|
القاهرة 02 ديسمبر 2025 الساعة 09:53 ص

بقلم: د. هويدا صالح
تقدّم مجموعة "قرموط الست" للقاص والناقد هاني منسي (دار روافد، 2025) عالما سرديًا يسعى إلى استعادة الذاكرة الريفية المصرية، لا بوصفها ملاذًا رومانسيًا للماضي، بل فضاءً حيًا تتحرك فيه العلاقات الإنسانية وتتجسد فيه الصراعات اليومية. يكتب منسي من داخل المكان، من قلب القرية ذاتها، ما يمنح قصصه صدقًا فنيًا ورؤية أنثروبولوجية دقيقة، ويحوّل النص إلى شهادة حيّة على عالم يتلاشى ببطء.
ـ اللغة كوعاء للثقافة
تظهر أبرز ملامح المجموعة في اعتماد الكاتب على اللهجة العامية الصعيدية بكل تعبيراتها وتلويناتها، مع إرفاق القصص بهوامش توضيحية غنية تُعرّف بالمفردات التراثية والأدوات والعادات. هذه الهوامش ليست مجرد شروح لغوية؛ بل هي امتداد للنص القصصي، تشكّل نصًا موازيًا يقدّم طبقة إضافية من المعنى والتوثيق.
نجد فيها شروحًا لـ "الزربية" (منزل يُبنى من بوص الذرة)، و"الكَرجة" (طلمبة مائية يدوية)، و"الشيالة" (أداة تقليدية لحمل الطين)، و"الغرارة" (شبكة تُحمل فيها كميات من التبن). بهذه التفاصيل يتحول النص القصصي إلى أرشيف ثقافي يحفظ جزءًا من ذاكرة الريف، ويوثّق معجمًا كاملًا من الأدوات والممارسات التي بدأت تختفي من الواقع اليومي.
ـ المكان كشخصية حية:
لا تظهر القرية في "قرموط الست" كخلفية محايدة، بل ككائن يتنفس، يفرض قوانينه وتقاليده، ويشارك الشخصيات مصائرها.
في وصف "الحوش"، و"الدّركة"، و"الخزانة"، ودورة الزراعة والفيضان، نشعر بأن المكان ليس مجرد إطار سردي، بل هو فاعل مشارك يحدد مزاج الشخصيات وإيقاع حياتها.
يسهم الوصف الدقيق للحقول، النيل، البيوت الطينية، الأدوات الزراعية، وأوقات العمل الموسمية، في خلق عالم قصصي مكثّف، حيث تتصارع ثقل التقاليد مع رغبات الأفراد وطموحاتهم.
حتى عنوان المجموعة، "قرموط الست"، يحمل رمزية دقيقة؛ فـ "القرموط" رمز للخصوبة والغموض في المخيال الشعبي، واقترانه بـ "الست" يمنح دلالة على القوة الأنثوية الغامضة أو التابو الكامن في أعماق الريف.
وتتجلى هذه الرموز في قصص مستمدة من الموروث الشعبي والديني مثل "الحية" التي تستدعي الرمز الديني والثقافي للحية، و"أم الخير" التي تقارب فكرة الخلاص والبركة. هكذا ترتقي القصص من حدود الواقعة الفردية إلى آفاق التجربة الإنسانية الكونية.
ـ الدين الشعبي
تكشف المجموعة، وبشكل لافت، عن طبيعة التعايش بين المسلمين والمسيحيين في الريف الصعيدي.
في قصة "قرموط الست"، نرى كيف يحتفل الجميع بـ "عيد الملاك"، وكيف تتشابك الطقوس الدينية مع الممارسات الشعبية المتوارثة.
وتقدّم الهوامش تفسيرًا تاريخيًا يوضح انتقال هذا الاحتفال من طقس وثني لرب الكوكب "زحل" إلى عيد مسيحي، بما يبرز تعددية طبقات الوعي الشعبي المصري وقدرته على دمج عناصر متباينة عبر الزمن.
هذا التعايش ليس مثاليًا، بل يحمل تعقيداته الواقعية المرتبطة بعلاقات القوة والمصالح والأواصر اليومية.
كما يعرض منسي الإيمان الشعبي بقدر كبير من التفهّم والتعاطف، بعيدًا عن التهكم أو التقديس. ففي قصة "عصا وحيدة وثعابين كثر" يتداخل الإيمان الديني بالآيات مع الممارسات الشعبية السحرية (كالرفاعة)، ويقدَّم هذا التداخل بوصفه جزءًا أصيلًا من البنية النفسية والاجتماعية للشخصيات.
-
البناء السردي: بين الواقعية والرمزية:
يوظف منسي راويا عليمًا يدور بين الشخصيات بمرونة، ويغوص في دواخلها النفسية، كاشفًا عن دوافعها وأحلامها.
هذا الراوي ليس محايدًا تمامًا؛ فهو منحاز للإنسان البسيط، يرى معاناته ويميل إلى التعاطف معه بعيدًا عن الأحكام القيمية.
أبطال القصص من المهمشين: الفلاحون الفقراء، النساء المناضلات، الأطفال الحالمون، والعجائز الذين أنهكتهم الحياة. لكن الكاتب لا يقدّمهم كضحايا، بل كذوات قوية تُصارع قسوة الظروف بكرامة.
