|
القاهرة 09 ديسمبر 2025 الساعة 05:08 م

حوار: حسين عبد الرحيم
يُعدّ كتاب "بورسعيد.. من دفتر أحوال الذكريات" للكاتب هاني عبد العزيز عجيبة شهادةً اجتماعية حيّة، وصورة نابضة بالحياة تُجسّد ملامح حقبة الثمانينيات، وترصد التحولات التي طرأت على المجتمع البورسعيدي عبر العقود الأخيرة.
يزاوج الكاتب، من خلال هذا الكتاب الصادر عن دار مسار للنشر والتوزيع في 185 صفحة من القطع فوق المتوسط، بين قدراته كباحثٍ وكاتبٍ يمتلك شغفًا بالتاريخ والموروث الشعبي، وبين عشقه العميق لمدينته. يوظّف هذا الشغف في التفكير والطرح، ويمنح الكتابُ، برؤيته المشهدية، جاذبيةً خاصة، تتيح للقارئ العام فهم معانيه، وتقدّم في الوقت ذاته مادة ثرية تفيد الباحثين في مجالي التاريخ والثقافة الشعبية.
الكتاب أقرب إلى سيرةٍ تُنسَج خيوطُها من مزيجٍ رفيع من السرد الشخصي والتأمّل الوجداني والتوثيق التاريخي؛ تستند إلى وهج الذاكرة بما تحمله من تفاصيل دقيقة ومعايشة حيّة، في سعيٍ لردم الهوّة بين التكوين الذاتي والنسيج الثقافي العام. كلّ ذلك يأتي ضمن بحثٍ حرّ لا تُقيّده صرامة المناهج الأكاديمية.
كما يضعنا الكتاب في عين مشكلات عدة من قبيل اندثار العادات الاجتماعية، والموروثات الشعبية، وضياع القيم الاجتماعية التي كانت سائدة في تلك الحقبة المهمة، وحدوث التفاوت الطبقي الشديد، والاستقطاب الاجتماعي الحاد، وكيف أضعفت تلك التحولات أصالة هذا الشعب.
لا يكتفي الكاتب في هذا المضمار برصد التحولات الاجتماعية التي شهدتها بورسعيد في أواخر سبعينيات القرن الماضي وحقبة الثمانينيات، بل يسعى إلى فهم جذورها التاريخية والاجتماعية والنفسية. وهو في ذلك مدفوع برسالة جوهرية تهدف إلى تنشيط الوعي الجمعي، وتعزيز الهوية الثقافية، وربط الأجيال الجديدة بماضيهم، حفاظًا على هذا التراث الفريد من الاندثار، بما يحمله من دلالات عميقة تُسهم في صون روح المدينة الغنية بتاريخها النضالي في مقاومة المستعمر.
ولمزيد من التعرف على تجربة الكاتب هاني عبد العزيز، أجرينا معه الحوار التالي:
حدثنا.. ما هي الدوافع لكتابة هذا العمل؟
لأني توصلت إلى أن كل شيء قد تبدل، ولم يبق على حاله، وليس له وجود إلا في ذاكرتي.
ومثلت لىي هذه الحقيقة لحظة فارقة اختلط فيها الحنين للماضي، مع الرغبة فى إعادة اكتشاف ما يحدث.
وبدأت أرى بورسعيد وكأني أراها للمرة الأولى، ومن هنا، صارت الكتابة طريقتي الوحيدة للعودة، وسبيلي للبحث عنها بين طبقات الزمن المطموس، وكأنني أنقّب عن كنز دفنته الحياة عمدًا.
وسعيت إلى توثيق العادات والطقوس الشعبية المتوارثة في بورسعيد وتأصيلها، لتكون مرجعًا مبسّطًا للأجيال القادمة؛ يحفظ الذاكرة الجمعية، ويعزز الهوية الثقافية، ويربط الأجيال الجديدة بماضيهم، حفاظا على هذا التراث الفريد من الاندثار.
