|
القاهرة 09 ديسمبر 2025 الساعة 05:02 م

إعداد: مصطفى علي عمار
مع تسارع الانغماس في عالم الترفيه ومواقع التواصل الاجتماعي، يتكرر سؤال حاد ومؤلم: هل أصبحنا فعلًا أمة لا تقرأ؟
سؤال تفرضه التحولات الراهنة، وتراجع المكانة التي كان يحظى بها العلم والعلماء أمام طوفان الشهرة السريعة التي يتصدرها اللاعبون والمطربون. وفي هذا التحقيق، نستعرض آراء كتّاب ومثقفين عربيين حول جذور الظاهرة، وتأثيراتها، وسبل إعادة الاعتبار للقراءة والثقافة في وجدان المجتمع.
وجهت مجلة "مصر المحروسة" هذا السؤال لعدد من الأدباء والكتاب المصريين والعرب، لنعرف هل هو تراجع القراءة.. أم أزمة وعي؟
يرى كثير من المثقفين أن صورة المجتمع تغيرت جذريًا خلال العقود الأخيرة؛ فبعد أن كان العلم قيمة عليا تُبنى حولها الهيبة والتقدير، تحوّل الاهتمام نحو “التريند”، وصارت أخبار المطربين ولاعبي الكرة أهم من كتب العلماء وابتكارات المفكرين.
وتشير الكاتبة الصحفية سلوى علوان إلى أن الظاهرة ليست طارئة، بل تمتد جذورها لسنوات طويلة:
"صرنا أمة لا تقرأ… هذه حقيقة مؤلمة تتزايد عامًا بعد عام، خاصة مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي التي التهمت منافذ الثقافة الحقيقية، ورسخت الاستسهال، وعمّقت السطحية في تداول المعلومات."
وتضيف أن الإعلام ساهم في تدهور الذوق العام عبر تقديم “النماذج الهابطة”، وتخصيص مساحات واسعة من البرامج والصحف لأخبار الفنانين، مقابل تهميش العلماء والكتب والبحث الجاد.
ـ المدرسة… حين غابت أولى بوابات القراءة:
تؤكد سلوى علوان أن ضمور دور المدرسة كان عاملًا حاسمًا في انطفاء العلاقة بين الأطفال والكتاب:
"أين حصص المكتبة والقراءة؟ أين تلك الحصة الأسبوعية التي كانت تصنع شغفًا لدى الصغار؟"
وتشير إلى أن القراءة تبدأ عادة منذ الطفولة، وأن غياب هذه البيئة الأولى جعل الأطفال يكبرون بلا عادة ثقافية راسخة، رغم توفر آلاف الكتب إلكترونيًا مجانًا.
ترهل مكانة العلماء.. وصعود نماذج الشهرة السريعة:
في منظور علوان، تراجع حضور العلماء سببه أيضًا ضعف التقدير الرسمي والمجتمعي لهم، وافتقاد البيئة الداعمة التي تساعدهم على الإبداع.
وتربط هذا التراجع بما حدث لعدد من العلماء العرب الذين اغتيلوا أو هاجروا، بينما يبرز اللاعب أو المغني كنموذج جذاب للأطفال لأنه يمتلك الشهرة والمال السريع.
وتحذر من أن هذا التحول يساهم في تكريس الجهل، ويُنتج مشكلات اجتماعية واسعة مثل العنف والتحرش والتطرف.
سالم شعوير: السوشيال ميديا تسرق الأجيال:
أما الكاتب والمؤلف المصري سالم شعوير فيرى أن الإعلام والاقتصاد والواقع السياسي كلها عوامل دفعت الشباب للعزوف عن القراءة:
"الشباب انصرفوا إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي تبتلع أوقاتهم بلا فائدة. كما أن الظروف الاقتصادية الصعبة والحروب والأزمات السياسية جعلتهم يبحثون عن الترفيه السهل بدل الثقافة".
ويروي قصة حقيقية من الثمانينيات، تكشف المفارقة بين تقدير الراقصات والعلماء في المجتمع، حين تقاضت راقصة 250 جنيهًا عن ربع ساعة رقص، بينما حصل عالم كبير على 25 جنيهًا فقط مقابل إعداد وتقديم برنامج علمي كامل.
وتختم الراقصة عبارتها الشهيرة للعالم: "ما تروح ترقص يا أستاذ!".
لتبقى القصة شاهدًا على اختلال سلّم القيم.
جمال الدين خنفري: أزمة قراءة.. وأزمة قيم؟
الكاتب الجزائري جمال الدين خنفري يرى أن أزمة القراءة جزء من سلسلة أزمات كبرى يعيشها الشباب:
"أصبح الكتاب آخر اهتمامات الجيل الجديد، وتخلت المؤسسات التعليمية عن دورها في تنمية روح المطالعة. الشباب يبحث عن ما يخفف عنه ضغوطه النفسية والاجتماعية، فوجد ضالته في كرة القدم والموسيقى."
