|
القاهرة 27 نوفمبر 2025 الساعة 01:28 م

بقلم: أحمد محمد صلاح
كانت الكنيسة تمر بفترات عصيبة في تاريخها وخاصة مع حروب البرابرة في القرن الخامس الميلادي، أو الانهيار الشامل الذي كان في أوروبا في فترة الحروب في القرن السادس، ولكن في الشرق كانت الأمور أكثر هدوءا مما حدا بالمسيحيين في البلاد الهادئة مثل مصر إلى استحداث حركة جديدة وهي حركة الأديرة.
وأقصد أن اقول "حركة" الأديرة كما يطلق عليها برتراند راسل، فقد بدأت بتجربة شخصية ثم تحولت إلى طقس وفلسفة مهمة في المسيحية، وما تبعها من تطور، فالحركة بدأت في مصر على يد القديس أنطون الذي ولد عام 250م ثم بدأ في الانعزال عن العالم في عام 270م ليعيش في كوخ وحده، ثم عشرون عاما في الصحراء، وفي عام 305م عاد إلى موطنه يدعو الناس إلى الرهبنة والاعتزال، ويقول ديورانت:
"وقد كان يفرض على نفسه أقصى أنواع الخشونة في العيش، بحيث خفض مقادير الطعام والشراب والنوم إلى الحد الأدنى الذي تقتضيه إقامة الحياة. وكان الشيطان ما ينفكُّ يهاجمه بالرؤى الشهوانية، لكنه وقف وقفة الرجال في وجه هذا الدأب الخبيث الذي يبديه له الشيطان. ولما بلغت حياته ختامها، كانت الصحراء المصرية بالقرب من طيبة مليئة بالرهبان الذين اقتفوا مثاله، وترسَّموا مبادئه".
كانت "حركة أنطون" تقوم علي الفردية، أي أن فرد واحد فقط هو الذي يعيش وحده دون أي رفيق، يجاهد شهواته وحده، ولكن في عام 315م كان باخوميوس المصري ينشئ اول دير للرهبنة في مصر، حيث استن سنة جديدة، فبدلا من الوحدة وقله العمل، جعل الرهبنة مشاعا بين مجموعة، ليس لواحد منهم ملكية خاصة، وكان الرهبان في الأديرة التي نشأت على غرار ما صنعه "باخوميوس" يؤدون عملًا كثيرًا، خصوصًا في الزراعة، بدل أن ينفقوا وقتهم كله في مقاومة شهوات الجسد.
ويقول برتراند راسل:
"وفي نحو هذا الوقت نفسه نشأت الأديرة في سوريا وبلاد الجزيرة، فذهب الزهد فيهما إلى أبعد مما ذهب إليه في مصر، على بُعد ما بلغه في مصر.
تطور نظام الرهبنة ، فبدأ رجال الكنيسة يدخلونها وأصبحت القاعدة للرهبان في الأديرة من القساوسة، وبدأت تنتشر في ربوع أوروبا وأفريقيا، ثم بدأت عملية تنظيم حياة الرهبنة من المدعين للفقر ورغبتهم في الالتحاق بالأديرة والعيش بشكل جيد.
ثم ظهر القديس بندكت، الذي ولد في عام 480م بالقرب من سبوليتو من أسرة مترفة، وفي العشرين من عمره اعتزل الحياة في كهف لمدة ثلاثة أعوام، ويعود إليه أنه وضع أساسا للتقشف، سميت بالقواعد البندكتية، روعي فيها حالة المناخ في أوروبا، حيث أزال بندكت فكرة أن الراهب كلما زاد تقشفه زادت قدسيته قد خُوِّل لرئيس الدير سلطة كبيرة؛ فهو يُنتخب مدى حياته، ويكاد يكون له الحكم المطلق على رهبانه (في حدود «قواعد الدير» والعقيدة الأرثوذكسية).
ولم يَعُد لهؤلاء الرهبان الحقُّ في ترك ديرهم والالتحاق بدير آخر كيفما مالت بهم أهواؤهم. ولقد اشتهر البندكتيون فيما بعد باشتغالهم بالعلم، ولو أن قراءتهم كلها في أول الأمر كانت في خدمة الدين.
كتب الكثير عن معجزات بندكت ومحاولات قتله من قساوسة تكرهه، وكان من يكتب ذلك الأب جريجوري الأكبر، ولكن من الواضح أن القديس بندكت قد كانت معجزاته مؤرقة لعدد من القساوسة، بعد أن جعل الرهبانية جزءا من الديانة المسيحية.
|