وفي قصة "المخمرة" تظهر كريمة مثالًا على الصبر والأمل عبر انتظارها الطويل لحبيب غائب.
يهتم الكاتب أيضًا بالشخصيات التي ينساها المجتمع أو يدفعها إلى الهامش، مثل أبطال قصص "قرموط الست"، "أم الخير"، وغيرهم. ويكشف بمهارة عن صراعاتهم الداخلية مع الفقر والمرض والجهل والسلطة الأبوية.
هذا التركيز على الهامش ليس مجرد موضوع، بل رؤية جمالية تمنح المهمَّشين صوتًا كان غائبًا.
وفي قصص "أم الخير"، "الحية"، و"البغلة" يمنح الكاتب الحيوانات صوتًا سرديًا خاصًا، فتروي حكاياتها من منظورها. هذه التقنية تفتح النص على فضاء فانتازي وتمنحه أبعادًا فلسفية، بينما تضيف الهوامش العلمية (مثل كيفية إدراك الثعابين للألوان) بُعدًا معرفيًا يمزج بين العلم والخيال.
تغمر السرد صور حسية غنية: صوت الماء في الكَرجة، رائحة الطين، ملمس سباط النخيل، طعم الجبن الفلاحي، ما يجعل القارئ جزءًا من التجربة لا مجرد متلقٍ محايد.
وتتنوع إيقاعات السرد بين البطء التأملي والتكثيف الدرامي، في تمثيل أمين لإيقاع الحياة الريفية نفسها.
كما تكشف القصص عن الظلم الاجتماعي من دون خطابية؛ إذ يظهر الفقر، الاستغلال، وقسوة الطبيعة من خلال التفاصيل اليومية، فيتحول الواقع إلى نقد إنساني عميق.
-
اللغة بين الفصحى والعامية:
يمزج منسي بين العربية الفصحى في السرد والوصف، والعامية الصعيدية في الحوار، في بناء لغوي يحقق الأصالة والعمق معًا. الفصحى تمنح السرد تماسكه ورؤيته، بينما تبعث العامية الحياة في الشخصيات وتُقربها من البيئة الواقعية.
وتأتي الهوامش لتشرح مفردات محلية مثل "الزريبة"، "الجركن"، "المخمرة"، مما يشير إلى وعي الكاتب بأهمية التوثيق ونقل هذه البيئة إلى قارئ قد لا يعرف تفاصيلها.
النساء في قصص منسي لا يظهرن بوصفهن كائنات سلبية، بل مقاتلات يملكن قدرة على التحمّل والصمود رغم القيود الاجتماعية. يتجلى صراعهن مع الأعراف الأبوية، لكنهن يجدن دائمًا مساحة للمقاومة وإعادة تعريف وجودهن.
"صة "هوبا بيضحك ليه؟!": فلسفة الضحك:
تُعد هذه القصة مدخلًا فكريًا للمجموعة، إذ تفتتح بالاقتباس:
"وما أضحكش ليه؟! وأنت؟! مبتضحكش ليه...؟! خايف يقولوا عليك عبيط، طيب...! خليك!"
يمثل "هوبا" نموذجًا للروح التي تقابل الألم بالضحك، وترفض الاستسلام لقسوة الواقع. يقدّم منسي الضحك هنا كفعل مقاومة وموقف وجودي، لا مجرد انفعال عابر.
"قرموط الست" ليست مجرد مجموعة قصصية عن الريف المصري، بل نص يحفظ ذاكرة جماعية بكامل تعقيداتها، ويؤكد إمكانية المزج بين الجمالية الفنية والوظيفة التوثيقية دون أن تطغى إحداهما على الأخرى.
يقدّم منسي خطابًا رؤيويًا يحتفي بالبسطاء وبقيم التعايش والإنسانية، وينقد الظلم الاجتماعي دون مباشرة، ويستثمر الرمز والأسطورة لكشف أبعاد وجودية تتجاوز حدود القرية.
من الناحية الجمالية، يبني عالمًا قصصيًا مكتمل الملامح، قائمًا على لغة حيّة ومكان موثق وشخصيات حقيقية.
ومن الناحية الفكرية، يتجاوز الحكي الواقعي ليطرح أسئلة كبرى عن المصير والعدالة والمعنى.
-
نقد الواقع والبحث عن معنى:
يمتد خطاب المجموعة إلى نقد الواقع الريفي في تشابكاته السياسية والاجتماعية.
قصة "تجار البركة" تكشف استغلال الجهل والدين لتحقيق مكاسب مادية، حيث تتحول البركة إلى سلعة، والإيمان إلى تجارة. وقصص أخرى مثل "واجبات إجبارية" تثير قضايا السلطة والواجب الاجتماعي القسري.
ويظهر انشغال الكاتب بمفهوم الزمن والقدر في قصة "لم تكتمل قصة بعد..." التي تجعل من الحكاية الناقصة استعارة لحياة غير مكتملة أو وعد مؤجل.
كما تضفي الإشارات الدينية -من سفر إشعياء أو إنجيل متى- عمقًا ميتافيزيقيًا يربط اليومي بأسئلة الخطيئة والخلاص ومصير الإنسان.
|