|
القاهرة 02 ديسمبر 2025 الساعة 09:42 ص

بقلم: د. إبراهيم المليكي ـ الجزائر
تقوم رواية "حنظل ومكعّبات سكر" للروائي علاء الدين التوينة على رؤية نفسية عميقة تنبني على ثنائية مركزية هي *البحث عن التوازن*. فالبطل، في مساره الوجودي، لا يكفّ عن محاولة إعادة صياغة نقطة اتزان بين قطبين متعارضين: واقع قاسٍ يمتلئ بالجراح، ورغبات وطموحات تدفعه نحو ضفاف الأمل. وبين هذين القطبين المشحونين بالتوتر تتشكل الأحداث، لتطرح سؤالاً وجوديًا حادًا: كيف يحافظ الإنسان على ذاته، ويحقق طموحاته، في عالم يدفعه باستمرار إلى الهشاشة والانكسار؟
تنطلق الرواية من علاقة صداقة غريبة تجمع بين نقيضين تاريخيين: سجّان في سجن الجويدة بعمّان يُدعى *الشاويش عبدالرحيم*، وسجين دخل السجن بعد ارتكابه جريمة قتل. وسرعان ما يغدو السجّان كاتبًا لاعترافات السجين، يدوّن ما يمليه عليه في جلسات أسبوعية مغلقة تشبه جلسات العلاج النفسي.
تبدأ الأحداث بمشهد يستعيد فيه السجّان ذكريات لقاء قديم جمعه بسبعة من أصدقائه في قصر صديقهم سعدون. يستحضر الشاويش المشهد بكل تفاصيله الدقيقة:
*اللوح الأخضر، الطباشير الملوّنة، المسّاحة الخشبية، ساعة الأستاذ عصام الفضيّة التي يخلعها قبل بدء طقوس العقاب، أشجار السرو اليابسة، ونوافذ الصفّ التي تتسلل منها رياح الشتاء كزفير أبواق مبحوحة…*
ثم ينتقل إلى شعوره المتناقض حين يعلم أن سعدون أصبح من كبار تجّار المخدرات، فيغشاه الاشمئزاز، ويشعر أنّ ما تناوله من طعام وشراب كان حرامًا.
ورغم انكشاف بعض ملامح شخصية الشاويش عبد الرحيم، إلا أنه يقطع الطريق منذ البداية مؤكّدًا أنّ دوره في الرواية ليس إلا وسيطًا، قائلاً:
*"لن أتحدّث عن نفسي أيها السادة، فأنا مجرد سجّان اعتاد الصمت، لكنني سأروي لكم قصة قاسم المسعودي، التي شاءت الأقدار أن أكتب فصولها الأخيرة في أواخر خدمتي في سجن الجويدة".*
ويقدّم علاء الدين التوينة، عبر صوت السجين، وصفًا دقيقًا للأثر النفسي للسجن، معتبرًا إياه فضاءً مغلقًا يُعيد تشكيل المفاهيم ويُغيّر القناعات. فالسجن، في نظره، ليس إلا نفقًا يجرّ صاحبه إلى مصير مجهول، ويحوّل الزمن إلى قوة قادرة على "تحويل الإنسان إلى جماد في هيئة متحرّكة".
تتشابك خطوط السرد وتتوازى حتى تبلغ ذروتها في الفصل الخامس حين يشرع قاسم في رواية حكايته مع *بشرى*، المرأة التي تجسدت فيها أحلامه وطموحاته، فغدت مركز الجاذبية الذي لا يستطيع الإفلات من مداره. يرسم قاسم ملامحها كما يشاء، ويرى فيها خلاصه، وفي حضورها تتجسد المدينة ذاتها، فيقول *"استبقاني حضورُها فتشبّثتُ به… حاصرَتنا المدينة فانتصرنا، وتقاسمنا الغنائم: نهضةٌ وامرأة… أنا المدينة وهذه هويتي".*
وفي الفصل الأخير، يميط التوينة اللثام عن بعض أسرار قاسم، بينما تبقى أسرار أخرى معلّقة، غائمة، وكأنها تعمّق المعنى الوجودي للرواية. فالدفتر الأزرق الذي كتب فيه قاسم حكايته يُصبح بمثابة خزان لأحلامه وذكرياته، يجمع بين الحقيقة والمتخيّل، بين سيرة ذاتية وولادة امرأة "جاءت من المستقبل ثم عادت إليه".
إن حركة السرد بين **«الحنظل»** و**«السكر»** لا تقوم على تقابل شكلي بين المرارة والحلاوة، وإنما هي تجسيد لصراع نفسي يسعى فيه الإنسان إلى إعادة بناء توازنه في لحظة انهيار داخلي. هنا يصبح السؤال:
**هل نملك الشجاعة كي نفهم هشاشتنا ونتصالح معها؟ أم نواصل الهروب من مرارة الواقع إلى حلاوة زائفة؟**
تقدّم الرواية بهذا المعنى تجربة سردية تعيد تعريف مفهوم البحث عن التوازن بوصفه رحلة مستمرة، يتحوّل فيها الصراع بين المرّ والحلو إلى مجاز وجودي للبحث عن الذات وإعادة تشكيل الهوية في عالم مضطرب وفاقد للثبات. وهكذا ترسّخ الرواية حضورها باعتبارها عملاً يستثمر السرد لفهم النفس وديناميات الوعي الإنساني.
وتجدر الإشارة في الختام إلى أنّ الرواية تعتمد بنية سردية فسيفسائية تقوم على التقطيع الزمني والتنقل بين الماضي والحاضر وربما المستقبل. فالأحداث اللاحقة تفسّر السابقة، وقراءة كل فصل تمنح فهماً أعمق للفصل الذي قبله، ما يقتضي من القارئ يقظة دائمة وقدرة على ترميم الفجوات. ومع تقدّم القراءة تتضح خيوط الحكاية تدريجيًا لتتكوّن في النهاية صورة سردية واحدة مكتملة الملامح.
|