل موجّه للطفل. فمنذ نشأته في قرية “النعيرية” على ضفاف العاصي، تفتّحت موهبته على يدي والده الذي غرس فيه حب اللغة والقرآن والشعر، فانبثقت منه حساسية جمالية مبكرة ونبرة صادقة سترافقه طوال مسيرته. وحين جاءت نكسة 1967، وجد العيسى نفسه أمام منعطف جديد، أدرك معه أن بناء وعي الطفل هو المدخل الأعمق لصناعة مستقبل الأمة، فتوجّه بكامل طاقته الإبداعية إلى شعر الأطفال، ليصبح أحد أبرز روّاده في العالم العربي. لقد صاغ العيسى للأطفال عوالم نابضة بالخيال والبطولة والتراث، وكتب قصائد ومسرحيات تجمع بين البساطة والعمق، وتُربّي الذائقة الجمالية بقدر ما تُوقظ الحس الوطني. وهكذا غدا إرثه الشعري شاهدًا على تجربة إنسانية وفكرية واسعة، أسهمت في تشكيل وجدان أجيال كاملة من الصغار.
وُلِد الشاعر السوري الكبير سليمان العيسى سنة 1921 بقرية "النعيرية" في أنطاكية التابعة للواء الإسكندرونة، تلك القرية الهادئة بجمالها وطبيعتها الساحرة وبساتينها الفواحة بعبير الزهور، والواقعة على ضفة نهر العاصي. لم يلتحق العيسى بالمدرسة النظامية في صغره مثل أطفال قريته، إلا أن والده الشيخ أحمد ـ رحمه الله ـ تولى أمر تعليمه وتثقيفه بشيء من الشدة والحزم، ليعوّضه حرمانه من الدراسة. ورغم ميل سليمان في طفولته إلى اللعب واللهو مع أقرانه، فقد اجتهد والده في تحفيظه سور القرآن الكريم وتعليمه مبادئ الخط وقواعد النحو والصرف، بل جعله يحفظ ديوان المتنبي في تلك السن المبكرة، مستخدمًا معه أسلوب المكافأة المباشرة والتشجيع، فكان يقدمه لأهل القرية معتزًا ومتباهيًا به، طالبًا منه أن ينشد ما يحفظه من شعر المتنبي أو شوقي أو شعراء المعلقات أو حتى بعض قصائده هو نفسه.
يقول العيسى: "كنت ألبي الدعوة في شيء من الرضا والزهو، وأغني القصيدة باللحن الذي أختاره، ويغمرني سيل من الثناء، وفي مقدمة المادحين عمي الشيخ عيسى، الذي كان يطرب لإنشادي، فما أكاد أفرغ من القصيدة حتى ينهال عليّ بالدعاء من أعماقه: طيب الله حسّك (أي صوتك) يا بني."
نبوغه المبكر
في السابعة من عمره كان "الطفل الشاعر" قد أتمّ حفظ القرآن الكريم، وأتقن الخط وعمليات الحساب الأربع، وألمّ بمبادئ النحو والصرف. وفي التاسعة أو العاشرة بدأ كتابة الشعر، فكان أول ديوان له في القرية يتحدث عن هموم الفلاحين وبؤسهم.
ألحقه والده بالمدرسة الابتدائية في أنطاكية، فوضعه المدير مباشرة في الصف الرابع. وفي تلك الفترة اشتعلت ثورة اللواء العربية ضد مؤامرة فصله عن سوريا، فشارك العيسى بقصائده القومية في المظاهرات والنضال الوطني، وهو بعدُ في الصفين الخامس والسادس الابتدائي.
وحين لمس الأب نبوغ ابنه لجأ إلى أسلوب آخر من التحفيز، فكلّفه بمساعدة بعض التلاميذ في تصويب قراءتهم للقرآن الكريم. وفي المرحلة الثانوية غادر لواء الإسكندرونة لمواصلة النضال ضد الانتداب الفرنسي، وتنقّل في ثانويات حماة واللاذقية ودمشق. وهناك ذاق مرارة التشرد، وعرف قيمة الكفاح في سبيل الأمة ووحدتها، وشارك في تأسيس حزب البعث وهو طالب في ثانوية "جودة الهاشمي" بدمشق في أوائل الأربعينيات.
