|
القاهرة 02 ديسمبر 2025 الساعة 10:00 ص

بقلم: عبده الزرَّاع
كَتَبَ أَميرُ الشُّعَراءِ أَحمَدُ شَوقي قَصائِدَهُ وَحِكاياتِهِ الشِّعريَّةَ لِلأَطْفالِ مُتأثِّرًا بِحِكاياتِ «لافونتين» الفَرنسيِّ الخُرافيَّةِ، ما بَينَ عامَي (1892 – 1893)، وَدَعا أَصدقاءَهُ مِنَ الشُّعَراءِ آنَذاكَ لِلكِتابةِ لِلأَطْفالِ وَالأُسْرَةِ، وَخُصوصًا صَديقَهُ خَليل مَطران صاحِبَ "المِنَنِ على الأَدَب".
وَلِلأَسَفِ، لَم تَجِدْ دَعْوَةُ شَوقي قَبولًا لَدَى الشُّعَراءِ في ذلِكَ الوَقتِ، رُبَّما لِأَنَّ أَذْهانَهُم كانَتْ مُنْصَرِفَةً عَن هذِهِ الكِتابةِ، فَانْصَرَفَ هُوَ الآخَرُ بَعدَ فَترةٍ عَن كِتابةِ شِعرِ الأَطْفالِ.
وَظَلَّت هُناكَ مُحاوَلاتٌ قَليلَةٌ بَعدَ شَوقي، فَكَتَبَ عَبدُ اللهِ فَريج أَراجِيزَهُ الشِّعريَّةَ عامَ 1893، وَصَدَرَت في كِتابٍ مَعنونٍ بـ "نَظْمِ الجُمانِ في أَمثالِ لُقمان"، وَهو يَتَضَمَّنُ خَمسينَ مَثَلًا وَضَعَها المُؤلِّفُ في صُورَةِ أَراجِيزَ تَحكي حِكاياتٍ عَنِ الحَيوانِ أَوِ الإِنسانِ أَوِ النَّباتِ، ثُمَّ يَخْتِمُ الأُرجوزةَ بِالمَثَلِ الَّذي انحَدَرَ إِلينا مِن أَمثالِ لُقمان.
مَولِدُهُ وَنَشأَتُهُ
وَظَلَّ الحالُ على ما هُوَ عَلَيهِ مِن «تَمصيرِ» قَصائِدِ الغَربِ، وَخُصوصًا خُرافاتِ «لافونتين» الشِّعريَّةِ، إِلى أَن جاءَ الرّائِدُ الحَقيقيُّ لِشِعرِ الأَطْفالِ العَرَبيِّ مُحمَّدُ الهَراوِيُّ، الَّذي وُلِدَ عامَ 1885م، وَنَشَأَ في أُسْرَةٍ عَريقَةٍ تَنتمي إِلى العِلمِ وَالأَدَبِ، فَقَد وَرِثَ مَلَكَةَ الشِّعرِ عَن جَدِّهِ كَبيرِ عُلَماءِ مِصرَ في عَهدِ مُحمَّدٍ عَلِي باشا.
ثُمَّ تَعَهَّدَ هذِهِ المَلَكَةَ بِالرِّعايَةِ وَالتَّنْمِيَةِ خالُ الشَّاعِرِ الشَّيخُ مُحمَّدٌ شَريف سليم، الَّذي كانَ في زَمانِهِ كَبيرَ مُفتِّشي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِوِزارَةِ المَعارِفِ، وَناظِرَ "دارِ العُلوم".
تَلَقَّى الهَراوِيُّ تَعليمَهُ العامَّ، وَتَعَلَّمَ الفَرَنسيَّةَ وَالإِنجليزيَّةَ إِلى جانِبِ عُلومِ العَرَبِيَّةِ، ثُمَّ الْتَحَقَ بِالْعَمَلِ في «دارِ الكُتُبِ المِصريَّةِ» في قِسمِ الحِساباتِ وَالمُسْتَخْدَمين.
حَياتُهُ الأُسَرِيَّةُ وَبَوادِرُ شِعرِهِ
وَيَقولُ الشَّاعِرُ أَحمَدُ سُوَيلِم في مُقَدِّمَةِ كِتابِهِ عَنِ الهَراوِيِّ: "وكانَ الشَّابُّ قَدِ اسْتَقامَ عُودُهُ، وَنَضَجَت مَوهِبَتُهُ، فَتَقَدَّمَ إِلى خِطبَةِ الآنِسَةِ زَينَب كَريمَةِ إِبراهيم بِك بَيومي المُديرِ العامِّ بِوِزارَةِ المَعارِفِ، وَكانت أَيضًا ذاتَ ثَقافَةٍ فَرَنسيَّةٍ."