ماذا تبقى من بورسعيد التي كتبت عنها في كتابك "بورسعيد من دفتر أحوال الذكريات "؟
شهدت بورسعيد مرحلة تحولات كبرى فى المجتمع البورسعيدي، إثر تبنى الدولة "سياسة "الانفتاح الاقتصادي" فى منتصف السبعينيات، كان من أبرز صورها تحويل بورسعيد إلى "منطقة حرة " عام 1976م، وما تبعها من تغيرات جذرية، واسعة وعميقة طالت المجتمع المصري بشكل عام، والبورسعيدي على وجه الخصوص، والتي ساهمت فى إنهاء أساليب الحياة القديمة، التى ظلت قائمة لعقود، وحلّت محلها أساليب جديدة، وما صاحب ذلك من تغيرات عاصفة في العادات والتقاليد، وأنماط الحياة، وأساليب العيش، فى فترة كانت بمثابة مرحلة انتقالية بين الهدوء والعاصفة التي اجتاحت العالم.
وجدت نفسي أمام منزلنا القديم فى مسقط رأسي بحي العرب، أكثر الأماكن انتماءً إلى روحي، وقفت أمام عتبة البيت الذي احتضن سنوات الطفولة، وبواكير وعيي، كما يقف العائد بعد غياب طويل، وقفت أتحسس شكل المبنى، والجدران، النافذة المغلقة التى كانت يوماً ما مفتوحة على مصراعيها.
لقد حرك المكان داخلي كل ما همشته الحياة، وأقفلت عليه سراديب الذاكرة، أعاد لي وجوهًا وأصواتًا وأماكن حسبت أني تجاوزتها، فإذا بها تسكنني من جديد."
وقفت اتفحص البنايات المجاورة؛ تفاصيل البيوت الخشبية ذات الطابع المعماري المميز، تقف صامدة تتحدى الزمن، فى مواجهة إعصار الحداثة الجارف، تراسينات مفتوحة – تلك النوافذ التي تشبه المشربيات أو المشرفيات- تطل على صمت، بعدما غابت عنها الوجوه التي كانت تملؤها حياة. كانت يوماً ما تعجُّ بلعب الأحفاد، وضحكاتهم، قبل أن يهجرها أهلها.
وجوه الباعة، الذين كانوا بالأمس القريب يجنون المكاسب الوفيرة، صاروا اليوم يواجهون كساد البضائع، وهجر الأسواق، بعد أن تبدّلت أحوالهم من الوفرة إلى الندرة، ومن الزحام حول بضائعهم إلى فراغ موحش لا يقطعه سوى نظرات الترقب والخيبة.
تغيرت معالم الشارع، ولم يتبقَ منها سوى زاوية صغيرة كنت أصلّي فيها طفلاً، ولافتة قديمة لمحلٍ مغلق يقع في مواجهة منزلنا، مكتوبٌ عليها (أبو طارق)، سقطت منها حروف من اسمه حزنا على رحيله.
أصاب الشارع ما أصاب شوارع حي العرب من عشوائيةٍ؛ فقد زحفت البضائع إلى منتصف الطريق، واحتل الباعة الأرصفة، حتى ضاقت الشوارع والحارات بالمارة. كنت أصطدم بكل شيء يقابلني؛ بشرًا أو مانيكانات، أسير كالغريب الذي مزّقته الأيام، وطوّح به الزمن بعيداً عن الأحبة ورفاق الطفولة والصبا.
هالني ما وصلت إليه الأمور من تدهور، تغيّرت معالم المدينة، وتلاشت ملامحها، ولم أجد فيها ما كنت أبحث عنه في ذاكرتي، كأنها أغلقت أبوابها أمام مَن يعود متأخرا بعد غياب طويل.
ويذكر من شواهد هذا التغيير.. اندثار المشهد المعماري والثقافي: -
هُدم الجامع التوفيقي الأثري، وأقيم على أنقاضه مسجد حديث بلا هوية.
هُدمت مدرستي "الفتح الابتدائية" وحلّ محلها برج سكني.
هدمت شاليهات أطلس على شاطئ البحر، التي كنت أقيم فيها مع جدّتي صيفًا.
حديقة فريال التاريخية نالتها لعنة "التطوير"، وهي التى شهدت فى الماضي حفل افتتاح قناة السويس سنة 1869.
أزيل سور الميناء القديم، وأُنشئ الممشى السياحي، فاحتجب المجرى الملاحي خلفه.
احتُجب فنار بورسعيد القديم خلف الأبراج الإسمنتية التى فاقته ارتفاعا، وهو أعجوبة عصره، وأول مبنى خرساني في العالم.
هُدمت معظم مباني بورسعيد ذات الطابع المعماري المميز، وتحولت البقية إلى أطلال.
