|
القاهرة 02 ديسمبر 2025 الساعة 09:49 ص

قصة: عبدالعليم حريص
جرتْ العادةُ أن تتوحمَ الحُبلى من نساءِ قريتنا.. على فاكهة في غيرِ أوانها، أو على ديكٍ "روميّ"، فهذا أعلى مراتب الاشتهاء في عالمنا الجنوبي.. كما هي أحلامهم وتطلعاتهم البسيطة، التي لا تتجاوز توفيرَ كمية من حبوبِ الحِنطة.. مؤونة (الستر) طوال العام.
وبناء بيتٍ من "الطوب اللبِن"؛ يأوون إليه، حبذا لو عُقد سقفه ب"جريد" النخل، بدلاً من (ستار البوص)، بعد أن غيروا "خبزهم" الذي كان أرغفة (البتّاو) من حبوب (الذرة الرفيعة) المعروفة بقساوتها.. وصاروا يأكلون "عيش القمح" الأبيض الطريّ.
ومالوا عن سماعِ إنشاد (محمد عبدالرحيم) ابن قرية (بني حِميل) المجاورة لهم؛ وباتوا يهيمون بالشيخ (ياسين التهامي) القادم من أسيوط، وينشدُ قصائدَ "الحلاج" و"ابن الفارض".
كانتْ "السيرة الهلاليّة" هي منتهى الإربِ؛ لرغبات نفوسٍ باحثة عن الزعامة، أو الاحتماء بكنف أبطالٍ أسطوريين، يحققون العدلَ بين كافة الطوائفِ المنتشرة في جنوبِ مصر.
حتى شاعتْ أسماء أبطالها في كلّ مواليد القطر الجنوبي.. وكثيراً ما احتدمَ الخلافُ بين مؤيدي (أبو زيد الهلالي) فارس الشرقِ، و(الزناتي خليفة) أسد الغربِ. أمّا ما كان من أمر (الغِيدِ الحِسان) والمفاضلة ما بين "الجَازية" الهلالية، و"سُعدى" الزناتية، فحدّث ولا حرج.
لكن شاعر "الربابة" اضطر آسفٍ لإنهاء هذا الصراع الأبديّ، بين الشرق والغرب.. بحلم من "سعدى" ابنة الزناتي.. حيث أوْلَ كنبوءةٍ من قبل وزيره (العلّام) المعروف بضلوعِه في "ضرب أو خطّ الرمل"، بأن نهاية "خليفة" ستكون ب(حربة دياب بن غانم الزغبي الأحمر).
والتي لا أظنّها إلا حيلةً مدروسةً من قِبل "الريس جابر أبو حسين"، و"علي جرمون"، و"سيد الضوي" و"متقال" و"القناوي"، ومن سبقهم ومن يأتي بعدهم، من شعراء السيرة والربابة.. كي لا تحدث وقيعةٌ بين أنصار (أبو زيد الهلالي) زعيم أرض المشارق، و(الزناتي خليفة) زعيم أرض المغارب. ويذهب فيها (دياب) الذي أوجد له الرواة – مسبقاً - مواقف متباعدة، تنبئ عن نذالةٍ وخِسة وطموح في المُلك؛ كي يتقبلَ الناس في النهاية قتله لأسد الغرب.. ولولا قوة بأس وفروسية "الغندور" دياب بن غانم، لما رجحتْ كفة (أبو زيد) في جلّ معاركهِ التي حسمتْ في النهاية لصالحه.. ستظلّ مقولة "الهلالي" تبرئ ساحته أمام التاريخ.. لمّا رأى "الزغبي" يجرّ "الزناتي" خلفه مدرجاً في دمائه، إلى مرابع الهلالية وبني زغبة، وباقي عشائرهم، فضمّه إليه.. معاتباً (دياب)، على تنكيله ب(أبو سعدى): (اِخلع "الحربة" من عين "السبع" يا "ديب".. دا راجل ملو عين الأعادي) وينتهي الصراعُ بموت خليفة (سبع جيله).. وتحتفظ كلُّ طائفةٍ بقدسية أبطالها المتخيلين، كأجمل ما يكون عليه المخلص.