وَأَنجَبَ الهَراوِيُّ خَمْسَةَ أَبناءٍ هُم: فاطِمَة، وَيَحيى، وَسارَة، وَإِسماعيل، وَعَزَّة، وَقَد عُنِيَ بِتَربِيَتِهِم وَتَثقيفِهِم جَميعًا، وَذَكَرَ أَسماءَهُم في أَشعارِهِ بِاعْتِبارِهِم مُمَثِّلينَ لِلأَطْفالِ المِصريِّين.
الحَرَكَةُ الوَطَنِيَّةُ وَمَوقِفُ الهَراوِيِّ
وَتَتَفَجَّرُ الحَرَكَةُ الوَطَنِيَّةُ في مِصرَ، وَيَتَفاعَلُ الشَّاعِرُ مَعَها كَما تَفاعَلَ كُلُّ مُثقَّفٍ وَفَنَّانٍ مِصريٍّ غَيُورٍ، فَكَتَبَ قَصيدَتَهُ الشَّهيرةَ "الوَطَنُ الأَعْزُّ" عامَ 1919م، وَقَد حَفِظَها الأَطْفالُ وَالأُسَرُ مِثلَما يُحْفَظُ النَّشيدُ الوَطَنِيُّ، لِما تَحْمِلُهُ مِن حِسٍّ وَطَنِيٍّ صادِقٍ، وَعاطِفَةٍ جَيَّاشَةٍ.
كَما كَتَبَ الهَراوِيُّ عِدَّةَ قَصائِدَ في الوَطَنِ وَالحُرِّيَةِ وَالعَدالَةِ، وَكانَ يُؤمِنُ أَنَّ الأَدَبَ لا يَنفَصِلُ عَنِ القَضيَّةِ الوَطَنِيَّةِ، وَأَنَّ تَربيةَ الأَطْفالِ عَلَى حُبِّ الوَطَنِ وَالفِداءِ لَهُ مَدخَلٌ حَقيقيٌّ لِبِناءِ جيلٍ صالِحٍ.
إِسْهامُهُ في مَجالِ الأَطْفالِ
كانَ الهَراوِيُّ أَوَّلَ مَن وَجَّهَ شِعرَهُ تَوجِيهًا تَربَوِيًّا وَوَطَنِيًّا خالِصًا، فَجاءَت قَصيدَتُهُ سَلسَلَةً مِنَ الدُّروسِ الحَيَويَّةِ وَالأَخلاقيَّةِ، تُخاطِبُ عَقلَ الطِّفلِ وَوَجدانَهُ مَعًا، وَتُعلِّمُهُ بِأسلوبٍ بَديعٍ كَيفَ يَكونُ مُواطِنًا صالِحًا وَإنسانًا نَبيلًا.
نَشَرَ أَعمالَهُ في مَجَلَّةِ "الأَولاد" وَمَجَلَّةِ "الصَّبِيَّة"، وَكَتَبَ لِدُورِ النَّشرِ كُتُبًا عَديدَةً مَدارُها تَربِيَةُ الطِّفلِ وَتَثقيفُهُ وَتَوسِيعُ خَيالِهِ، وَمِن أَهمِّ كُتُبِهِ: "رَوضَةُ الأَطْفال 1922م"، "بَينَ الأَطْفال1923م"، "أَغاني البِرِّ وَالإِحسان"، "أَناشيدُ الطُّفولَةِ"، "رَوضَةُ المَعاني".
وَقَد تَميَّزَت أَشعارُهُ بِاللُّغَةِ السَّهْلَةِ العَذْبَةِ، وَالإيقاعِ المُوسيقيِّ الرَّشيقِ، وَتَنوُّعِ المَواضيعِ بَينَ الحِكايةِ وَالمَوعِظَةِ وَالنَّشيدِ الوَطَنِيِّ.
تَكْريمُهُ وَمَكانَتُهُ
نَالَ مُحمَّدُ الهَراوِيُّ تَقديرَ مَعاصِريهِ، فَأُطلِقَ عَلَيهِ لَقَبُ "شاعِرِ الطُّفولَةِ الأَوَّلِ" في العالَمِ العَرَبِيِّ، وَاعْتَبَرَهُ النُّقَّادُ رَائِدَ شِعرِ الأَطْفالِ فِي مِصرَ وَالعَرَبِ.
وَقَد أَشارَ إِليهِ الشَّاعِرُ أَحمَد سُوَيلِم قائلًا: "كانَ لِلهَراوِيِّ مَوقِفٌ فَريدٌ في حَياتِنا الأَدَبِيَّةِ، فَقَد أَحَبَّ الطِّفلَ بِصِدقٍ، وَأَدرَكَ نُفوسَ الأَطْفالِ وَأَحلامَهُم، وَغَنَّى لَهُم بِقَلبٍ أَبَوِيٍّ وَوَطنِيٍّ صادِقٍ."
