|
القاهرة 02 ديسمبر 2025 الساعة 09:46 ص

ترجمة وإعداد: محمد زين العابدين
يتناول هذا المقال نتائج رحلة علمية أطلقتها وكالة ناسا الفضائية لدراسة الشمس، والتي كشفت عن أسرار الشمس، وعن جوانب مثيرة عن الإشعاع الشمسي والرياح الشمسية وغيرها..
فعلى الرغم من نجاح المهمات العلمية السابقة، لدراسة كوكب (بلوتو)، وما يحيط بالنظام الشمسي. وبالرغم من تحركات المركبات الفضائية الجوالة، فوق سطح المريخ، لدراسته بدقة، فإن الوصول للشمس لمعرفة أسرارها، ظلَّ بعيد المنال حتى الآن..
وقد أطلقت وكالة (ناسا) الفضائية، واحدة من أكثر بعثاتها الفضائية طموحاً، ألا وهي(مسبار باركر الشمسي)، حيث سافرت المركبة الفضائية بسرعة 720 ألف كم/ساعة، لتسبحَ مراراً وتكراراً بالقرب من الشمس، أكثر من أي مركبة فضائية سابقة في التاريخ؛ وكان لهذه المهمة مغامرات طموحة، حيث استهدفت- حسبما أشار فريق المسبار الفضائي -(Parker Solar Probe) الغوص داخل وخارج الغلاف الجوي للشمس، والمعروف باسم (هالة الشمس).
وفي فبراير 2019، أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية( (ESA، مسباراً فضائياً خاصاً بها لدراسة الشمس،، ليس بهدف الاقتراب من الشمس، مثل نظيره الذي أطلقته وكالة (ناسا)، لكنه سيظل مغموراً بأشعة الشمس الشديدة، ما يقرب من 500 مرة ضعف تعرض أى مركبة فضائية في مدار الأرض.
وعلى عكس مسبار (Parker Solar Probe)، الذي يقضي وقتاً قصيراً فقط، في درجات الحرارة الشديدة، أثناء غوصه داخل وخارج الغلاف الشمسي؛ سيبقى (Solar Orbiter) في مكانه لسنوات، يراقب، ويقدم القياسات المطلوبة عن الشمس.
وكلتا المهمتين كان لهما هدفٌ واحد، ألا وهو معرفة المزيد، عن الطريقة التي يتم بها إطلاق الغاز المكهرب، المعروف باسم (البلازما)، من الغلاف الجوي للشمس إلى الفضاء، حيث يُعرف هذا التيار المستمر بالرياح الشمسية، فغاز البلازما هو الذي يحمل الطاقة والمجال المغناطيسي للشمس عبر الفضاء، وفهمه من الممكن أن يحل مشكلة كانت تحير العلماء لعقودٍ عديدة، ويمكن أن تكون المفتاح لحماية مجتمعنا التكنولوجي.
ما هي الرياح الشمسية؟
عندما تصطدم الرياح الشمسية بالأرض، يمكنها أن تعطل أو حتى تدمر التكنولوجيا الكهربائية في مدار الأرض وعليها. وقد وجدت دراسة حديثة، أجرتها (الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم)، أنه في حالة عدم وجود تحذير مسبق؛ يمكن أن يتسبب التوهج الشمسي الضخم، الذي تحمله الرياح الشمسية، في أضرار بقيمة 2 تريليون دولار، في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، ولن يكون بالمقدور إصلاحها سريعاً.
وقد وجد التقرير أن مثل هذا التوهج الشمسي الهائل، يمكن أن يسبب الكثير من الضرر لمحطات الطاقة؛ بحيث أنه من الممكن أن يجعل الساحل الشرقي للولايات المتحدة بدون كهرباء لمدة عام، وأوروبا ستتضرر منه بالمثل.
