|
القاهرة 02 ديسمبر 2025 الساعة 09:48 م

بقلم: بكر صابر
لا شك أن تناول قضايا ذوي الاحتياجات الخاصة يكتسب أهمية كبيرة نظرا لما يتضمنه من طرح لقضايا فئة من المجتمع تحظي حاليا باهتمام كبير من قبل الدولة المصرية.
قبل الحديث بتعمق في الموضوع ينبغي الإشارة إلى أن هناك فارق فيما يبدو لي بين مصطلحين هما :
ذوي الاحتياجات الخاصة، وذوي الهمم، فمصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة أعم وأشمل ويعني أولئك الأفراد الذين ينحرفون عن المتوسط بالاتجاه السلبي أو الإيجابي انحرافا ملحوظا يترتب عليه أن يصبح لهؤلاء الأفراد احتياجات اجتماعية ونفسية وتعليمية ومهنية وصحية خاصة يلتزم بها المجتمع تجاههم.
هناك العديد من القضايا التي تخص الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة مثل التنمر ، والتحرش ، و الإهمال ، و الكراهية ، إلى غير ذلك.
وتتنوع احتياجات الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، تشمل الاحتياجات الخاصة مجموعة واسعة من التحديات التي قد تواجه الطفل في مجالات مختلفة، مثل:
القدرات العقلية: قد يعاني الطفل من صعوبات في التعلم، أو تأخر في النمو العقلي، أو اضطرابات طيف التوحد.
القدرات الجسدية: قد يعاني الطفل من إعاقات حركية، أو مشاكل في الرؤية أو السمع، أو أمراض مزمنة.
القدرات اللغوية: قد يعاني الطفل من صعوبات في التعبير عن نفسه، أو فهم اللغة، أو تأخر في النطق.
القدرات الاجتماعية: قد يعاني الطفل من صعوبات في التفاعل مع الآخرين، أو بناء العلاقات الاجتماعية.
وربما الذي دفعني للكتابة عن هذا الموضوع، ما رأيته من قلة النصوص المسرحية المكتوبة والتي تتناول قضايا ذوي الاحتياجات الخاصة من الأطفال في المسرح المصري، حيث وجدت ما يقرب من سبع مسرحيات وتتناول معظمها شخصية الطفل الكفيف، دون النظر لباقي الفئات من الأطفال، وهو ما يعد قصورا يحتاج لدور أكبر فكما هو معلوم للمسرح دور كبير.
المسرح فن للتعبير والتواصل حيث يمثل المسرح أكثر من مجرد شكل من أشكال الفن؛ فهو وسيلة قوية للتعبير والتواصل، وبوابة لعوالم جديدة. ولأطفالنا ذوي الاحتياجات الخاصة، يكون المسرح بمثابة منصة فريدة للتعبير عن أنفسهم، وتجاوز الحواجز، وبناء الثقة بالنفس.
ومن أشهر المسرحيات التي تناولت قضايا ذوي الاحتياجات الخاصة في مصر ، مسرحية " الموسيقي الصغير " للكاتب عامر علي عامر ، ومسرحية " أحلم يا جحا" ، ومسرحية " خليك مكاني " أو " الصديق الأمثل " للكاتب مجدي مرعي ، ومسرحية " لا تقطفوا زهرة " و مسرحية " كمان زغلول " للكاتب أحمد زحام ، ومسرحية "مغامرة سلام في وادي الأحلام" للكاتب أيمن حافظ ، ومسرحية "بكم أكتمل " للكاتب هاني قدري.
تحليل مسرحي:
وسأتناول بالتحليل مسرحية " أحلم يا جحا " و مسرحية " خليك مكاني " أو " الصديق الأمثل " للكاتب مجدي مرعي، حيث تدور مسرحية "احلم يا جحا " حول شخصية جُحا لكنها تقدمه في سياق معاصر كرمز للساخر الحكيم، حيث يلتقي بمجموعة من الأطفال والمراهقين الذين يعانون من أنواع مختلفة من الإعاقات:
الإعاقة البصرية: طفل لا يرى.
الإعاقة السمعية: طفل أصم.
الإعاقة الحركية: طفل مقعد.
الإعاقة الذهنية (متلازمة داون).
التقزّم.
يتعامل جُحا مع هؤلاء الأطفال، ويشاركهم أحلامهم وطموحاتهم، ويستخدم حكاياته ونوادره لإعادة تعريف مفهوم "الإعاقة" لهم وللجمهور، على الرغم من فكرة الموضوع، حافظت المسرحية على عناصر الإبهار والمرح (كالأغاني والاستعراضات) التي تناسب مسرح الطفل، مما يضمن وصول الرسالة بشكل غير مباشر وممتع.
وفيما يبدو لي أن الهدف الأساسي للمسرحية هو الخروج من التعريف الطبي للإعاقة. يطرح مرعي فكرة أن الإعاقة الحقيقية قد تكون معنوية (نقص الحب، نقص الرعاية، القسوة)، وليست فقط جسدية. تنتقد المسرحية بشكل ضمني ومباشر موقف الشفقة أو التجاهل الذي يتعامل به المجتمع مع ذوي الهمم.
يستخدم الكاتب أسلوب الكوميديا السوداء لتخفيف وطأة الموضوع وكسر حاجز الخجل أو الحساسية لدى الجمهور.
