|
القاهرة 02 ديسمبر 2025 الساعة 09:50 ص

بقلم: سوزان سعد
في الوقت الذي تتجه فيه الأضواء دائمًا نحو الفنانين الكبار، نحلّل أعمالهم ونتحدّث عن تجاربهم ومسيرتهم الطويلة، نغفل كثيرًا عن أولئك الصغار الذين يرسمون أحلامهم بخطوط بريئة، ويصنعون من الألوان عالمًا مدهشًا من الجمال والدهشة.
إنهم الأطفال الموهوبون، الذين يحملون في عيونهم بريق الفن، وفي قلوبهم شغف الاكتشاف، وفي أيديهم بذور الإبداع الذي سيزهر غدًا.
إن الحديث عن الأطفال الموهوبين في الفنون ليس مجرد ثناء على محاولاتهم، بل هو إقرار بأن الفن يبدأ من اللحظة التي يعبّر فيها الطفل بصدق عن رؤيته للعالم. فكل لوحة يرسمها، مهما بدت بسيطة، هي في جوهرها مرآة لنضجه الداخلي، ونافذة على خياله الواسع، وإشارة إلى أن هذا الطفل لا يقلّ إحساسًا أو إدراكًا عن أي فنان راشد، بل ربما يتفوّق عليه في نقاء الرؤية وصدق التعبير.
حين نتأمل لوحات الصغار الموهوبين، ندرك أنهم لا يقلّدون بقدر ما يكتشفون. فكل واحدٍ منهم له بصمته الخاصة، وخطه الذي يميّزه، ونظرته التي تشبهه وحده. في بعض اللوحات نرى الطبيعة في أبهى صورها، جبالاً شامخة تتدرج ألوانها بين البنفسجي والأبيض، وماءً أزرق متدفقًا يحمل طاقة الحياة والحركة. هذا التوازن بين ثبات الجبال وانسياب الماء ليس مجرد مشهد طبيعي، بل هو وعي فني مبكر بالتناقض الجميل بين القوة واللين، بين الهدوء والعاصفة.
وفي أعمال أخرى، نلحظ تركيزًا على التفاصيل الدقيقة للأشياء اليومية — كالمائدة، والنبات، والشمعدان — وهي عناصر تحمل حسًّا واقعيًا متأملًا، يشير إلى قدرة الطفل على الملاحظة والتكوين، بل وإلى ذوقه الجمالي في ترتيب المشهد الفني وكأنه يروي حكاية صامتة. هذه الملاحظة ليست عشوائية، بل تمثل وعيًا مبكرًا بعلاقات الضوء والظل، وبالكتلة والفراغ، وهي مفاهيم يتعامل معها الفنانون الكبار بعمق في مراحل لاحقة.
أما في بعض الأعمال التي تتجه نحو البورتريه، فنجد أسلوبًا يلامس التجريد التعبيري، مثل لوحة الوجه الأنثوي ذات الملامح الكبيرة والخطوط الجريئة. فيها مزيج من البساطة والانفعال، من الطفولة والوعي، من الحلم والحزن. الخدان المحمران، والعيون الواسعة التي تفيض مشاعر، والرقبة الطويلة الموشاة بخطوط سوداء متكررة، كلها إشارات إلى حسّ تصميمي معاصر، متأثر بأساليب المدارس الفنية الحديثة مثل التكعيبية الجديدة والفن التعبيري الحديث. هذا النوع من التأثر لا يأتي من تقليد مباشر، بل من فطرة بصرية تتفاعل مع ما تراه وتشعر به.
وليس الرسم وحده هو مجال تألق هؤلاء الأطفال، فبعضهم وجد لغته الخاصة في الخامات غير التقليدية. هناك من يستخدم الورق ليصنع منه مجسمات فنية نابضة بالحياة، يطوّع طياته وثنياته لتتحول إلى طيورٍ وأشخاصٍ ومشاهد كاملة تنبض بالحسّ الإبداعي، وكأنها منحوتات من الخيال. وهناك من يعمل بالطين، يصيغ منه تماثيل صغيرة تجسّد المشاعر والقصص، لتُدهشنا بقدرتها على التعبير دون كلمات. هذه التجارب الصغيرة ليست مجرد لعب بالخامات، بل بدايات حقيقية لوعي تشكيلي مبكر، ولقدرة على تحويل المادة الخام إلى فكرة، والفكرة إلى شكل، والشكل إلى معنى.
إن الصغار الموهوبين لا يرسمون لإرضاء أحد، بل لأنهم يجدون في الفن طريقًا للفهم، وللتعبير، وللوجود. وحين نمنحهم الفرصة ليعرضوا أعمالهم، نحن لا نكافئهم فحسب، بل نعلن إيماننا بأن الفن ليس عمرًا يُقاس بالسنين، بل روحًا تُقاس بالخيال.
من هنا، تبرز أهمية أن نلتفت نحن – كمتذوقين للفن وكمجتمع – إلى هؤلاء الصغار. فالفنانون الكبار الذين نحتفي بهم اليوم، كانوا يومًا ما أطفالًا يلوّنون الجدران بأحلامهم. ومن مسؤوليتنا أن نكون أول من يقرأ تلك الأحلام، لا أن ننتظر حتى تتحول إلى شهرة. فحين نجد أعمالًا فنية تُعبّر عن خيال الطفولة وصدقها، لا يجب أن ننظر إليها كمجرد محاولات بريئة، بل كمساحة حقيقية لنمو الجمال، ولتربية الذوق، ولتشكيل وجدان جيل جديد من المبدعين.
لقد كانت تجربتي مع هؤلاء الصغار الموهوبين في "أتيليه القاهرة" تجربة أعتز وأفتخر بها كثيرًا. هناك، رأيت في أعينهم حلمًا يتجاوز الحدود، وموهبة لا تعرف المستحيل. كل لحظة قضيتها معهم كانت تذكيرًا بأن الفن طاقة لا تُقاس بالعمر، وأن الجمال الحقيقي يولد من الصدق والبساطة. كنت أرى فيهم الشغف ذاته الذي يصنع الفنان الحقيقي، ذلك الذي لا يرسم ليُعجب، بل ليُعبّر، لا يبحث عن تصفيق، بل عن معنى.
أتمنى أن أكون سببًا في أن يرى العالم كله ما أراه أنا فيهم من طاقة وإبداع، وأن تصل موهبتهم إلى كل قلب محب للفن، ليس داخل مصر فقط، بل إلى كل مكان يعرف قيمة الجمال والخيال. فهؤلاء الأطفال يستحقون أن تُفتح لهم الأبواب، وأن يجدوا من يوجّههم ويرعى أحلامهم دون أن يقيّدها، لأن الفن يولد حرًّا، وينمو بالحب، ويزدهر بالتشجيع.
إن دعم هؤلاء المبدعين الصغار ليس واجبًا فنيًا فحسب، بل هو استثمار في إنسانية المستقبل، في أجيال تعرف أن اللون يمكن أن يكون لغة للحب، والخط يمكن أن يكون طريقًا للحلم، واللوحة يمكن أن تكون وطنًا صغيرًا يسكنه الإبداع.
فالفن هو مرآة الروح، وكل طفل يرسم أو ينحت أو يكوّن من الورق والطين عالمه الصغير، إنما يكتب سطرًا جديدًا في قصة الجمال الإنساني الكبرى. وكل ما يحتاجه منا هو أن نؤمن به… أن نصغي لصوته الصادق، وأن نحمي هذا النور الصغير حتى يضيء العالم كله.










|