كفاحه ونضاله
درس في دار المعلمين ببغداد، ثم عمل مدرسًا في مدارس حلب وموجّهًا أول للغة العربية بوزارة التربية السورية. وهو عضو في جماعة "شعر" التي أسسها أدونيس ويوسف الخال. وانتسب مبكرًا إلى حزب البعث، ودخل السجن غير مرة بسبب قصائده القومية. كما كان دؤوبًا في تثقيف نفسه، فأتقن الفرنسية والإنكليزية وألمّ بالتركية إلى جانب لغته الأم. أحب السفر والترحال، فزار معظم أقطار الوطن العربي وعددًا من البلدان الأجنبية، وأقام سنوات في اليمن، فأحبها وكتب عنها ديوان "اليمن في شعري" الذي ترجمته زوجته ملكة أبيض إلى الفرنسية، كما أصدر ديوان "يمانيات" الذي يضم أكثر من 43 قصيدة عن اليمن أرضًا وإنسانًا وتاريخًا.
وقد شاركته زوجته في ترجمة نصوص أدبية، خاصة لكتّاب جزائريين كتبوا بالفرنسية، إضافة إلى ترجمات لمسرحيات وقصص عالمية للأطفال. أما هو، فقد نشر عددًا كبيرًا من الدواوين الشعرية للكبار، بدأها بديوان "مع الفجر" (1952) في حلب، ثم "شاعر بين الجداول" (1954)، و"أعاصير في السلاسل" (1954)، ليختم مرحلته هذه بديوان "كلمات مقاتلة" (1961).
توجهه إلى الكتابة للطفل
شكلت نكسة 1967 منعطفًا كبيرًا، إذ نبهت الشعراء إلى تقصيرهم في حق الأطفال. وكان العيسى من أوائل من أدركوا أهمية مخاطبة الطفل شعرًا ومسرحًا، مؤمنًا بضرورة غرس الوعي الوطني في الأجيال الجديدة. فأصدر دواوين ومسرحيات شعرية للأطفال مثل: "أغنيات صغيرة" (1967 – بيروت)، "أغنية في جزيرة السندباد" (1971 – بغداد)، أغانٍ بريشة البرق" (1971 – دمشق) شعر الأطفال" (1969 – دمشق)، المستقبل" مسرحية شعرية للأطفال (1969 – دمشق)، النهر" (1969 – دمشق) وغيرها.
وتُعد مسرحية "النهر" من أبرز أعماله، إذ ترمز للاحتلال الصهيوني والعدوان والطغيان، وتدعو ـ في لغة شعرية بسيطة وموحية ـ إلى مقاومة الشر والانتصار للخير.
ذكريات الطفولة
ظل العيسى وفيًا لفضل أبيه، فكتب يقول في إحدى قصائده:
قبلَ أن تُوقدَ لي شمعةٌ
ويُذكر اسمي في كتابِ الضياء
...
عُوجوا على قبرٍ عظيمٍ فجّرني
نورًا بليلِ العَـماء
وكان والده قد لقنه درسًا قاسيًا لم ينسه، حين صفَعه ذات مرة لأنه سرق مع رفاقه بعض المشمش من بستان الإقطاعي. داس الوالد الثمار بقدميه، وظل الابن يتذكر تلك الواقعة التي علّمته النقاء ونظافة اليد طوال حياته.
علاقته بالتراث
انشغل العيسى بالتراث العربي وأراد أن يقدمه للأطفال في صورة شعرية جديدة جذابة، تجمع بين البساطة والصدق الفني. فأبرز بطولة أسامة بن زيد في "نشيد أسامة"، وخلّد سيد درويش باعتباره فنان الشعب، واستحضر أبا فراس الحمداني ليهدي سيفه للأطفال. وهكذا، زاوج بين التربية والفن، وبين الوعي التاريخي والصدق الجمالي.
المراثي في شعره
رثى أمه التي كانت مثالًا للصفاء والعطاء، وكتب عنها في نشيده للأطفال: "لم تكن تقرأ أو تكتب... عوضتنا قلبًا يسع الدنيا محبة." وجاء رثاؤه لها من أرق ما كتب في المراثي، مشبعًا بالصور المؤثرة والإيقاع الحزين.
إرثه ورحيله
غنّى سليمان العيسى للطفولة مؤمنًا أن طفل اليوم هو رجل الغد، وترك تراثًا شعريًا ضخمًا ومميزًا جعله من أبرز شعراء الأطفال في العالم العربي. وفي التاسع من أغسطس 2013، رحل بدمشق عن عمر ناهز 92 عامًا، تاركًا أثرًا خالدًا في أدب الطفولة العربي.
|