|
القاهرة 25 نوفمبر 2025 الساعة 01:43 م

بقلم: د. هويدا صالح
في زمن تتقارب فيه الأعمال الدرامية حتى تكاد تتطابق، يأتي مسلسل" كارثة طبيعية» ليقلب المعادلة، مطلقًا سؤالًا مريرًا: ماذا يحدث عندما يتحوّل أجمل أحلامك إلى أكبر مصادر تهديدك؟ حين يصبح حدث طالما انتظرته بشغف –كالإنجاب- قوة ضاغطة تهدد وجودك، وتعيد تشكيل مصيرك على نحو قاسٍ وغير متوقع.
المسلسل، المعروض على منصة WATCH IT عام 2025، من إخراج حسام حامد وتأليف أحمد عاطف الفياض، وبطولة محمد سلام وجهاد حسام الدين، يقدّم تجربة درامية تقترب من الواقعية الصادمة، لكنها لا تتردد في توظيف الكوميديا السوداء كمرآة تكشف هشاشة الإنسان أمام قسوة الحياة اليومية.
يرتكز العمل على حبكة مركزية تتسم بالبساطة حدّ الذهول: زوجان من طبقة محدودة الدخل يفاجآن بحمل في خمسة توائم دفعة واحدة. معجزة في ظاهرها، لكنها واقعًا تتحوّل إلى "كارثة طبيعية" بكل ما تحمله العبارة من دلالات معنوية ووجودية.
تلك الفكرة تفتح الباب أمام أسئلة ثقيلة:
ـ كيف يواجه زوجان شابان مسؤولية مضاعفة خمس مرات؟
ـ كيف تتحمّل أسرة محدودة الدخل عبئًا ماليًا يفوق قدرتها؟
ـ وكيف يتآكل الحلم الفردي تحت ضغط الضرورات اليومية؟
إن قوة الفكرة تكمن في قدرتها على تحويل حدث إنساني مألوف إلى اختبار وجودي، يكشف هشاشة البنية الاجتماعية والاقتصادية التي تحيط بالشخصيات.
البناء الدرامي: زخم سردي… وثغرات في التبرير:
يبني السيناريو أحداثه بإيقاع سريع يراهن على المفاجآت وتوالي الصدمات، وهو خيار يمنح العمل طاقة واضحة خصوصًا في الحلقات الأولى. لكن هذا الإيقاع نفسه يتحوّل أحيانًا إلى نقطة ضعف، إذ تظهر قفزات درامية كان يمكن تمهيدها بشكل أفضل، سواء في تغير مواقف الشخصيات أو في انتقالاتها الانفعالية.
ومع ذلك، يظل العمل قادرًا على طرح قضاياه الأساسية بوضوح:
ـ الضغوط الاقتصادية تلقي بظلالها على كل تفصيلة.
ـ التفاوت بين الطموح الشخصي والضرورة المعيشية يُعاد صياغته باستمرار.
ـ مفهوم الأبوة والأمومة يخضع لإعادة تعريف قاسية وغير رومانسية.
محمد شعبان: الحالم الذي يسحقه الواقع:
يقدّم محمد سلام واحدًا من أكثر أدواره نضجًا، مجسدًا شخصية كاتب طموح يجد نفسه فجأة أمام مسؤولية تفوق قدرته. لا يقدّم المسلسل هذه الشخصية كبطل خارق ولا كضحية مسطّحة، بل كإنسان عادي يصارع بين حلمه وواجباته.
يتنقل سلام بسلاسة بين لحظات القوة والانهيار، بين التمسك بالأمل والرضوخ للضرورة. هذا الأداء يمنح الشخصية ثراءً إنسانيًا يجعل المشاهد يتعاطف معها حتى عندما تتخذ قرارات مرتبكة أو متخبطة.
شروق: الأمومة بوصفها معركة يومية:
تقدّم جهاد حسام الدين أداءً لافتًا، بعيدًا عن النمطية، في دور امرأة تواجه ثقل الأمومة في لحظة استثنائية. فالحمل في خمسة توائم ليس حدثًا مبهجًا وحسب، بل تحدٍ جسدي ونفسي وروحي، وقد نجحت الممثلة في تجسيد هذا الثقل بتدرج محسوب.
الأداء الجماعي — بدعم من أسماء مثل كمال أبو رية وحمزة العيلي — يمنح المسلسل عمقًا إضافيًا ويعزز واقعيته.
البُعد الميتا: المسلسل الذي ينتقد صناعته:
يمتدّ المسلسل إلى منطقة أكثر جرأة حين يقترب من ملف "سرقة الأفكار الإبداعية" داخل الوسط الفني. ويأتي ظهور محمد فراج في دور "فيجو" ليشكّل نافذة نقدية حادة؛ فالمسلسل لا يكتفي برصد أزمة أسرة بسيطة، بل يتجاوزها لطرح سؤال شائك حول أخلاقيات الصناعة نفسها.