ومع ذلك، ففي حين أن شيئاً بهذا الحجم، لن يحدث إلا مرة واحدة كل بضع مئات من السنين؛ فإن العواصف الشمسية الأصغر تحدث بشكل متكرر، ومعظم هذه العواصف، تسبب القليل من الاضطراب؛ ولكن جميعها يكون لها تأثير؛ في مارس 1989- على سبيل المثال- ألحقت عاصفة شمسية صغيرة أضراراً جسيمة، بمحول الطاقة في نظام الطاقة المعروف بإسم(هيدرو- كيبك)؛ لقد أوقفت شبكة الكهرباء المرتبطة به، لأكثر من تسع ساعات، حيث تم تنفيذ الإصلاحات الطارئة.
وفي الآونة الأخيرة، وفي عام 2003 تحديداً تسببت سلسلة من العواصف الشمسية، التي حدثت خلال فترة عيد (الهالوين)، في تعطيل أكثر من نصف الأقمار الصناعية لوكالة (ناسا) للفضاء بطريقةٍ ما. وفي نفس الوقت، كان لا بد من إعادة توجيه الطائرات بعيداً عن خطوط العرض القطبية، بسبب الكميات الكبيرة من الإشعاع، المرتبط بالشفق القطبي الكثيف (والشفق القطبي: هو ظاهرة كهربية طبيعية، تتميز بظهور شرائط من الضوء المائل للاحمرار أو الخضار في السماء، عادة بالقرب من القطب المغناطيسي الشمالي أو الجنوبي للأرض) ولذلك، ففي حين أن دراسة الشمس لم تكن أبداً في الوقت المناسب لذلك؛ فإن الرغبة في القيام بذلك تعود إلى ما قبل عصر الفضاء، في القرن التاسع عشر، عندما تم الكشف عن لغز الشمس.
ففي 7 أغسطس عام 1869، اجتمع علماء الفلك من جميع أنحاء روسيا وأمريكا الشمالية، لمراقبة الكسوف الكلي للشمس؛ في تلك الدقائق العابرة من الظلام، تمكن العلماء من رؤية شيء، لم يكن مرئياً في أي وقت آخر، ألا وهو الحجاب الطيفي للهالات الشمسية، والغلاف الجوي الخارجي للشمس. لقد كان موضوعاً ساحراً لعلماء الفلك في ذلك الوقت.
كان اثنان من علماء الفلك، هما (تشارلز أوجسطس يونج)، و(ويليام هاركنيس)، يستخدمان أجهزة تحليل طيفي، لتقسيم ضوء الهالة الشمسية، أو (الإكليل الشمسي)، إلى الأطوال الموجية المكونة له. كانا يعرفان أن العناصر الكيميائية المختلفة، تصدر الضوء بأطوال موجية محددة، وأنه بقياس هذه"الخطوط الطيفية"، سيكون بمقدورهما تحديد المكونات الكيميائية للإكليل الشمسي، ومن خلال عملهما بشكل مستقل، اكتشف كلاهما خطاً طيفياً أخضر، بطول موجي يبلغ 530.3 نانومتر. ولقد تسبب ذلك في إثارة علمية كبيرة في ذلك الوقت، لأنه لم تكن هناك مادة كيميائية معروفة مرتبطة بهذا الطول الموجي؛ ولذلك اعتقد علماء الفلك أنهم اكتشفوا عنصراً جديداً.
وقد أطلق العالمان الفلكيان على الخط الطيفي المكتشف اسم"كورونيوم"، نسبة إلى مصدره-وهو الإكليل الشمسي- واتضح فيما بعد، أن (يونج)، و(هاركنس) كانا مخطئين، ومع ذلك لم يفهم العلماء السبب حتى الثلاثينيات من القرن الماضي. فقد أجرى عالما الفيزياء الفلكية (والتر جروتريان) ،و(بينت إدلين) تجارب معملية، ووجدا أن الحديد يمكن أن يعطي هذا الضوء الأخضر، ولكن فقط إذا تم تسخينه إلى درجة حرارة غير عادية تبلغ 3 مليون درجة مئوية، مما يحوله إلى غاز متغير كهربائياً، يُعرَف بالبلازما.