فيما يخص مسرحية " خليك مكاني" أو "الصديق الأمثل" تدور أحداث المسرحية داخل جمعية أو مركز لرعاية الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية، الشخصيات الرئيسية هم الأطفال المقيمون والعاملون في المركز.
يتمحور الصراع حول مفهوم الاندماج وكيفية تفعيل دور هؤلاء الأطفال في المجتمع. يركز النص على مشروع يُدعى "الصديق الأمثل"، وهو برنامج يهدف إلى تدريب أطفال عاديين ليصبحوا أصدقاء وداعمين لأطفال الإعاقة الذهنية، مساهمين بذلك في تطوير مهاراتهم وقدرتهم على الإنتاج.
تمكن الكاتب مجدي مرعي من اختيار عنوان مميز لمسرحيات تمثل في "خليك مكاني "
الذي مثل أداة درامية ليجرب الطفل العادي تحديات صديقه ذي الإعاقة، مما يولد التفهم والتعاطف الحقيقي.
ينبغي الإشارة إلى كون المسرحية ذات بعد تربوي موجه إلى الأطفال العاديين بالدرجة الأولى، لتعليمهم كيفية التعامل مع زملائهم من ذوي الهمم باحترام وتفهم، ونبذ السخرية والتنمر.
أهمية المسرح للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة:
التعبير عن الذات: يوفر المسرح للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة فضاءً آمناً للتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم بطرق إبداعية، حتى لو كانت الكلمات عاجزة عن ذلك.
بناء الثقة بالنفس: المشاركة في العروض المسرحية تعزز الشعور بالكفاءة والإنجاز، وتساعد الأطفال على تجاوز الخجل والخوف من التعبير عن أنفسهم أمام الآخرين.
التواصل الاجتماعي: يتيح المسرح الفرصة للتفاعل مع الآخرين، وبناء علاقات اجتماعية قوية، مما يساهم في دمجهم في المجتمع.
تنمية المهارات: يطور المسرح مجموعة واسعة من المهارات لدى الأطفال، مثل المهارات الحركية، والمهارات اللغوية، والمهارات الإبداعية، والمهارات الاجتماعية.
رفع الوعي: يساهم المسرح في رفع الوعي المجتمعي بقضية الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وكسر الحواجز والنظرات النمطية.
كيف يمكن للمسرح أن يساهم في هذه القضية؟
ورش عمل ودورات تدريبية: يمكن تنظيم ورش عمل ودورات تدريبية للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة لتعليمهم أساسيات المسرح، وتنمية قدراتهم الإبداعية.
عروض مسرحية: يمكن تقديم عروض مسرحية يشارك فيها الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة، سواء أكانوا ممثلين أو مشاركين في جوانب أخرى من العرض.
برامج توعية: يمكن تنظيم برامج توعية للمجتمع حول أهمية المسرح للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وكيف يمكنهم دعمهم.
شراكات مع المؤسسات: يمكن التعاون مع المدارس، والمراكز المتخصصة، والمسارح لتقديم برامج مسرحية للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
دور المجتمع:
يجب على المجتمع ككل أن يلعب دورًا فعالًا في دعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وذلك من خلال:
تغيير النظرة المجتمعية: يجب تغيير النظرة السائدة تجاه الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة من نظرة شفقة إلى نظرة تقدير واحترام لقدراتهم وإمكاناتهم.
توفير الخدمات: يجب توفير الخدمات اللازمة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، مثل المدارس المتخصصة، ومراكز التأهيل، وخدمات الدعم النفسي.
التوعية: يجب نشر التوعية حول حقوق الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة واحتياجاتهم الخاصة.
مما سبق قمت بإعداد مجموعة من التوصيات فيما يخص دور المؤسسات والمنظمات، والمجتمع والأسرة.
دور المؤسسات والمنظمات:
تخصيص ميزانيات: تخصيص ميزانيات كافية لإنشاء برامج مسرحية متخصصة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وتوفير الموارد اللازمة لتدريب الكوادر المؤهلة.
بناء شراكات: تعزيز الشراكات بين المؤسسات الحكومية والخاصة والمنظمات الأهلية العاملة في مجال الإعاقة، لتبادل الخبرات والموارد وتنفيذ مشاريع مشتركة.
تدريب الكوادر: توفير برامج تدريبية متخصصة للمعلمين، والمعالجين، والفنانين، لتزويدهم بالمهارات اللازمة للعمل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في مجال المسرح.
تطوير البنية التحتية: توفير مسارح مجهزة لاستقبال الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، مع توفير وسائل مساعدة مثل الكراسي المتحركة ووسائل الإضاءة والصوت المناسبة.
دور الأسرة:
التشجيع والدعم: تشجيع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة على المشاركة في الأنشطة المسرحية، وتقديم الدعم المعنوي لهم.
التعاون مع المدرسة: التعاون مع المدرسة لتوفير الفرص للأطفال للمشاركة في الأنشطة المسرحية المدرسية.
البحث عن الدعم: البحث عن الدعم من المتخصصين في مجال الإعاقة لمساعدة الطفل على تطوير مهاراته المسرحية.
إن المسرح وسيلة قوية لتمكين الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، ودمجهم في المجتمع. من خلال العمل الجماعي وتوفير الدعم اللازم، يمكننا خلق بيئة محفزة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة للتعبير عن أنفسهم وإظهار إبداعاتهم.




|