أُغلقت معظم دور العرض السينمائي، وهدم معظمها.
أُهمل نادي المسرح بشارع ممفيس، كما أهمل المسرح الإيطالي بشارع محمود موسى "السلطان مراد سابقاً".
أُغلق البيت الإيطالي «Casa Italia» مركز إشعاع الثقافة الايطالية - الكائن بشارعي عادل طه "السلام سابقاً"، ومحمود صدقي، والمطل بواجهته الشمالية على حديقة التاريخ التى أقيمت على أنقاض فندق بالاس الشهير، وكان يحتوي على مسرح وسينما، وستديو تصوير، ومركز نشر، ومكتبة عملاقة، ومكان مخصص للألعاب والترفيه، وحضرت به عرضا مسرحيا أثناء المرحلة الثانوية.
هدم المسرح الصيفي بشارع طرح البحر، الذي أقيمت عليه حفلات أضواء المدينة فى الخمسينيات والستينيات، وحل محله المركز الثقافي الجديد الذي لم يستقبل أية فعاليات منذ إنشائه.
احترق كازينو الجزيرة على شاطئ البحر.
أُزيلت القنصلية الأمريكية بشارع فلسطين "السلطان حسين سابقاً"، وأُغلقت القنصلية الإيطالية بشارع 23 يوليو "كتشنر سابقاً"، والمبنى على وشك الإزالة.
اختفت الدراجات من شوارع بورسعيد، وهي التى كانت وسيلة المواصلات اليومية، وازدحمت المدينة بآلاف السيارات في شوارع لم تُصمَّم لتحمل هذا الضغط.
أُلغي العرض العسكري في العيد القومي للمدينة الموافق الثالث والعشرون من ديسمبر (ذكرى الانتصار على العدوان الثلاثي عام 1956).
أُوقفت الطقوس الاحتفالية بليلة شم النسيم بدواعٍ أمنية غير مبررة.
وتوصلت إلى أن كل شيء قد تبدل، ولم يبق على حاله، وليس له وجود إلا في ذاكرتي التعسة.
مثلت لي هذه الحقيقة لحظة فارقة اختلط فيها الحنين للماضي، مع الرغبة فى إعادة اكتشاف ما يحدث.
بدأت أرى بورسعيد وكأني أراها لأول مرة، وأني ما غادرتها إلا للبحث عنها.
ومن هنا، صارت الكتابة طريقتي الوحيدة للعودة، وسبيلي للبحث عنها بين طبقات الزمن المطموس، وكأنني أنقّب عن كنز دفنته الحياة عمدًا.
لماذا لم تلجأ إلى أحد دور النشر الحكومية لنشر كتابك هذا بما يمثله من طرح اجتماعي يخص بورسعيد إحدى مدن المواجه؟
كنتُ آمل أن تتبنّى الدولة نشر كتابي لما أرى فيه من قيمة وأهمية، غير أنّ تجارب سابقة لقممٍ كبيرة—قدّموا أعمالهم إلى دور النشر الحكومية وانتظروا أعوامًا—انتهت بلا ردّ أو حتى اعتذارٍ متأخّر عن عدم النشر؛ وهو ما جعلني أنصرف عن ذلك وأختار الطريق الأنسب لكتابي.
حدثنا عن طموحاتك فيما يخص مجال التصوير والكتابة خصوصا أن هناك أكثر من مشروع قائم لك..
كلّ منهما مساحة يكمّل فيها الآخر. في التصوير، أسعى إلى بناء مشروع بصري يوثّق اللحظات الإنسانية التي تتوارى خلف ضجيج اليومي، وأن أقدّم سردًا بصريًا يحمل بصمتي الخاصة، لا يكتفي بالتسجيل بل يفتح باب التأمل. أمّا في الكتابة، فمشروعي لا يزال في اتّساع؛ لديّ أكثر من عمل قيد الإعداد، يجمع بين التاريخ والذاكرة والسيرة، وأطمح إلى أن تتحوّل هذه المشاريع إلى رؤية أعمق لفهم الإنسان وعلاقته بالمكان والزمن.
في النهاية، ما أريده هو أن يلتقي الصوت بالصورة، وأن تتكامل الكتابة مع الكاميرا لتصنعا معًا مشروعًا يعبّر عني ويترك أثرًا حقيقيًا.
|