ومع هذا الإدراك، ولد اللغز الحقيقي: ماذا يعني بالضبط، تسخين الهالة الشمسية إلى 3 مليون درجة مئوية؟ إن حجم المشكلة العلمية في ذلك هائل، لأن درجة حرارة سطح الشمس (من الناحية الفلكية)، لا تتجاوز ستة آلاف درجة مئوية .إن هذا اللغز يتحدى قوانين الفيزياء والطبيعة؛ إنه يشبه تدفق المياه إلى أعلى التل!
يقول (نيكولا فوكس) العالم بالمشروع الخاص بهذه المهمة العلمية، في مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة (جونز هوبكنز): "إنك تبتعد عن مصدر الحرارة، ولا بد أنه بالابتعاد عنه يصبح السطح أكثر برودة، وليس أكثر سخونة. فماذا يحدث في هذه المنطقة، حيث يتسارع فجأة ارتفاع درجات حرارة كل المواد المكونة للهالة الشمسية، إلى درجات تتجاوز 3 مليون درجة مئوية؟".
يقول (فوكس): "إن هذا هو اللغز الأول"؛ وإذا لم يكن ذلك لغزاً كبيراً بما يكفي، فهناك لغزٌ ثانٍ مرتبطٌ؛ حيث ينفصل غاز(البلازما)عن الشمس بمجرد وصول درجة الحرارة إلى ذروتها".
ويقول (فوكس): "إذا كنتَ تفكر في طبيعة الشمس، كنجمٍ جاذبٍ عملاق؛ فسوف يقودك هذا التفكير، إلى الاعتقاد بأنها تتشبث بموادها. ومع ذلك، فإن(البلازما)الشمسية قادرة على الانفصال، والتحرك بعيداً وغمر كل كواكب المجموعة الشمسية".
هذه إذن هي الرياح الشمسية، وهي تتكون في معظمها من الهيدروجين والهيليوم. وفي الواقع يشكل الحديد، الذي خالفَ درجة الحرارة الكبيرة للهالة الشمسية، جزءاً ضئيلاً فقط من تكوينها. وتحمل الرياح الشمسية معها المجال المغناطيسي للشمس، وتتدفق إلى الفضاء بسرعة تقارب مليوناً وستمائة ألف كيلومتر في الساعة؛ إنها تغمر الكواكب. وعندما تصطدم بالأرض، فإنها تطلق الشفق القطبي المذهل، الذي يلمع في السماء القطبية. ويقول علماء الفلك، أن تسارع الرياح الشمسية يحدث عند حوالي الدرجة 10 من نصف القطر الشمسي.
ويقول البروفيسور (تيم هوربوري)، من جامعة (إمبريال كوليدج) بلندن، وهو باحث مشارك في مسبار (باركر) الشمسي: "هذه هي المنطقة التي يتجه إليها المسبار، إنها منطقة من الفضاء مهمة علمياً". ومن خلال سلسلة لقاءاته الخارقة للمعتاد بشكلٍ لصيقٍ مع الشمس؛ سيستكشف المسبار هذه المنطقة الرئيسية مراراً وتكراراً، وسوف ينجو من الإنغمار فيها، بفضل نظام الحماية الحرارية المبتكر(TPS). ويتكون هذا الدرع الواقي من الحرارة، من لوحين مفصولين بطبقة من رغوة الكربون، والطبقة التي تواجه الشمس منه بيضاء عاكسة، أما الرغوة نفسها فهي منتشرة وخفيفة، وتتكون بنسبة % 97 من الهواء. وقد تم تطوير هذا الدرع الواقي، وتصنيعه خصيصاً للمركبة الفضائية. وهو أحد التقنيات الرئيسية التي مكَّنت الفريق العلمي من إنجاز المهمة.
* المصدر:( (Philosophy Now Magazine- November 2019
|