ثم تطورتْ قريتنا لتسمع (غزال الجبل منزله منين.. عاجبني محني كفوفه). وانتشرتْ مربعات "ابن عروس" في كلّ ربوع الصّعيد، حبذا قوله (زمانك زمان الكُلوبّاتْ، لمض الصفيح بطلوها.. يا ما ناس كانت بلا اْبّاتْ، اليوم تحلف بابوها) ما يدلّ على أن التغييرَ سُنةٌ قهريّة، فدوام الحالِ من المحال.
كان "الزار" في قريتنا تميمةَ "المتوكلين"؛ فطقوس (المُدام) بدفوفه وأجراسه و(نقِيعته) في أنية مستديرة، يطوف حولها (الملبوسون) و(المريوحون) راقصينَ هائمين متوسلين. وقد ملئتْ تلك الآنيةُ ب(البِسلة) من حبوب وبذور وأعشاب مخصوصة، تنفر من روائحِها مخلوقاتُ العالم السُفلي. وعجن الحِناء واشعال الشموع، والترانيم والبخور، ومشروب الماء بالحِناء عقب فقدان الوعي، وزوال العللِ من الجسم، والتخلص من الآلام والأسقام.. وذبح القرابين "مطلب الأسياد"، على رأس صاحبة (المُدام) بيد شيخةِ الزار.. تلك كانت شريعةُ المغلوبِ على أمرهم؛ لطردِ الأرواح الشريرة، واسترضاء "الأسياد"، وبخاصة من قبل النسوة!
وظلّتْ تعقد جلساته في أول خميسٍ من كلّ شهر قمريّ، حتى ظهر المذياعُ؛ وحلّتْ حفلات (أم كلثوم) بدلاً من حلقات "الزار": (الديك العايق يا هوُه). غير أن موعد (سومة) كان مع أول خميس في الأشهر "الميلادية" التي عرفت وقتها بالإفرنجية" أو "الإفرنكية" لتعثر بعضهم في نطق "الجيم".
وظهر التلفازُ، وبني السدّ العالي، واستقر الحكم للضبّاط الأحرار، ونسي الشعب الملكيّة، وتفاءل بالجمهوريّة.. لقد كانتْ قريتنا تحبّ (كاميليا) حتى ظهرتْ (سعاد حسني)!
وحتى توحّمتْ "غنيمة" على غرابٍ نوحيّ! وقتها لم يصدقها أحد، فبظنّهم محاولة منها للتشبهِ بما كان من أمر (خضرة الشريفة) أمّ (أبو زيد الهلالي) فقد حُكي أنها توحمتْ على غرابٍ فجاء ابنها "أسود"، وأم دياب بن غانم على طائر "أحمر"، وأم الأمير حسن بن سرحان على طائر "أبيض". وكانت تلك من عاداتْ العرب أن تخرج النسوةُ للبادية وترقب الطيور، ومتى اشتهتْ نفسها طيراً توحمتْ عليه، فيأتي المولود كما تمنتْ.. لكن ذلك اليوم باتَ محض خرافةٍ، وبدتْ كواقعة يتندر بها القومُ في مجالسهم، تحت أشجار "الصفصاف" و"الجميز" المنتشرة حول "الترع" التي كثرَ شقّها بعد انقضاء عصرِ فيضان النيل (الدميرة)، وتناقلتْ حكايةَ "وحم غنيمة" العجائزُ في مروياتهنّ المُسلّم بها.. كدستورٍ يُشكّل الوعيَ القبليّ لأمّة الصّعيد.
اقتربَ موعد ولادتها.. فجهزتْ لنفسها "رطلين" من السمن البلديّ، و(فروجة عِتقيّة)، و"بلاص" صغير من عسلٍ أسود. وما يقاربُ صاعين من بذور "الحلبة"؛ لزوم (نفاسها).