في هذا السياق، يرسل محمد شعبان مجموعة من سيناريوهاته إلى كاتب سيناريو شهير طلبًا للنصح، غير أن الأمر ينقلب كارثة حين يستولي الأخير على الأفكار — بل على السيناريوهات كاملة — ويحوّلها إلى فيلم يُعرض على الشاشات. يكتشف محمد شعبان الخديعة لحظة مشاهدته العرض، فيبدأ مواجهة شاقة لإثبات سرقة جهده الإبداعي. لكن يبقى السؤال: هل سينجح في استرداد حقه، أم سيترك أحلامه تُنهَب أمام عينيه؟
هذا البعد "الميتا" يضيف طبقة وعي ذاتي للعمل، ويكشف علاقة معقدة بين الفن كمنتج اقتصادي والفن كحلم فردي.
الإخراج: واقعية مقتصدة تُضيّق الخناق:
يختار المخرج حسام حامد لغة بصرية تقترب من الواقع دون مبالغة. المساحات الضيقة، زوايا الكاميرا القريبة، والإضاءة الطبيعية، كلها عناصر تُستخدم لتجسيد إحساس الخنق والضيق الذي يعيشه الزوجان.
الاختيارات الإخراجية لا تسعى إلى الإبهار بقدر ما تعزز الشعور بأن كل مشهد يعيش داخل بيت مصري صغير، مكتظ بالمسؤوليات والضغوط والأحلام المؤجلة.
الكوميديا السوداء: الضحك من فم الجرح:
يمشي العمل على خيط رفيع بين الألم والسخرية. في لحظات كثيرة، نضحك لأن الموقف مضحك بحدّ ذاته، ثم ندرك في اللحظة التالية أن الموقف ذاته مؤلم ومخيف. هذه القدرة على خلق حالة مزدوجة — ضحك ممزوج بالقلق — من أبرز نقاط قوة المسلسل، رغم أنّ الانتقال بين النغمتين ليس دائمًا سلسًا.
يطرح المسلسل أسئلة وجودية، محاولا أن يبحث لها عن إجابة، ولعل أهم هذه الأسئلة:
ـ الأبوة ليست حكاية مثالية، فهل هي مسؤولية مضنية قد تفوق قدرة الإنسان، لا سيما في ظروف اقتصادية خانقة، أم شغف الامتداد الطبيعي للأب والأم في حياة الأبناء قادر على أن يجعلنا نتحمل متاعب تلك الأبوة والأمومة؟
ـ الطبقة الاقتصادية قدر لا يمكن الإفلات منه، فهل تتحدد الأحلام وفق ما تسمح به الطبقة، لا وفق ما يتخيله الفرد؟.
وهل محمد وشروق لا يُسحقان بسبب عيب شخصي، بل بسبب منظومة كاملة تضيق على الفقراء؟
ـ هل كل من يحلم يصل إلى لحظة تحقيق حلمه؟ وهل هذا المسلسل قصة وعظية عن أن الأحلام ليست ديمقراطية؟
نقاط القوة في المسلسل:
ـ فكرة مركزية مبتكرة وغير مستهلكة.
ـ أداء تمثيلي قوي ومتماسك.
ـ جرأة في طرح قضايا الصناعة الفنية.
ـ واقعية قاسية تمنح العمل صدقًا لافتًا.
ـ بناء يناسب ذائقة المشاهدة الرقمية السريعة.
نقاط الضعف في المسلسل:
ـ بعض القفزات الدرامية تحتاج تمهيدًا أعمق.
ـ الانتقال بين الكوميديا والدراما يحتاج ضبطًا أدق.
ـ ثيمات مهمة تطرح أحيانًا من دون تعميق كافٍ.
ـ شخصيات ثانوية لم تُعطَ المساحة الكافية للنمو العضوي.
لكن في نهاية الأمر يظل المسلسل قادرا على أن نصفه بالعمل الصادق والناضج رغم عثراته الفنية.
، ويمكن أن نؤكد أنه عمل جريء قادر على تقديم صورة واقعية لأسرة مصرية تُسحق بالأعباء، لكنه لا يغفل الطموح ولا الحلم، ولا يتردد في نقد الصناعة نفسها. المسلسل مناسب لمن يبحثون عن دراما اجتماعية ذات معنى، لا مجرد ترفيه خفيف.
إنه عمل يمتلك فكرة لافتة وأداءً قويًا ورؤية إخراجية واضحة، لكنه يحتاج إلى مزيد من التماسك الدرامي. ومع ذلك، يظل خطوة مهمة في تطور الدراما المصرية على المنصات الرقمية. فالكارثة الحقيقية ليست في الحمل بخمسة توائم، بل في واقع لا يمنح الفقراء فرصة عادلة للحل.
|