مَوْقِفُهُ مِنَ التَّغْييرِ وَالتَّجْديدِ
وَكانَ لِلهَراوِيِّ مَواقِفُ كَثيرَةٌ في الدَّعوَةِ إِلى تَجديدِ الأَدَبِ، وَتَطويرِ مَناهِجِ الكِتابَةِ لِلأَطْفالِ، فَقَد رَأى أَنَّ الأَدَبَ لا بُدَّ أَن يَنطَلِقَ مِن بِيئَتِنا وَقِيمِنا، وَأَنَّ النَّقْلَ عَنِ الغَربِ لا يُفيدُ إِلَّا في الحُدودِ الَّتي تُناسِبُ طِفلَنا وَواقِعَنا.
كَما نادى بِأَن يَكونَ الأَديبُ لِلطِّفلِ مُربِّيًا وَمُعَلِّمًا وَفَنَّانًا في آنٍ واحِدٍ، وَأَن يُقدِّمَ لَهُ الأَدَبَ الَّذي يُغذِّي خَيالَهُ وَعَقلَهُ مَعًا.
وَفَاتُهُ وَإِرْثُهُ الأَدَبِيُّ
تُوُفِّيَ الشَّاعِرُ مُحَمَّدُ الهَراوِيُّ سَنَةَ 1939م، بَعدَ مَسيرَةٍ حافِلَةٍ بِالعَطاءِ الأَدَبِيِّ وَالإِنسَانِيِّ، تَرَكَ خِلالَها مَكتَبَةً زاخِرَةً تُعَدُّ أَساسًا لِمَنهَجِ الكِتابَةِ لِلطِّفلِ في العالَمِ العَرَبِيِّ.
وَقَد بَقِيَ إِرْثُهُ الأَدَبِيُّ نَابِضًا بِالحَيَاةِ، يَتَناقَلُهُ الكُتَّابُ وَالمُرَبُّونَ وَالبَاحِثُونَ، يَستَمدُّونَ مِنهُ القِيَمَ وَالمَعانِيَ وَالمَناهِجَ. فَكُلُّ مَن كَتَبَ لِلطِّفلِ بَعدَ الهَراوِيِّ، لَم يَكُن إِلَّا تَلميذًا مِن تَلامِيذِ مَدرَسَتِهِ الأَدَبِيَّةِ وَالفِكريَّةِ.
أَثَرُهُ وَخَالِدُ ذِكرَاهُ
لَم يَكُنِ الهَراوِيُّ شَاعِرًا فَقَط، بَل كانَ مُؤَسِّسًا وَمُرَبِّيًا وَمُفَكِّرًا، أَدْرَكَ أَنَّ أَدَبَ الأَطْفَالِ يَجبُ أَن يَكونَ جِسرًا بَينَ العِلمِ وَالفَنِّ وَالأَخلاقِ. وَمِن خِلالِ كَلِمَتِهِ الشِّعرِيَّةِ السَّهْلَةِ الرَّقِيقَةِ، وَعَاطِفَتِهِ الأَبَوِيَّةِ الحَنُونَةِ، أَوصَلَ إِلى قُلوبِ الأَطْفالِ وَعُقولِهِم مَعاني الحُبِّ وَالخَيرِ وَالجَمالِ وَالوَطَنِيَّةِ.
وَفِي زَمَنٍ كَثُرَ فِيهِ التَّقنِينُ وَالقُصورُ في الفَهمِ الحَقيقِيِّ لِأَدَبِ الطِّفلِ، يَبقَى الهَراوِيُّ نُقْطَةَ البِدَايَةِ وَالمِعيَارَ الأَصِيلَ لِكُلِّ مَن يَسْعَى إِلى الكِتابَةِ النَّقِيَّةِ لِلأَطْفالِ، لِأَنَّهُ جَمَعَ بَينَ الفَنِّ وَالرِّسالَةِ وَالحُبِّ الصَّادِقِ.
خِتَامٌ
يَبقَى مُحَمَّدُ الهَراوِيُّ عَلَمًا خالِدًا في سَماءِ الأَدَبِ العَرَبِيِّ، وَرَائِدًا مِن رُوَّادِ أَدَبِ الطِّفلِ الَّذِينَ وَضَعُوا أُسُسَ التَّجْرِبَةِ وَخَطُّوا لَها مَعَالِمَهَا الأُولَى. وَمَا كَتَبَهُ لِلأَطْفالِ مِن أَشْعارٍ وَأَناشِيدَ لا يَزالُ حَيًّا بَيْنَنَا، يُرَدِّدُهُ الأَطْفالُ فِي مَدَارِسِهِم، وَيَسْتَلْهِمُهُ الكُتَّابُ فِي مَشَارِيعِهِم، وَيَذْكُرُهُ التَّارِيخُ بِكُلِّ إِجْلالٍ وَاحْتِرامٍ. فَرَحِمَ اللهُ شَاعِرَ الطُّفُولَةِ الأَوَّلَ، الَّذِي سَبَقَ عَصْرَهُ وَفَتَحَ الآفَاقَ لِكُلِّ مَن جَاءَ بَعدَهُ.
|