ولمّا وضعتْ حملَها، فإذا المولود يأتي إلى قريتنا.. بوجه يشبه الغرابَ. وما كان بكاؤه كسائر الأطفال، بل كان ينعق نعيقاً، تشاءمتْ منه القرية. فكادُوا له ولأمّه، بأن تجمعوا حول بيتها، ومتى شعروا بأنها غطّت في نومها؛ دخلوا عليها، وكتموا أنفاسَ الطفل؛ حتى تأكدوا من مماته.. وولّوا هاربينَ. وبعد هذه الحادثة، بدأتْ "غنيمة" تعافُ كافة الأطعمةِ المتاحة في هنا.. وشعرتْ بميل غريبٍ، لأكلِ لحومِ الغربان!
كانتْ "غنيمة" وزوجها لا يُعرف لهما أصلٌ ولا فصل، غير أن زوجها عامل بهيئة السكة الحديديّة، وسلمته الهيئة مبنىً بجوار القطار، ليعيشا فيه. ولم يُرَ أحدٌ يزورهما، ولا حتى من أيّ بلدٍ قدِما، ويْ كأنّهما وجدا من اللامكان.. وعاشا في اللازمان!
ولما سمعَ الأهالي ما تقوم به "غنيمة" من أفعال غريبةٍ على البشر في حينها، همّوا بالخلاص منها بخنقها كابنها. قبل أن يرجع زوجها، الذي ذهب للعمل في مدّ سكك الحديد في الصحراء الغربية، ولا يعود إلا بعد ستة أشهر. وقد مضى على ولادتها وموت ابنها وأكلها لحوم الغربان، خمسة أشهر، ولم يبقَ أمامهم إلا شهرٌ واحد.
لكن ذلك لم يحدث، ونجتْ "غنيمة"، وتراجعوا عن الخلاص منها.. بعد أن ظهر في القرية ما لم يكن يتخيله أحد. حيث كثُرَ "وحم" النسوة على لحوم الغربانِ والعقبان والبومات، والعقارب والدود، والورنات، والحمير والضفادع، والحيّات، وحتى التماسيح، والكلاب والثعالب، والسحالي.. واختفت من قريتنا الدواب والطيور والحشرات والزواحف، وصارتْ تباع بأغلى الأثمان، حتى أدمنها الناسُ.. ونسوا طعمَ الطيور والماشية، وجلّ ما أحلّ اللهُ لبني آدم، منذ أن عرفَ البشرُ التعاليمَ السماويّة.
وتطوّر بهم الحالُ في قريتنا.. فتمادوا في ملذاتهم التي لا يحدّها سقف، ولا يردعها رادعٌ ولا وازعٌ.. بعد أن جرّبوا أكلَ أيّ شيءٍ، يدبّ على الأرض، أو يطير بجو السماء، أو يغوص في الماء، أو يتوارى ببطنها. وبدأوا يفكرون في أكل لحوم الإنس! ولمَ لا.. فحتماً ستكون أشهى من أيّ شيءٍ جرّبوه، واستساغوا طعمه، فأدمنوه.
فوقع اختيارهم على "غنيمة" كوجبةٍ أولى لهم، وقد كان.. وأكل الجميع منها، ولم يتخلف أحد عن المأدبة، التي أقيمتْ عند بيتها، وما لبثوا حتى بنوا مكان مائدة المحفل.. مزاراً يتبركون به، معتبرينه مذبحاً مقدساً، يقصده القاصي والداني.. كلّما ظفروا بوليمةٍ بشرية جديدة!
تغيّر كلّ ما ألفناه هنا، وصرنا لا نستنكف شيئاً.
ولكن بعد مأكل "غنيمة" صار الجميع لا يأمن على نفسه من الباقين، فالفتك به، أمرٌ سيرضي الجميع، ولن يتغيب أحد عن مأكلهِ. وحرّمَ على قريتنا الأغراب، فمن يدخلها لا يخرج منها. بل سيصبح وجبة لمدمني لحوم البشر، حتى زوجها حينما عاد للقرية، وجد نفسه وليمةً لأهلها.. ومن ينكر ذلك من الأهالي يكن "غنيمة" أخرى!
ضحكتْ الجدّة.. وهي تروي قصّة "وحم غنيمة" على أحفادها.. الذين صدّقوها للوهلة الأولى! ولكن - قطعاً - لن يصدقوها بعد اليوم!
|