ويؤكد أن انبهار الشباب بنجوم الكرة والطرب ليس سوى محاولة للهروب من واقع محبط، بينما تراجع دور العلماء في المجتمع مع بروز “علماء السوء” الذين شوّهوا صورة العلم الحقيقي.
ويقترح خنفري إعادة إدراج نصوص العلماء في المناهج الدراسية مع سيرهم الذاتية، لاستعادة الصلة المفقودة بين الجيل الحالي ورموزه العلمية.
إسماعيل خوشناو: تمرد على العقل:
أما الكاتب والشاعر الكردي الكبير إسماعيل خوشناو فيصف الظاهرة بأنها “داء” أصاب الشباب:
"التمرد على الثقافة والقراءة داء أخذ بعنق أغلب شباب وطني… هم يريدون ما تهواه قلوبهم لا ما يحتاجه عقولهم".
ويؤكد أن الشباب يفضلون اللهو واللعب لأن القراءة تتطلب جهدًا، بينما الترفيه جاهز وسريع ويقدم لذته بلا عناء.
كيف نعيد الاعتبار للقراءة؟
تتفق الآراء على أنّ إعادة الأمور إلى نصابها تتطلب مسارًا طويلًا يبدأ من الأسرة ويمر بالمدرسة والإعلام وتنتهي بالدولة. ومن هذه الحلول:
إصلاح جذري للتعليم:
ـ إعادة حصة المكتبة والقراءة في المدارس.
ـ تثقيف المعلمين وتطوير دورهم بوصفهم قدوات معرفية.
ـ تنظيم أنشطة قرائية منتظمة وجوائز تحفيزية.
2. دعم الأسرة بالتدريب والتوعية:
ـ برامج حكومية لتدريب الشباب المقبلين على الزواج حول التربية القائمة على الثقافة والكتاب.
ـ تشجيع القراءة في سنوات الطفولة الأولى.
3. إعلام مسؤول:
ـ تقديم العلماء كنماذج حقيقية.
ـ إنتاج برامج وثائقية وثقافية جذابة.
ـ مقاومة "تريند التفاهة" الذي يصنع شهرة بلا قيمة.
4. مؤسسات ثقافية فعّالة:
ـ نشاط حقيقي لقصور الثقافة ومراكز الشباب.
ـ ندوات وورش وحلقات قراءة للشباب.
وتختتم التحقيق الروائية المصرية الأقصرية ابتهال الشايب فتقول:
إنني أرى أن ضغوط الحياة والإحباطات والمشاكل والظروف الاقتصادية الصعبة تجعل الانسان يميل إلى الأشياء الترفيهية أكتر مثل متابعة اخبار الممثلين والمغنيين والكرة، لأجل أن ينسى همومه في الحياة لكن العلم والثقافة يحتاجان إلى تركيز أكتر ووقت أكبر ونفسية مستقرة وللأسف هذا عند أغلب الناس غير موجود حاليا.
وعلى الرغم من كل هذا لا يزال يوجد شباب يقرؤون ومراهقون أيضا وكثير من الناس يهتمون بالأدب والعلم والدليل الإصدارات الكثيرة
فى الأدب التي تصدر كل سنة، ونحن نرى الشاب وبخاصة في الجامعة يشارك في أندية الأدب أو مهتما بالمسرح أو الكتابة وغيرها من الأنشطة.
وأنا أركز في كلامي عن الأدب لإني موجودة في مجال الأدب اكتر ، أما بالنسبة للعلم فيوجد كثير من الباحثين والعلماء لكن غير معروفين، والتركيز عليهم قليل إلى حد ما.
وانا أرى أن الرياضة وفن التمثيل جزء من الثقافه ولكنهما ليسا أهم من العلماء، والمجتمع يحتاج الفن والعلم ، لكن الأول اخد حقه من الاهتمام أكثر وهذا يرجع لوسائل الإعلام والصحافة التي تسلط الضوء الفن دون العلم.
لكي يصبح العلم والعلماء رقم واحد فهناك الكثير من الأشياء في حاجة إلى تغرير، وأولها اهتمام بالتعليم والظروف الاقتصادية لأن هذا هو الذي سياعد الإنسان إنه يكتشف ويتعلم ويجرب والإعلام أيضا يهتم أكتر بالمجتهدين.
وفي نهاية التحقيق، نجد أن هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى تراجع اهتمام الشباب بالثقافة والقراءة، ومنها ضغوط الحياة والإحباطات والمشاكل والظروف الاقتصادية الصعبة، وتغير نظرة المجتمع في تعظيم العلم والعلماء إلى تعظيم المطربين واللاعبين. ولكن هناك أيضاً العديد من الحلول التي يمكن أن تساعد في إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي، ومنها إعادة الهيبة إلى المعلم، وتأهيل الشباب قبل الزواج، وإعادة الانتظام في الحضور بالمدارس، وتوفير عروض ثقافية حية وواجهات مكتبية تعيش مع الجيل الجديد.. ولعل بداية الطريق نحو التعافي تكمن في أن ندرك حجم المشكلة… ثم نبدأ بإعادة تشكيل الوعي من جديد.
|